مثلما قال أحد المتظاهرين في طهران امس، لم يكن قرار حكومة الرئيس احمدي نجاد بتقنين البنزين سوى واحد من سلسلة القرارات المتسرعة وغير المدروسة التي تتخذها هذه الحكومة، ثم تحاول تغطية الخطأ بشن الحملات على المعترضين، واتهامهم بخدمة المخططات الخارجية.
ومهما قيل في قضية رفع الدعم عن البنزين في ايران، الذي يعتبر بين الارخص سعراً في العالم (11 سنتاً اميركياً لليتر)، وفي مدى صحة القرار أو عدمه في ظل استغلال البعض للدعم الحكومي لتهريب حصصهم الى الخارج، فإن الاعتراضات على هذا القرار تمثل تعبيراً عن حالة اجتماعية وسياسية، تحت ضغط القمع المتزايد للحريات وللنشاطات العامة، في المجالات الاخرى.
يعكس قرار رفع الدعم عن البنزين الى جانب ذلك، تخبطاً اقتصادياً من الدرجة الاولى. فعندما يضطر بلد هو ثاني أكبر مصدّر للنفط الى استيراد 40 في المئة من حاجاته النفطية، بسبب عدم قدرته على تكرير انتاجه، ثم ينتهي به الأمر الى تقنين الاستخدام الداخلي وإلى مواجهة معاناة اقتصادية خانقة، تبدأ من سعر البندورة وتصل الى سعر اللحوم والمواد الاستهلاكية الأخرى، وكل ذلك في ذروة الطفرة النفطية، يبقى لك أن تتخيل طريقة ادارة القطاعات الخدمية الأخرى ودرجة الحكمة في القرارات السياسية التي يتخذها هذا النظام او التي يسهم في الاشراف على رعايتها!
كيف يحل النظام اذاً ازماته الداخلية؟ يلجأ الى الاسلوب الاكثر سهولة وهو القمع. ويساعد على هذا المناخ القامع التصعيد المتعمد في الازمة القائمة مع الغرب حول القضية النووية، والتي لا تبرد يوماً الا لتعود الى الحرارة المعتادة من جديد. وكيف لهذه الحرارة أن لا ترتفع وعلى رأس النظام رئيس لا يطلق تصريحاً (مجانياً بالطبع) الا لتواجهه عاصفة من الاحتجاجات الخارجية، فتعود عجلة لاريجاني في المفاوضات الى نقطة الصفر.
يرافق التصعيد في المواجهة مع الغرب توجه متزايد الى ضرب كل رأي مخالف، سواء في الصحف أو في الوسائل الاعلامية الاخرى، حتى بات المراقبون يشبهون قرارات احمدي نجاد بـ «الثورة الثقافية»، التي تريد اعادة عقارب الساعة الى الوراء، أي الى قيام الثورة سنة 1979. فقد اصدر مجلس الأمن القومي أخيراً تحذيراً الى رؤساء تحرير الصحف يفصل فيه المواضيع التي يمنع عليهم التطرق اليها، ومن بين هذه المواضيع: ارتفاع اسعار المحروقات، والعقوبات الدولية المفروضة على ايران، والمفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الوضع في العراق، والاعتقالات التي حصلت أخيراً لعدد من الايرانيين الذين يحملون الجنسية الاميركية بتهمة «التجسس».
في ظل هذا الوضع لا يعود مستغرباً أن يكون مصير المواطن الايراني ومستقبله في اسفل اهتمامات هذا النظام «الثوري» المشغول بمعاركه مع «الاستكبار» وبنشاطاته الممتدة حول الاقليم. ولا يعود مستغرباً ايضاً أن تعتبر السلطة القضائية في ايران أن شخصاً معتقلاً بتهمة ارتكاب جريمة اغتصاب يعامل بشكل اكثر رأفة من اولئك المعتقلين بتهمة «التجسس». وتروي شيرين عبادي، هذه السيدة الحائزة جائزة نوبل للسلام والتي تتولى الدفاع عن الاستاذة الجامعية هالة اصفندياري، التي ارتكبت «جريمة» زيارة ايران لرؤية والدتها العجوز المريضة، أن الكفالة التي فرضتها المحكمة لاطلاق سراح موكلتها بلغت خمسين ضعفاً تلك التي فرضتها لإطلاق سراح رجل متهم باغتصاب امرأة! وتتساءل عبادي: كيف يمكن أن تعتبر استاذة جامعية وصحافية أخطر في نظر القضاء من رجل مجرم؟ وتضيف هذه السيدة الشجاعة ان صمت الايرانيين على هذا الاستخفاف بحقوقهم سببه خوفهم من القمع وليس الخنوع.
غير ان الخوف من القمع ليس طويل العمر في العادة. والتجربة الايرانية ذاتها مليئة بالعبر.
- الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
اشتعال البنزين الإيراني -الياس حرفوش
