ربما تكون قصة المقاومة العراقية متميزة حتي عن قريناتها في المنطقة مثل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، فهي تعاملت مع عدو هو القوة الأولي في العالم،
مدعوم من قوي داخلية لها اذرع مسلحة، ومن قوي إقليمية عربية تحاشت إقامة أي نوع من الاتصال أو التعاون مع أطراف المقاومة خشية إغضاب الأمريكيين، إلي جانب أن قوة إقليمية أخــري هـــي إيران تدخلت بقوة في العراق لتكون عدوا ثانيا للمقاومة بغض النظر عن شكل علاقتها بالاحتلال الأمريكي.
هذه المقاومة التي بدأت شرارتها بعد يومين فقط من بدء الاحتلال في عملية قتل جندي أمريكي في الاعظمية يوم 11 ابريل (نيسان) 2003، عملت طوال هذا الزمن لوحدها لا يغذيها غير رجال ونساء من العراقيين مع نسبة قليلة من مجاهدين عرب في الأغلب، وغير سلاح الجيش العراقي السابق الذي سمح الأمريكيون بنهبه بعد الاحتلال، وطوال هذا الوقت حرصت واشنطن علي ضبط التحركات العربية الإقليمية بالشكل الذي يمنع الدعم العسكري أو السياسي أو الإعلامي أو المالي إلي المقاومة، باستثناء الحالة السورية التي مثلت عنصرا بارزا من عناصر الشد بين دمشق وواشنطن.
بهذا الوصف وبالمجريات التي حدثت خلال السنوات الأربع المنصرمة من عمر الاحتلال، تكون المقاومة العراقية قد حققت منجزات ضخمة وجوهرية في طريق تحرير العراق، بل إنها حققت من حيث لم تخطط تغييرا ذا بعد كوني في طبيعة النظر إلي الولايات المتحدة وفي شكل الهيبة الأمريكية حول العالم، فأصبحت سطوة وقوة القرار الأمريكي اليوم اقل بكثير مما كانت عليه عشية احتلال العراق، بل أن واشنطن فقدت حتي قوة الزخم الذي بنته عقب أحداث ايلول (سبتمبر) 2001.
لكن، ومع كل هذه المنجزات الكبيرة للمقاومة العراقية، إلا إن تحولات جدية ومعقدة في الحالة العراقية باتت تشكل عاملا ضاغطا باتجاه جعل المشروع الوطني أكثر ديناميكية وتعاطيا مع هذه التحولات، حتي وان كانت فصائل المقاومة الرئيسية قد تنبهت فعلا لذلك وقامت بجملة إجراءات وخطوات في سبيله.
وليس في وارد أي نهج جديد للمقاومة أن يتخلي عن ثابت أساسي ومركزي هو استمرار المقاومة المسلحة للاحتلال حتي خروجه من العراق او الاتفاق علي ذلك في معاهدة مكتوبة ومضمونة وشاملة، لكن أمور أخري يمكن أن تكون مجالا الحوار والمرونة الحركية والتكتيكية التي توفر للمقاومة فرصة التكيف مع المستجدات وتعزز جهد المجاهدين وتقلص الزمن المتوقع للصراع حتي التحرير.
وكي نكون أكثر تحديدا، ينبغي أن نضع أمام المقاومة جملة تصورات عن التحديات التي تواجهها والخيارات التي ينبغي التعاطي معها بحكمة وبعد نظر كي يكون النصر الذي لاحت بشائره أكثر رسوخا وفاعلية، ولعل من بين ابرز هذه التحديات، هو التعامل بشكل حازم وفوري مع أية قوة يمكن أن تستهدف المدنيين العراقيين أو رموزهم أو معتقداتهم علي اختلافها، وسواء كانت هذه القوة معروفة أم لا، فان بيان الموقف من جرائم باتت تغرق العراق في أتون الخراب وتتجه به نحو المزيد من العذابات أصبح ضروريا لمنع الاحتلال وأذنابه من استغلال آخر أوراقهم الدعائية التي تربط المقاومة بما يسمي بالإرهاب.
ولان للمقاومة اذرعا وعيونا تصل إلي كل زوايا المجتمع العراقي، فإنها ربما تكون أكثر قدرة علي كشف الفاعلين الحقيقيين للجرائم المستمرة ضد العراقيين، وفي مقدمتهم الاحتلال والمتعاملون معه إضافة إلي قوي استخبارية مرتبطة بدول إقليمية وقوي محلية حكومية أو مرتبطة بأحزاب وغير ذلك من الأطراف التي تنفذ ما تريد لأغراض تشويه صورة المقاومة او إثارة الفتنة وتعميم الفوضي والهلع اللذين يفضيان إلي إضعاف الكتلة الاجتماعية العراقية الحاضنة للمقاومة والماسكة للحمة الوطنية التي هي آخر خطوط الدفاع عن عراق موحد.
ويتمثل التحدي الثاني بتنظيم القاعدة في العراق الذي بدأ مقاوما للاحتلال، لكنه ينتهي اليوم متغولا علي الجميع بما في ذلك المقاومة بفصائلها، إلي جانب التطور الأخطر المتمثل بتعرض هذا التنظيم إلي اختراق إيراني مباشر بات يمثل خطرا علي المقاومة والبلاد.
إن المعلومات التي تتحدث عن أسلحة وأموال إيرانية إلي تنظيم القاعدة لا يمكن أن تمر من غير فحص ومراجعة دقيقتين، تتحدد في ضوئها طبيعة النظرة إلي هذا التنظيم وطريقة التعامل معه، حيث لا يمكن تصور وجود مثل هذا التقارب والتعاون التسليحي من غير السعي لتمرير أجندة إيرانية عن طريق هذا التنظيم وكذلك من غير تصور خرق إيراني جدي وجوهري للقاعدة لا يستبعد أن يكون هو السبب في المواجهات التي جرت بين هذا التنظيم وفصائل من المقاومة في مناطق مختلفة.
ولن يكون حسنا التعجل في وضع الأحكام فيما يتعلق بهذا الملف تحديدا لخطورته وتأثيره المباشر علي خطط واستراتيجيات المقاومة في الفترة المقبلة، لكن إن ثبت أن القاعدة تتعاون بالفعل مع إيران، أو إذا تبين أن هذا التنظيم ارتكب أو يرتكب أي هجمات تستهدف المدنيين بشكل محدد ومباشر، فان خطر القاعدة سوف لن يقل خطرا عن الاحتلال ذاته بل سيكون معه في مركب واحد وحينها فان الامر سيتطلب إجراءات ذات طبيعة شاملة لفضح كل ذلك من ناحية، ولمواجهة التهديدات التي يمثلها تنظيم مخترق من قبل دولة لها أجندة خاصة تنتهي عند العداء للعراق ولمقاومته.
التحدي الثالث يتجسد بالتطورات المترافقة مع تزايد دلائل هزيمة الأمريكيين في العراق، فهذه اللحظات المفصلية تكون بالتجربة التاريخية للصراعات لحظات حاسمة تتطلب قدرا عاليا من المهارة وقدرة المناورة السياسية، إلي جانب استخدام دقيق ومبرمج زمانيا ونوعيا للعمليات المسلحة ضد الاحتلال، مع الإشارة إلي أن اشد لحظات الصراع في أية حرب هي تلك التي تجري خلال المفاوضات او عشية وقف إطلاق النار .
ولعل الخطوة الأهم في طريق تحقيق ذلك هو توحيد فصائل المقاومة الذي بدأ فعلا، لكنه ما زال غير متكامل ومازال بحاجة إلي توسيع دائرة الوحدة او علي الأقل التنسيق ليشمل كل فصائل المقاومة بلا استثناء، ولعل هذا الأمر يمثل جوهر هذا التحدي وأساسه، لاسيما وان الأمر سيتطلب استعدادا حقيقيا من الجميع لجعل تحرير العراق هدفا وحيدا تلتقي عنده كل الفصائل، وترك أي تمايزات فكرية أو عقيدية إلي مرحلة لاحقة مناسبة، مع التشديد علي أن الأمر سيتطلب التخلص من أي تداخلات إقليمية يمكن ان تمنع مثل هذا التوحد كي تكون لها قدرة إقامة علاقة مع هذا الفصيل او ذاك لأسباب تتعلق بمصالح هذه الدولة او تلك.
إن وضع إستراتيجية للتفاوض مع الأمريكيين أمر حيوي في هذه المرحلة، والمفاوضات بحد ذاتها ليست أمرا سيئا، بل انها متوقعة وربما ضرورية في مراحل معينة من الصراع، لكن القوة التفاوضية للمقاومة لن تتكامل مع تشتت الفصائل وتعدد أصواتها وتنوع خطابها، لا سيما وانها تواجه عدوا ماكرا يجيد الخداع وسيحرص علي أن يكون أداؤه السياسي والنفسي أفضل من أدائه العسكري معتقدا انه يمكن أن يعوض علي مائدة المفاوضات ما خسره في ميدان المعركة. وبالطبع ستزداد رغبة الأمريكيين وحوافزهم لتحقيق هذا الهدف مع استمرار توزع المقاومة علي عدة فصائل أو حتي علي عدة جبهات أو تكتلات.
أما التحدي الرابع فيتعلق بجوهر برنامج عمل المقاومة ورؤيتها للمستقبل، فاليوم، وفيما تبدو المقاومة قريبة من تحقيق أهدافها بالتحرير، ولأنها الممثل الشرعي للشعب العراقي، فان برنامجها أو فلسفتها ينبغي أن تتضمن آليات التحول من مرحلة الثورة إلي اشتراطات الدولة، ولن يكون هناك عذر لأحد في التغاضي عن استحقاقات ينبغي الإعداد لها منذ الآن والاتفاق عليها بغية استيعابها من القواعد التنظيمية، وهو أمر يحتاج وقتا وجهدا سيكون من نتائجه المباشرة استيعاب المخاطر التقليدية والمتوقعة التي يمكن أن تنشا بعد خروج الاحتلال، وعانته شعوب عديدة في الماضي.
إن أمام المقاومة واجب أساسي بتأكيد قدرتها علي تهيئة رجالها وقادتها ليكونوا رجال دولة إلي جانب ما عرفوا به كونهم عناصر ثورة، ومع حالة العراق والتعقيدات التي تفاقمت عقب الاحتلال، فان قضايا عديدة ينبغي الاتفاق عليها داخليا، تراعي وحدة البلاد أرضا وشعبا ومجتمعا، وتأكيد أن المقاومة كانت علي الدوام حالة وطنية وليس قوة طائفية او عرقية، وهو ما يقتضي بدء التنسيق مع قوي وطنية تمثل كل أطياف الشعب، كما يقتضي أيضا ان يجري بناء مواقف دقيقة وهادئة إزاء قضايا مثار جدل وخلاف، مثل القضية الكردية وكركوك والتعامل مع المتعاونين مع الاحتلال وحكوماته، والرؤية تجاه عملية اعمار العراق، وهيكل الحكم فيه والشكـــل السياسي للنظام، وقضــايا مثـــل الانتخابات والتعددية السياسية، والنظام الاقتصادي، والعلاقات الإقليمية، وسوي ذلك من القضايا الأساسية التي ينبغي تشكيل الرؤية تجاهها منذ الآن.
وربما تكون هناك تحديات أخري أمام المقاومة العراقية، لكن ما اشرنا إليه قد يكون ابرز التحديات ذات البعد الشمولي الاستراتيجي الذي ينبغي النظر إليه بجدية بالغة، واعتبار أن أي تغاضي عنه ربما سيكون سببا في انتكاسات مستقبلية غير مقبولة ولا تتناسب أو تنسجم مع الانتصارات التي حققتها المقاومة في صراعها مع الاحتلال.
أربعة تحديات أمام المقاومة العراقية - د. لقاء مكي
