هيئة علماء المسلمين في العراق

التحذير من اتباع الهوى وبيان آثاره
التحذير من اتباع الهوى وبيان آثاره التحذير من اتباع الهوى وبيان آثاره

التحذير من اتباع الهوى وبيان آثاره

تضافرت النصوص من الكتاب والسنة والمروي عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى في ذم الأهواء المضلة والتحذير من اتباعها ، لما لها من آثار سيئة ، وعواقب وخيمة على أصحابها في الدنيا والآخرة ، ومن ذلك ما خاطب الله تعالى به نبيه داود عليه السلام بقوله : [ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ] ( ص : 26 ) .

وقد حذر الله نبيه وصفيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اتباع الهوى والوقوع فيه واتباع أهله قال تعالى : [ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ]  ( الجاثية : 18 )

وقال عز وجل :  ] وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ]        ( البقرة : 145 ) . وقال تعالى [ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ] ( الأنفال : 56 ) . وقال تعالى مخاطبا عباده المؤمنين أن يحذروا من الهوى ، جميع صوره وأشكاله : [ فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا ] (النساء : 135 ) .

ومن صور التحذير من اتباع الهوى والبعد عن أهله ما جاء في قوله تعالى : [ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ](القصص : 50) فقد أخبر تعالى أنه لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هدى ولا علم ، وهذا حال الظالمين الضالين ، قال تعالى : [بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ) [الروم : 29 ) . وقال عز وجل :[ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ] ( الأنعام : 119 ) .
وفي موضعين آخرين من القرآن بين - جل وعلا - أن الهوى إله يعبده أصحابه من دون الله ، وذلك باتباعه وطاعته وعدم مخالفته ، بعد أن أعمى بصائرهم وطمس على قلوبهم ، قال تعالى : [ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ] ( الفرقان : 43-44 ) وقال تعالى : [ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ] ( الجاثية : 23) .

التحذير النبوي من الهوى :
الأحاديث التي جاءت في ذم الهوى ، وبيان خطورته ، والتحذير منه كثيرة منها : ما رواه الإمام أحمد عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى " [1] ، وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الهوى من المهلكات ، متى اتبعه صاحبه ، وانقاد له ، قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاث منجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وثلاث مهلكات ، هوى متبع ، وشح مطاع ، وإعجاب المرء بنفسه " [2 ].

تحذير السلف من اتباع الهوى :
المروي عن السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - كثير في التحذير من اتباع الهوى وذم أهله ، والبعد عن مجالس أهله ، وسماع كلامهم ، والنظر في كتبهم ، سلامة لدينهم ، وحفظا لإيمانهم وعقيدتهم ، ونصحا للأمة ، وأداء للأمانة ، وهم في هذا يستدلون بآي الذكر الحكيم بفهم صحيح ، ونظر ثاقب ، وذلك لأنهم اعتنوا بكتاب الله - جل وعلا - وساروا في حياتهم وفق توجيهاته ، واتباع تعليماته ، والاستهداء بهداياته ودلالاته .

من ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : طول أمل واتباع الهوى ، أما طول الأمل فيفني الآخرة ، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق " [3] .
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : " لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإنهم يمرضون القلوب " [4] وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال : " اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله ، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم " [5 . ]

وفي بيان أضرار مجالسة أصحاب الأهواء وآثارها السيئة على العبد في دينه وتمسكه وخلقه ، يقول أبو قلابة رحمه الله : " لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " [6] . وقال إبراهيم النخعي : " لا تجالسوا أهل الأهواء ، فإن مجالسهم تذهب بنور الإيمان من القلوب ، وتسلب محاسن الوجوه ، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين " [7] .

وقد كان سلفنا الصالح يتواصون بهذا ، فيحذرون طلابهم وغيرهم من مجالسة أهل الأهواء ، معتمدين في توجيهاتهم على النصوص من الكتاب والسنة ، شفقة على غيرهم ، وحبا لهم ، قال عبد الرحمن بن عمر : ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال : لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة ، ثم قرأ : [ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ] ( الحديد : 27 ) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه ثم قال : الزم الطريق والسنة ، وسمعت عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء ، ويكره أن يجالسهم أو يماريهم ، وذكر عنده مرة أصحاب رأي وهوى فقرأ قوله تعالى : [ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) [ ( المائدة : 77 ) [8] .

معنى الهوى :
الأصل في معنى الهوى ميل النفس إلى ما تهواه ، فإن مالت إلى ما يخالف الشرع والدين فهو الهوى المذموم ، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح ، وإذا ذكر الهوى مطلقا أو ذكر ذمه فهو الهوى المذموم لأنه الغالب ، والله المستعان ، وهذا المذموم قد يكون شبهة ، وقد يكون شهوة ، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله - أن فتنة الشبهات أعظم وأشد خطرا من فتنة الشهوات ، لأن الشبهة إذا تواردت على القلب أضعفته ، وحرفته عما يدين الله به أو يعتقده إلى غيره ، وقد لا يقتنع صاحبه بشرع الله ، ولا يسلم لأمره ، ولا يرضى بدينه .

أما فتنته الشهوات فتكون في الأمور المحرمة كالفاحشة وشرب الخمر ، وشهوة جمع المال من غير حله ، فالحلال ما حل في يده من أي سبيل كان ، قال الإمام الشاطبي ، ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء ، لأنهم اتبعوا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك [9] ، وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى : وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ، ولذلك يسمى أهلها أهل الأهواء ، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة ما يحبه [10] .

وبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - خطر فتنة الشبهات فقال : واتباع الأهواء في الديانات وأعظم من اتباع الأهواء في الشهوات ، فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، كما قال تعالى : [ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ] (القصص : 50) .

ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء ، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء ، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه ، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعثه به رسوله صلى الله عليه وسلم [11] .
ـــــــــــــــــــ
بدر بن ناصر البدر
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

(1) رواه أحمد في المسند(4/420)وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح،مجمع الزوائد(1/188)
(2) رواه أبو الشيخ والطبراني في الأوسط بسند حسن ينظر:صحيح الجامع الصغير(1/583) .
(3) ينظر الزهد للإمام أحمد(192).
(4) ينظر : الإبانة لابن بطة(2/438) .
(5) ينظر : الإبانة لابن بطة(1/389).
(6) ينظر : سنن الدارمي(1/108( .
(7) ينظر : الإبانة لابن بطة(2/439( .
(8) ينظر : حلية الأولياء(10/8) .
(9) ينظر : الاعتصام(2/176) .
(10) ينظر : جامع العلوم والحكم(3/226) .
(11) ينظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية(18/143 – 144) .

ياله من دين/

أضف تعليق