لم نكن بانتظار تسمية بوش لما يحدث في العراق باسمه، وهو أسرلة العراق، فقد كانت المقدمات والقرائن كلها تشي بهذا ما دام حاصل جمع الاحتلال والفوضى المدمرة إفراغ العراق من العراق، وتحويله إلى مجال حيوي تجرب فيه الأطراف الطامعة فيه أنيابها واستراتيجياتها المعلنة وغير المعلنة.
المعنى الوحيد لتحويل العراق إلى نموذج قابل للتصدير، هو تكرار التجربة بحذافيرها ومن دون أية محاولة للاستدراك أو النقد الذاتي، لأن الإدارة الأمريكية الراهنة وهي تستثمر كل لحظة مما تبقى لها قررت أن يعقبها الطوفان، فالبراغماتية يخجل مما وصلت إليه برجمانوس نفسه، مثلما اعتذر ميكافيلي في قبره عن مواعظه التي حولت التاريخ إلى مذبحة.
الأسرلة كما يراها بوش الآن هي الوصفة النموذجية لإنقاذ شعوب العالم، فهو لا يتردد في القول إن على بلاده أن تتعلم من الدولة العبرية كيف تدفع ثمناً مقابل الاحتلال والاستيطان.
إن التوأمة التي بشرت بها إدارة الرئيس بوش، والتي كرستها الصهيونية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بدأت تأخذ شكلاً آخر، بحيث تندمج الأجندتان لمصلحة الأجندة الصهيونية، وأي تفكيك جدي لمواقف الإدارة الأمريكية الراهنة، والمرتهنة بتل أبيب يفضي حتماً إلى استنتاج واحد هو أنها تنوب عنها في حروبها وتعبّد لها الطريق، وقد ظهر ذلك مراراً، وإن كانت حرب الخليج الثانية قد دشنت حقبة الحروب الأمريكية بالنيابة عن الدولة العبرية، بعد أزمة ضمانات القروض وقبول تل أبيب بالصمت على الصواريخ العراقية.
إن ما بدأ على شكل مقايضة سياسية انتهى الآن إلى توأمة الأهداف، ولا يحتاج المراقب إلى كثير من الحصافة كي يتوصل إلى أن كل ما يصدر عن واشنطن الآن بشأن الشرق الأوسط موظف ومجير جملة وتفصيلاً لمصلحة تل أبيب.
إن كل ما يحتاج إليه المراقب هو البحث عن الخيوط الدقيقة والسرية التي تربط بين ما يحدث في غزة وبيروت وبغداد كالشرايين.
لكن النظرة أحادية البعد والأفقية تفرض علينا قراءات متباعدة لا رابط بينها وهذا ما تعهدت به الميديا المضللة التي توهم الرأي العام بقطيعة بين ما يحدث في لبنان وفلسطين والعراق.
إن المقصود بأسرلة العراق حسب الوصفة البوشية الأخيرة، هو خلق نمط من الديمقراطية كالذي تحدث عنه يوري أفنيري عندما قال إن ديمقراطية الدولة العبرية لا مثيل لها في التاريخ لأنها ديمقراطية اليهود فقط.
ومن يسع إلى أسرلة العراق، فلا بد أنه يسعى في خط موازٍ لتهويده، خصوصاً بعد أن أصبحت كلمة تهويد مصطلحاً سياسياً مثلما أصبحت أسماء الطوائف مصطلحات سياسية أيضاً! إن الدعوة إلى أسرلة العراق هي الدوزنة التي سيعقبها حتماً العزف الرسمي لأسرلة المنطقة بأسرها.
- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
أسرلة العراق -خيري منصور
