د.عبد الحكيم السعدي:المشتركون في العملية السياسية حاولوا تطبيق القواعد الاصولية وفق رغباتهم
الهيئة نت – القاهرة مما لا شك فيه أن الوضع في العراق شهد تقلبات عديدة بعد الاحتلال الأمريكي الذي طال بلدنا الصابر المحتسب ... وكأنَّ الناس في هذا البلد الجريح قد تنوعت أفكارهم ، وبدأوا وكأنّ كل واحد منهم يروّج لفكرته أو توجهه ، دون أدنى مراعاة لضوابط ديننا الحنيف ، وأصول فقهنا الإسلامي .
وجدير بالذكر الإشارة إلى أن نقاشات كثيرة وكبيرة تدور حول العديد من القواعد الأصولية التي لها تماس كبير بالواقع العراقي ، التي يستدل بها البعض على بعض الوقائع التي تجري في بلاد الرافدين ... خاصة في فترة ما بعد الإحتلال ... إضافة إلى احتدام النقاش حول هذه المسائل في مناسبات متعددة من عمر العراق الجريح ...
ونحن بدورنا جمعنا أهم ما يتعلق بهذا الموضوع ووضعناها بين يدي أحد كبار المتضلعين بعلم أصول الفقه الإسلامي، والمتبحرين بالقواعد الفقهية وتطبيقاتها العملية ( فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحكيم السعدي ) ، وذلك للإجابة عليها ، وتفصيل القول فيها ... وفق الآتي:
س/فضيلة الشيخ : يحتج بعض الناس ممن يشاركون في العملية السياسية في ظل الاحتلال بالقاعدة الفقهية "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" ويقولون : نحن نشارك في العمل السياسي لغرض درء المفاسد التي تطال أبناء العراق ... هل هذا الاحتجاج صحيح ؟ وهل تحقق دفع المفاسد بالمشاركة الموجودة الآن ؟
- قبل الإجابة أود أن أبين الآتي :
(1) أن هذه الأسئلة جاءت متأخرة عن وقتها .
(2) كنت في بداية الأحداث ودخول الاحتلال إلى العراق واللغط الذي حصل في المشاركة وعدمها يومئذ أجيب من يسألني بما سأجيب به الآن لذا فلا حجة لمن سيقول: أين كنت من هذه الأمور قبل أربع سنوات ؟
(3) إن ما أقوله الآن هو عبارة عن قناعات اجتهادية في مثل هذه الأمور التي تختلف فيها الاجتهادات ويتسع فيها النظر حسب رؤية كل مجتهد. وليست موجهة ضد طرف أو يقصد بها الإثارة أو تحين الفرص ضد الآخرين.
(4) مما يؤسف له أن الاحتجاج بالقواعد الأصولية ومقاصد الشريعة أصبح لعبة بيد كل من هب ودب لتبرير المواقف وكسبها لصالح أفراد أو جماعات حتى ولو كان ذلك الاستعمال لقواعد الضرر والمصالح سيئاً ومنبعثاً من عوام الناس وجهلتهم أو ممن ظنوا أنهم فقهاء في الدين وهم ليسوا كذلك وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله ... ثم أقول بعد ذلك :
أن تذرع الذين يشاركون في العملية السياسية في ظل الاحتلال بقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" استدلال في غير محله لأن الذين أقدموا على هذا العمل لم يدرءوا مفسدة بل جاءوا بالمفسدة من خلال إعطائهم الشرعية للاحتلال ومن يعاون المحتل فدرء المفسدة هنا متوهم وجلبها وتحقيقها ثابت فكيف يكون درء المفسدة المتوهم و جلبها المحقق متسقاً مع هذه القاعدة هذا من الناحية النظرية التي قلناها قبيل المشاركة أما الآن وبعد أربع سنوات من الاحتلال فقد تحقق بما لا يقبل الشك ما توقعناه من المفاسد الكبرى في هذه المشاركة .
فلا درء للمفاسد بل هو جلب لها من خلال إعطاء الشرعية لكل الأعمال الإجرامية التي يقوم بها المحتل وأعوانه تحت غطاء الدستور الفاسد والحكومة المنتخبة .
س/ ولكن ، قد يستدل بعضهم في ذلك بالقاعدة التي تقول "الضرر يزال" على أساس أن العمل لإزالة الضرر واجب ... هل هذا الاستدلال صحيح ؟
- الاستدلال بقاعدة " الضرر يزال " : استدلال حق أريد به باطل ؛ فالقاعدة تقرر وجوب إزالة الضرر وهل هناك ضرر أكبر من ضرر الاحتلال وما جاء به من دمار، لذا كان الأولى بمن يحتج بهذه القاعدة لتبرير موقفه وتأييد رغبته في المشاركة أن يفهم القاعدة بحقيقتها ويشمر عن ساعد الجد والاجتهاد فيقاوم الضرر الأكبر الذي نجمت عنه كل الأضرار وهو وجود المحتل بكل وسيلة ضمن مقدرته. وبذلك يزيل السبب الأساس للضرر الذي ستكون نتيجته إزالة كل الأضرار الأخرى أما الآن فليس هناك من ضرر أزيل بل العكس هو الحاصل .
س/ فضيلة الشيخ : هل صحيح أن المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال تعتبر من باب الضرورة، وهل يصح الاستدلال على ذلك بالقاعدة الفقهية التي تقول " الضرورة تقدر بقدرها " ... وبعضهم يقول حتى إذا كان العمل السياسي محظوراً فإن القاعدة تقول " الضرورات تبيح المحظورات " هل يصح ذلك ؟
- لا أرى أن العمل في ظل الاحتلال يعد من باب الضرورات بل أرى العكس ؛ فإنَّ العمل لمقاومة الاحتلال هو من باب الضرورات إذ أن الشريعة أوجبت علينا المحافظة على الضرورات الخمس الدين والنفس والعقل والمال والعرض، والمحتل جاء ليهتك كل هذه العناوين فمقاومته ضرورة تباح عندها بعض المحظورات أما العمل معه والمشاركة في إنجاح مشروعه يعد معاكساً تماماً لأعمال هذه القاعدة .. هذه من الناحية النظرية.
أما من الناحية العملية الواقعية : فإن تجربة أربع سنوات من الاحتلال أثبتت بما لا يقبل الشك أن العمل مع المحتل لم يأت بمصلحة ولم يحقق للعراقيين نجاحاً فلم يحم بشراً ولم يحترم مسجداً ولم يدفع عن عرض ولا عن مال بل العكس هو الذي حصل وما زال مستمراً،
لذا فإننا لو سلمنا جدلاً أن الذين دخلوا العمل السياسي معه تحت هذه الذريعة أو تلك باجتهاد وتوقعات متوهمة فإنه لم يعد لهم عذر الآن بالاستمرار بعدما ظهر لهم خلاف ما توقعوا وتوهموا آنذاك، ثم إن قاعدة "الضرورة تقدر بقدرها" التي قد توهم البعض أنها تشفع لهم في عملهم مع المحتل أُسيء فهمها هي الأخرى، فهي في الواقع تقرر أن ما يباح للضرورة يجب أن لا يتوسع فيه إلا بقدر ما تندفع به تلك الضرورة، لذا فإنه ليس من تقدير الضرورة بقدرها أن يندمج المشاركون في العمل السياسي مع المحتل وأعوانه في أخطر الأمور على الأمة كإقرار الدستور الفاسد والمحاصصة الطائفية وإقرار التقسيم والفيدرالية ونهب الثروات وما إلى ذاك من كبريات المصائب والمخالفات الشرعية وكل ذلك حصل منهم عندما صوتوا للدستور واشتركوا في العملية نعم يمكن أن يستدل لبعض العاملين في ظل حكومة المحتل ممن لا تأثير لهم في صنع القرار بهذه القاعدة فالموظف في حقل الكهرباء مثلاً يمكن أن يفتى له بحل عمله لأمرين أولهما ضروري: إذا تعينت الوظيفة طريقاً لإنقاذ نفسه وعائلته من الهلاك، وثانيهما حاجي يبلغ مبلغ الضرورة وهو حاجة الناس إلى الكهرباء، وهكذا الشأن للمعلم والمدرس يمكن أن يتدرج تحت هذه القاعدة للأمرين السابقين بشرط أن يحاول (مهما استطاع) تعليم أبنائه الطلاب حب الوطن ووحدته ونبذ التفرقة ورفض الطائفية والاحتلال وما إلى ذلك مما يجب أن يتربى عليه الوطنيون المخلصون.
والشرطي كذلك يمكن أن تنسحب عليه القاعدة بشرط أن يقتصر عمله على ما فيه خير للناس من حراسات وتنظيم مرور وما إلى ذلك وأن لا يشترك مع المحتل في أي أذى لأي عراقي شريف. وهكذا بقية العاملين فيما هو ليس بقرار عام وسياسة عامة يخدمان مشروع الاحتلال.
أما القول بأن "الضرورات تبيح المحظورات" فإنَّ هذه القاعدة يندرج تحتها ما قلناه آنفاً من عمل الموظف والشرطي والمعلم والمدرس وما إلى ذلك بالشروط التي ذكرناها ولا يندرج تحتها العمل الذي تحقق فساده وهو المشاركة في إقرار القرارات الفاسدة ورسم السياسات التي جاءت بالويل والثبور لأبناء الوطن الواحد.
مع أني لا يفوتني أن ألفت النظر لكي تكون الإجابة على السؤال مجدية إلى أنه يجب أن يعترف المشاركون في العملية السياسية مع المحتل وأعوانه أن ذلك محظور شرعاً ابتداءً ، لكن المؤسف أنهم أو أن بعضهم شارك وهو يعتقد وجوب الاشتراك أو إباحته على أقل تقدير.
أما التذرع بأن النية كانت متجهة للتغيير والتأثير في صنع القرار لصالح العراق والعراقيين والأمة فإننا توقعنا في حينه عدم إمكان التغيير وقلنا لهم هذه حجة يتم التلاعب فيها على جمهور الناخبين ممن لا تعمق لهم بالسياسة وما يجري في بواطن الأمور، وعلى هذا الأساس تم انتخابهم وإعطاء الأصوات لهم.
والآن قد ثبت عملياً عدم تأثير العاملين مع المحتل وأعوانه ذلك لأن القرارات التي تتخذ لا يؤخذ رأيهم في معظمها وحتى لو أخذ رأيهم فهو من باب الدعاية الإعلامية ولكي يقال أن العراقيين جميعاً مشاركون في العملية السياسية لا من باب التأثير لأنهم ليسوا أغلبية فرأيهم لا قيمة له.
ثم أنهم ضحكوا على الناخبين في أنهم سيغيرون الدستور في غضون أشهر من الانتخابات وقد نبهنا في حينه أن هذا كلام باطل لأن تغيير الدستور أو أي فقرة منه يتطلب موافقة ثلثي البرلمان وهذه عقبة أولى لأن الأغلبية لغيرهم ولو فرضنا أنهم استطاعوا أخذ موافقة الأغلبية على فقرة ما من فقرات الدستور فإن فقراته السيئة جعلت الحق لثلاث محافظات أن تنقض بثلثيها ما أقره البرلمان وهذه عقبة ثانية، فأي تغيير سيتم في ظل دستور هكذا شأنه ؟
س/ يستدل بعضهم على أن المطالبة بالحقوق والدفاع عن النفس واجب، ولا يتم هذا الواجب إلا بالاشتراك بالحكومة التي صنعها الاحتلال ويستدل بالقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" هل هذا الاستدلال صحيح ؟
- القاعدة صحيحة ؛ لكنها فهمت معكوسة، وظن البعض أن طريق المطالبة بالحقوق والدفاع عن النفس لا يكون إلا بالعمل مع المحتل وأعوانه. وكان الأولى أن يفهموا القاعدة بموقعها الشرعي الصحيح وهو أن طريق الدفاع عن النفس والمطالبة بالحقوق هو واحد لا ثاني له (مقاومة المحتل) الذي هو الأساس في كل المصائب لا ممالأته وإضفاء الشرعية على احتلاله ونجاح مشروعه الخبيث .
فالمقاومة الشرعية الباسلة بأنواعها هي وحدها الحل .
ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق استرداد حقوق الأمة من مغتصبيها بجهادها المتنوع بالنفس والمال والكلمة . ولم يثبت التاريخ الإسلامي أن المسلمين انتصروا في يوم من الأيام بمهادنة المغتصب ومعاونة المعتدي. بل بمجاهدتهم والتصدي لهم بكل أنواع المجاهدة والتصدي كل بما يستطيع وذلك هو الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به .
س/ قد تقول لبعضهم أن الواقع يقول أنكم لم تحققوا المصالح ، وهذه حجتكم في المشاركة، فيجيبك بالقاعدة الأصولية التي تقول " ما لا يدرك كله لا يترك جله"... هل هذا الاستدلال حقيقي ؟ وهل تحقق جل المصالح فضلاً عن الكل ؟
- كما أسلفت أن الذين اشتركوا في العملية السياسية احتموا بالقواعد الأصولية التي لم يفهموها أو حاولوا تطبيقها وفق رغباتهم ، فقاعدة "ما لا يدرك كله لا يترك جله" محكومة بقواعد أخرى تقرر أن المصلحة التي لا يمكن إدراكها بكاملها لا يصح تفويت معظمها إذا لم يأت ذلك بمفسدة أعظم من تلك المصلحة وما توهمه البعض من أنهم حققوا بعض المكاسب من خلال مشاركتهم في العمل السياسي على فرض التسليم لهم بحصوله فإنهم أعطوا في مقابل ذلك مفسدة أعظم وهو إضفاء الشرعية على مشروع المحتل ومحاولة إنجاحه.
ولقد أثبتت التجارب والواقع خلال أربع سنوات أنه لم يتحقق لا كل ولا بعض المصالح بل الذي تحقق هو أنهر لدماء العراقيين تسال وطائفية بغيضة، وتقسيم للعراق، ونهب للثروات، وهتك للأعراض وسجون ومعتقلات وانتهاك لحرمة المساجد وتهديم وحرق لها وقتل للمخلصين والشرفاء من الأمة وتهجير لأبناء الوطن وما إلى ذلك من مفاسد كبرى لا تعد ولا تحصى.
لذا فإني أنصح الذين اجتهدوا وبان لهم خطأ اجتهادهم أن يعاودوا النظر فيما هم فاعلون قبل أن يحاسبهم الله وتحاسبهم الأمة وأن يضعوا أيديهم بأيدي المخلصين والشرفاء من أبناء هذا الوطن لمقاومة المحتل وإخراجه وتطهير العراق منه ومن أتباعه وأعوانه والله يهدي السبيل .
يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل
تفصيل القول في القواعد الفقهية لبعض القضايا العراقية في حوار مع الدكتور عبد الحكيم السعدي
