يتردد في العاصمة الأمريكية صوت شبه موحد حول عمق الأزمة التي وضع البيت الأبيض أمريكا فيه، فقد أصبح العراق محور مناظرات مرشحي الرئاسة سواء الديمقراطيين أو الجمهوريين، حيث أصبح العراق جسرا يفضل كل منهم عبوره للوصول إلى البيت الأبيض بعد أقل من سنتين.
قبل يومين اعترف الجنرال المتقاعد ريكاردو سانشيز قائد قوات التحالف في السنة الأولى للغزو بأن الجيش الأمريكي لن ينتصر في العراق، مستخدما عبارة أقل وطأة مما لو قال إن الجيش الأمريكي سينهزم، ومع أنه لا فرق بين الهزيمة أو عدم الانتصار، فإن اختيار مفردات مُخَفَّفَة يعكس حجم الجمود الذي يواجهه البنتاغون في العراق، وأمس استبعد هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق تحقيق النصر العسكري في العراق ودعا إلى وضع تقويم دقيق للأهداف السياسية من الوجود العسكري الأمريكي. ولم يتوقف الأمر هنا، فالسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر أطلق تصريحات تكشف بوضوح عمق الأزمة، فقد حذر من مغبة الانسحاب الأمريكي وعواقبه على الوضع الإقليمي والدولي، وزاد الطين بله عندما قال: «لا أرى نهاية للعبة في العراق».
إذا كانت فاتورة البقاء باهظة التكاليف ماديا وبشريا سواء للعراقيين أو الأمريكيين، وكان الانسحاب سببا لكارثة إقليمية ودولية، فما هو وصف الوضع الأمريكي في العراق إذا لم يكن ورطة وتخبطا، أحسن السفير الأمريكي التعبير عنهما بقوله: إنه لا يرى نهاية في الأفق.
فأمريكا تجاهلت الكل وذهبت إلى الحرب بقرار منفرد، مصطحبة معها ذوي المصالح، ولم تعر جيران العراق سمعا وهم يحذرون من مغبة الحل العسكري لأزمة لم يعد أحد يذكرها، إنها أسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة أكثر منها سببا، وكانت النتيجة أن العراق هو الذي تعرض للدمار الشامل.
كل الخطط والعمليات التي أطلقها الجيش الأمريكي على مدار أربع سنوات ونصف السنة تقريبا لم تفلح في تحقيق شيء ملموس، فالتفجيرات لم تتوقف، والجثث المجهولة تملأ شوارع بغداد، بل حتى المنطقة الخضراء لم تعد في مأمن من القصف والتفجيرات الانتحارية، وعداد الجنود الأمريكيين لم يتوقف، حتى إن الرئيس بوش نفسه هيأ الأمريكيين لصيف حار في العراق.
بل الغريب هو خبر تداولته وكالات الأنباء أمس يقول إن القوات الأمريكية والعراقية «حررت» مدينة بهرز من أيدي «القاعدة»، أي أن هذا اعتراف بأن الجيش الأمريكي والقوات العراقية لم يحكما سيطرتهما على كامل التراب العراقي. وهذا يعني أن هذه القوات في وضع دفاعي أكثر منه هجوميا، فإذا استمر الوضع هكذا، فسيكون الأمر جحيما ستنتشر شظاياه إلى دول الجوار، وما يجري في نهر البارد بلبنان والحديث عن عناصر جاءته من العراق، يكشف أن البحث عن «أسطورة» أسلحة الدمار الشامل كان خطة لم يحسن البيت الأبيض إعدادها لتبدأ فصولها الجديدة بانتشار النار في أجزاء من المنطقة.
راي الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
البيت الأبيض تائه في بلاد الرافدين -الشرق القطرية
