وقف ت أمام مشروع المصالحة العراقية ثلاث عقبات رئيسة، ما أفضى الى نتيجة واحدة لم تتغير ولم تتبدل،
ولم يطرأ على مظهرها أي شيء، رغم الشعارات الكثيرة، والمؤتمرات والاجتماعات والاتصالات، التي جرت بين أطراف عراقية عديدة. وتتمثل هذه العقبات في: عدم وجود خصمين واضحين على ارض الواقع؛ والمصالحة الشعاراتية؛ وازمة الثقة.
أولا: عدم وجود خصمين واضحين
لم يتم الاتفاق على مصطلح "المصالحة العراقية" من قبل أكثرية الاطراف العراقية، لان عملية البحث والتقصي التي يجريها أي طرف او جهة تتوصل الى نتيجة واحدة، مفادها انه لا توجد خلافات واضحة المعالم بين طرفين عراقيين مستقلين، بل ان الوضع العراقي الحالي يقسم أبناء المجتمع العراقي الى فئتين لا ثالث لهما: الاولى ترى في وجود القوات الاميركية والاجنبية الاخرى ضمانا اساسيا لاستمرارها، وقد ربطت مصيرها بوجود هذه القوات، فلا تنفك تطالب ببقائها على الارض العراقية؛ في حين ترى الفئة الثانية ان هذه القوات قد اغتصبت العراق ودمرته، ولذلك تبذل هذه الفئة كل ما في وسعها لاخراج هذه القوات المحتلة، واعادة الاستقلال والسيادة للعراق الذي احتلته الولايات المتحدة خلافا لجميع القوانين والمواثيق الدولية.
من هنا، لا بد ان نفهم ان جوهر الخلاف بين الفئتين. فهو خلاف لا علاقة له بأي شيء عراقي، بل يتركز حول فهم كل من الطرفين لوجود القوات الأميركية على الارض العراقية، وينطلق الرافضون للاحتلال من قناعة راسخة، تقول: ان أي عملية سياسية تجري في ظل الاحتلال إنما تخدم استراتيجية المحتل اولا وأخيرا. ولهذا ترفض بعض القوى الاقتراب من العملية السياسية، في حين تحاول الفئة الاخرى تقريب خصومها وزجهم في العملية السياسية، وهو الهدف الرئيس لما يسمى بمشروع المصالحة العراقية.
أي أن هناك من يعمل على اعطاء شرعية للمحتل، من خلال إدخال الاطراف المناهضة والمقاومة للاحتلال في العملية السياسية تحت يافطة المصالحة، وهو ما تراه هذه القوى والاطراف ما فوق الخط الاحمر، ولذلك ترفض العملية السياسية جملة وتفصيلا، وتتمسك بهذا الموقف بكل قوة وثبات، كما يتمسك أطراف الفئة الاخرى بموقفهم المطالب ببقاء قوات الاحتلال، والاستمرار في عملية سياسية تمت صناعتها وفق اسس ومفردات طائفية وعرقية، ما يدفع بالمجتمع العراقي الى حافة الهاوية.
وفي كل ساعة يتأكد صواب الموقف الرافض للاحتلال وما بذره في العراق، لكن ذلك لم يغير من موقف المتمسكين بالمشروع الاميركي، ما يجعل موضوع الخلاف ليس عراقيا–عراقيا.
ولذلك، لن يتحقق التقارب اذا لم يخرج المؤثر الخارجي من جوهر المشكلة في العراق، وهو الاحتلال، وحينذاك لن يحتاج العراقيون الى مصالحة ولا إلى غيرها.
ثانيا: المصالحة الشعاراتية
بدأ الحديث عن مشروع المصالحة العراقية على نطاق واسع صيف العام 2005. وتابع العراقيون الجهود التي قادتها الجامعة العربية، إذ اجرى مسؤول الملف العراقي في الجامعة، احمد بن حلّي، لقاءات كثيرة مع مختلف الاطراف العراقية، واستمع، والوفد المرافق له، الى وجهات نظر الجميع.
وقد توقع الكثير من المراقبين ان ترفض الاطراف المناهضة للاحتلال(ومن ابرزها هيئة العلماء المسلمين، والمؤتمر التأسيسي، وبعض المراجع الدينية المعروفة والشخصيات الوطنية المستقلة) ذلك المشروع، الا ان الروح الحوارية لهذه الاطراف هي التي تقدمت على ما سواها من مواقف، فوافقت هذه الأطراف على حضور مؤتمر القاهرة الذي انعقد في تشرين الثاني 2005.
وبينما حاولت اطراف الحكومة والمشاركين في العملية السياسية ملء المؤتمر بالشعارات، فقد كانت رؤية الاطراف المقابلة، وقبل ما يقرب من عامين، واضحة ودقيقة، إذ تضمنت شروطا محددة لبدء مرحلة جديدة في العراق، في المقدم منها خروج الاحتلال، لأنه اساس الداء والشر والفرقة بين العراقيين. وحظيت كلمة الدكتور حارث الضاري، الامين العام لهيئة العلماء المسلمين، باهتمام اعلامي ودولي واسع، لأنها كانت دقيقة وواضحة. كما جاءت مداخلات الشيخ جواد الخالصي لتؤكد على الثوابت الوطنية التي لا يمكن التراجع عنها. اما الكلمات والمداخلات الاخرى لاطراف العملية السياسية، فظلت تدور في قوالب الشعارات التي لم تمتلك مقومات الاقناع. ولان الواقع العراقي لم يعد غائما او غامضا، فإن جميع الطروحات التي حاولت ان تلتف على الثوابت الوطنية انتهت الى ما ابتدأت به، وهو الشعاراتية.
لهذا لم يحرز مؤتمر القاهرة خطوة واحدة. وهذا ما كانت تراه القوى المناهضة للاحتلال في قراءاتها لنتائج المؤتمر قبل انعقاده، لكنها شاركت في ذلك المؤتمر انطلاقا من رؤيتها التي تستند الى الانفتاح والحوار، ودعم جهود الجامعة العربية وجهود جميع الاطراف التي تسعى إلى اخراج العراق من محنته القاسية.
ثالثا: أزمة الثقة
تتواصل ازمة الثقة بين الاطراف المشاركة في العملية السياسية. ورغم دخول هذه الأطراف في مشروع واحد، الا انها لم تتمكن من بناء جسور للثقة فيما بينها. ويعود الفشل في تحقيق ذلك الى مسألتين مترابطتين: الاولى، قناعات الشارع العراقي، التي اخذت تزداد يوما بعد اخر، بخطورة مشروع الاحتلال الاميركي للعراق، وان هذا الاحتلال يبقى العقبة الاساسية امام أي جهد للتقارب بين العراقيين. ومهما حاول بعض الاطراف اقناع قسم من الشارع العراقي بخطأ تصوراته، يكتشف هؤلاء انهم غير قادرين على ذلك.
أما المسألة الثانية فتتمثل في ان المحاصصة الطائفية والعرقية التي تأسست عليها العملية السياسية، ساهمت بقوة في دفع الاطراف المشاركة في العملية السياسية الى التفكير في مصالحها الذاتية، من منافع مادية ومناصب حكومية، على حساب مصلحة الوطن والمواطن، وهذا ما اقتنع به العراقيون بصورة مطلقة.
وكلما حاولت اطراف العملية السياسية التوصل الى قواسم مستقبلية مشتركة، تصطدم بعدم وجود ثقة حقيقية فيما بينها، وتكتشف المزيد من الضعف والتراجع في قوة الاحتلال التي تتعرض لضربات موجعة على ايدي المقاومة في العراق. وينعكس ذلك بقوة وبتسارع على ما يجري في الولايات المتحدة من نقاشات كثيفة وكثيرة حول مستقبل وجود القوات الأميركية في العراق، ورغبة أكثرية الأميركيين في الخروج قبل الاقرار بالهزيمة، والاضطرار الى اعلانها امام العالم اجمع.
اما الثقة بين الاطراف المشاركة في العملية السياسية وبين القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له فهي معدومة، طالما ان الاطراف الاولى تتمسك بالعملية السياسية التي بذرها المحتل وترعرعت بوجوده.
وعندما تكون الارضية على هذه الدرجة من الوهن والهشاشة، ومن دون وجود جسور بين الاطراف العراقية المختلفة، لا يمكن الشروع بخطوة رصينة واحدة لرسم مستقبل العراق.
سراب المصالحة
ان تقويما حقيقيا لجميع الخطوات والمحاولات التي حصلت ضمن مشروع ما يسمى "المصالحة في العراق" لم يجر طيلة الفترة الماضية. ومن دون كثير عناء، يكتشف المرء ان الساعين الى تحقيق هذا المشروع يصرون على تحقيقه وفق القياسات والآليات التي رسموها، وبما يخدم مشاريعهم وما تريده احزابهم وكتلهم السياسية. وهذا يتناقض تماما مع المشروع الوطني العراقي المعلن، ما يجعل هذا المشروع عبارة عن سراب، ولن يمكن الوصول اليه من دون ازالة العقبات الحقيقية التي تعترض طريقه.
المقالت المنشورة تعبر عن راي كاتبيها
المصالحة العراقية وعقباتها الثلاث - وليد الزبيدي
