هيئة علماء المسلمين في العراق

ليس عندها ... سوى الصوم والصلاة -جهاد الخازن
ليس عندها ... سوى الصوم والصلاة -جهاد الخازن ليس عندها ... سوى الصوم والصلاة -جهاد الخازن

ليس عندها ... سوى الصوم والصلاة -جهاد الخازن

الزلزال الذي ضرب غزة في الأيام الأخيرة لن يتوقف عند حدود القطاع، فهناك هزات تالية، كما يحدث مع كل زلزال، وسيشعر بها الجيران الأقربون والأبعدون، فالموجود في قطاع غزة الآن هو حزب الله سني، وبما ان السنّة 90 في المئة من المسلمين العرب، فإن تأثير ما حدث في غزة يجب ان يقاس على اساس العمق السني العربي (والإسلامي، فالسنّة ايضاً 90 في المئة من المسلمين في العالم كله). أستطيع ان ألوم حماس وفتح وتقاعس العرب، وقد فعلت، وزدت تواطؤ اميركا مع اسرائيل، إلا ان المذنب الأول في الوضع الذي انتهى إليه قطاع غزة هو حكومة اسرائيل، كل حكومة حتى الحالية برئاسة ايهود أولمرت، فقد حولت الأراضي المحتلة الى معسكر اعتقال نازي الموت فيه أرحم من الحياة وقضت على كل أمل للناس بمستقبل افضل، ناهيك عن دولة مستقلة، والنتيجة انها خلقت جيلاً من الفلسطينيين لا يؤمن بغير ثقافة المقاومة لقناعته بعدم وجود خيار آخر، فقد رأى بعينه فشل العملية السلمية التي لم يكن مقتنعاً بها أصلاً.

اعترضت بشدة على ما جرى في قطاع غزة، ولا أزال أعترض وأدين، غير أنني أتفق مع الرأي ان العملية السلمية سقطت، وأحمّل إدارة جورج بوش المسؤولية مع اسرائيل، فالرئيس الأميركي أعطى ضوءاً أخضر لأرييل شارون ليخرج من اتفاقات اوسلو، غير ان الفلسطينيين منعوا من الخروج، والمجموعة الرباعية كبلتهم بشروط اوسلو وزادت عليها في حين أعفيت اسرائيل منها، ومن دون أي فوائد للفلسطينيين في المقابل.

أكتب ظهر الثلثاء وإيهود اولمرت سيقابل الرئيس بوش في المساء (بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، وهو سيحصل على ضوء اخضر لضرب حماس، إلا انني لا أدري اذا كان سيفعل، والضوء الرسمي سيسلط على «افق سياسي» للتفاوض مع الفلسطينيين، وهي عبارة مطاطة لا تعني أي التزامات، ولا يمكن مقارنتها باتفاقات أوسلو أو شروط الرباعية التي تابعت اميركا نصيب الفلسطينيين منها، وتركت إسرائيل تحاصر وتقتل وتدمّر وتجوع.

كانت هناك خطة اسرائيلية جاهزة لإعادة احتلال قطاع غزة حتى قبل ان تسيطر عليه حماس، غير انني لا أرى ان اسرائيل في وضع ان تنفذ هجوماً على الأرض، فالنتائج لن تكون أفضل مما حققت اسرائيل الصيف الماضي ضد حزب الله في لبنان، والهجوم سيضمن لحماس تأييداً إسلامياً لا يمكن ان يحلم حزب الله بمثله حتى بعد انتصاره.

الجيش الإسرائيلي يستطيع ان يخوض معركة من الجو، وهي معركة في اساس الفشل الإسرائيلي في حرب الصيف، إلا انه لا يملك قوات كافية، أو مستعدة، لخوض معركة برية، وخسارة ثانية ستعني اعادة ترتيب كل الأوراق في المنطقة وخطراً يتهدد الدول العربية المعتدلة مع اميركا وإسرائيل.

إذا لم يكن خيار اسرائيل عسكرياً، فالخيار الثاني موجود، وقد بدأ فعلاً، فإسرائيل والولايات المتحدة تحاولان تعميق الفصل بين الضفة والقطاع، وإسرائيل أعلنت انها ستفرج عن أموال الضرائب المتراكمة للسلطة، وهناك الآن 562 مليون دولار منها، كما ان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أعلنا رفع الحصار عن السلطة الفلسطينية، واستئناف إرسال المساعدات الى حكومة الطوارئ التي يترأسها الأخ سلام فياض، وهو صاحب سمعة طيبة وقدرة كبيرة، وكان مرشحي شخصياً كمواطن عربي مهتم لرئاسة الحكومة مع الأخ منيب المصري.

في هذا السيناريو تقوم دولة علمانية فلسطينية، أو كيان مستقل، في الضفة الغربية، تتمتع بقبول دولي وتنعم باقتصاد قوي نسبياً، وتقوم في قطاع غزة دولة دينية محاصرة ليس عندها ما تقدم للشعب السجين هناك سوى الصوم والصلاة. (قرأت عن دولة اسرائيلية ثرية علمانية عاصمتها تل ابيب، وأخرى دينية عاصمتها القدس للفقراء).

في مثل هذا الوضع لن تبقى حماس مكتوفة الأيدي، فثقافة المقاومة المستمرة موجودة اصلاً، والبعد السني لها سيعني ضغطاً هائلاً على الدول العربية، حتى لا تترك المقاومة تقتل في غزة والشعب يجوع.

وإذا كانت المقاومة المستمرة دعاية كافية، فإن عند حماس بعد سيطرتها على قطاع غزة كل ملفات السلطة الوطنية، وأوراق القيادات السياسية والعسكرية، وهي لا بد من ان تبدأ تدريجاً الإفراج عن هذه الأوراق لتربط بعض قادة فتح بإسرائيل والولايات المتحدة، ولتكشف قصص الفساد والسرقة وعصابات الخوة والنهب في الداخل وعلى المعابر.

في غضون ذلك، تجد اسرائيل نفسها انها بين فكي كماشة للمقاومة الإسلامية في الشمال والجنوب، وخطر حرب فورية انها قد تفشل، وخطر الوسائل الأخرى انها تستغرق وقتاً طويلاً. ولعلها تنتظر ان تتحرك الدول العربية المعتدلة القلقة بدورها من انتصار حماس في قطاع غزة.

حماس انتصرت لأن غزة جائزة لا يريدها أحد، غير ان النظام المصري تحديداً لا يمكن ان يقبل بقيام حكم إسلامي الى جانبه يقوده فصيل ولد من رحم الأخوان المسلمين، وهذا ينطبق على دول عربية أخرى لها مصلحة في إحباط انقلاب حماس.

- الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق