هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا بعد اعترافات روبرت جيتس؟ -إميل أمين
ماذا بعد اعترافات روبرت جيتس؟ -إميل أمين ماذا بعد اعترافات روبرت جيتس؟ -إميل أمين

ماذا بعد اعترافات روبرت جيتس؟ -إميل أمين

جرى القول المأثور “إن الاعتراف بالحق فضيلة” لكنه في حالة الامبراطورية الفوقية الإمبريالية يضحي الاعتراف فضيحة، سيما إذا جاء على لسان أحد كبار أركان النظام الأمريكي. ولأن الكبرياء والغطرسة المتلازمتين الرئيسيتين للسياسات الأحادية الأمريكية، ترفضان الإقرار بالهزيمة في المعركة التي تشنها من طرف واحد على كيان هلامي يدعى الإرهاب حتى وإن وجد في بعض المواقع أو المواضع، فإننا نرى محاولة واضحة لإلقاء التبعية على العالم بأكمله في حين أن العالم لم يعلنها أبداً حرباً شعواء.

ماذا وراء تلك الكلمات؟ في المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في سنغافورة وشارك في أعماله نحو 25 وزير دفاع بهدف دعم أفغانستان، كان الإقرار بالحق الذي حاول جيتس وزير الدفاع الأمريكي ورجل المخابرات السابق أن يثني عنقه عندما أشار إلى “أن الشبكات الإرهابية في توسع متواصل. وأن العالم لم يحرز نجاحاً كافياً في معالجة جذور الإرهاب”. ولم يكتف جيتس بإطلاق التصريحات الرنانة لكنه نحا إلى ما يمكن تسميته أدلجة الإرهاب وعنده أن “التحديات التي يمثلها الإرهاب المستمد من الأيديولوجية المتشددة لا تستطيع أي دولة بمفردها التصدي له بغض النظر عن مدى ثرواتها وقوتها”.

وهنا يستوقف المرء خطابان الأول ينفي عن سياسات بلاده أي علاقة بالأيديولوجية المتشددة أو المتعصبة، على الرغم من أن الأصولية الأمريكية لم تتجل في سماوات البلاد وفي طبائع العباد كما قدر لها أن تسود في العقد الأخير، فيما الأمر الثاني هو الإقرار الضمني بأن الدولة غير مسبوقة القوة أو الثراء والتي لا يوجد لها مثيل اليوم أي “أمريكا” لا تستطيع بمفردها أن تواجه التحدي الذي يمثله خطر الإرهاب.

وبوضع الاعتراف الثاني بجانب الإقرار الأول تضحي لدينا نتيجة واضحة وضوح الشمس في ضحاها والقمر إذا تلاها ومفادها “فشل أمريكا في محاربة الإرهاب”.

لماذا تفشل أمريكا؟ لأن مقدماتها السياسية تقودها إلى ذلك.

هل من مثال يدلل على مدى حماقة تلك السياسات التي تولد الإخفاق الأمريكي على كافة الصعد الحياتية حول العالم؟

إليك هذا المثال الذي يعبر عن مدى الاستخفاف المقيت بالبشر والحجر في العالمين العربي والإسلامي على نحو خاص، ففي الوقت الذي يعيش فيه العرب عامة أحزان الذكرى الأربعين لسقوط زهرة المدائن، مدينة الصلاة، القدس، يواصل الكونجرس الأمريكي مدفوعا باللوبي “الإسرائيلي” دراسة مشاريع قرارات تتعلق بالاحتفال بتوحيد القدس، وكأن هذا التوحيد هو مشتهى الأجيال لأحفاد العم سام يكحلون به عيونهم كل صباح لهذا يقدم توم لانتوس وعشرة من زملائه في مجلس النواب مشروع قرار “لتهنئة مواطني “إسرائيل” بذكرى انتصارهم في الحرب، وتهنئة سكان القدس وشعب “إسرائيل” بالذكرى الأربعين لتوحيد تلك المدينة التاريخية”.

وفي الحق أن خبراً بهذا الشكل قد دعا أحد كبار المفكرين المعتدلين في أمريكا البروفيسور جون اسبوسيتو للتعقيب بالقول كيف نتساءل بعد مثل هذا العبث الأخلاقي قبل السياسي عن السر وراء كراهية العرب والمسلمين لنا؟ ولماذا نجهد أنفسنا والأمر لا يحتاج إلى تحليلات، فالكونجرس الذي يعد العدة للاحتفال هو ذاته الذي يوافق على صفقات الطائرات والدبابات التي تقصف منازل الفلسطينيين لتقتل وتشرد وتهجر ما شاء لها أن تفعل من الخراب والدمار؟

والحاصل أن أمر الكراهية ينسحب وبسرعة أشد في الآونة الأخيرة تجاه آسيا وروسيا منها على وجه الخصوص بعد الإصرار الأكيد على نشر الدرع الصاروخية في عدد من دول أوروبا الشرقية التي قتلها الفقر وطحنتها الأيديولوجية الأحادية الشيوعية، والتي لا تفترق كثيراً في عنصريتها عن مثيلتها الأمريكية اليوم، هذا النحو جهة حصار روسيا هو الذي يولد أفكاراً قد تقود إلى ردود الفعل التي تتخطى في واقع الأمر فكرة الحرب الباردة وصولاً إلى التهديد الروسي الصريح على لسان فلاديمير بوتين بتوجيه الصواريخ الروسية إلى قلب المدن الأوروبية، ناهيك عن تشجيعه غير المباشر للحركات العنصرية الروسية على التعامل مع قوى التطرف العاملة ضد الاستبداد الأمريكي الحديث.

جيتس يؤكد أننا “لم نحرز نجاحاً كافياً في محاولة معالجة جذور الإرهاب” ويتساءل “لا ندري إن كان وليد الاستبداد أو الفقر” والحقيقة أن تساؤله ليس أكثر من تصريحات فاقعة زاعقة، فالدبلوماسية الأمريكية وسياسة الحروب الاستباقية أشعلت موجة من الكراهية باتت الجدران الأمريكية في خطر حقيقي من جرائها، وليس أدل على مأساوية الأيام القادمة من حادث مطار جون كيندي الذي تتحدث عنه إدارة بوش في الآونة الأخيرة، ذلك أن حال ثبوت صدقية الرواية وإن لم تكن كالكثير من الروايات الدعائية فإن البلاد والعباد في مواجهة خلايا غير مركزية ذاتية الحركة تعمل على إصابة أمريكا في القلب ومنطلقاتها أيديولوجية دوجماطيقية مساوية لمقدار الأصولية العقائدية الأمريكية ومضادة لها في اتجاه عملها، والتصريحات الأخيرة عن شبكة دولية في الكاريبي تضم متطرفين ينحدرون من جويانا وترتينداد وتوباجو تعني أن القاعدة ليست وحدها التي باتت تضع أمريكا نصب أعينها، فهناك حلقات من جماعات “الاحتجاج بالعنف” وهو الاسم العلمي لما يطلق عليه إرهاب، لديها من القوة أن تصيب أهدافاً استراتيجية، فالمخطط الأخير الخاص بنسف الخزانات الرئيسية وأنابيب الكيروسين في مطار نيويورك كان يمكن أن يحدث دماراً أكبر بكثير مما خلفته هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سيما أن المنطقة مكتظة بالسكان.

ويبقى على جيتس أن يلتزم درب البروسترويكا والجلاسنوست الروسي والذي سار عليه من قبل جورباتشوف لاكتشاف مواضع الضعف الحقيقي في استراتيجيات بلاده، والفوضى التي تخلقها حول العالم في الشرق الأوسط تارة والشرق الأدنى تارة أخرى، والتي لن تعرف الخطط الأمنية الأمريكية معها سبيلاً لمواجهتها إذا أراد مواجهة حقيقية للعنف حول العالم.

أمريكا اليوم ليست في مواجهة مع الإسلام الراديكالي كعدو وحيد وريث للدولة والأيديولوجية الشيوعية، أمريكا اليوم عدو نفسها في مواجهة نهضة أرثوذكسية روسية وتطلعات صينية كونفوشيوسية وكاثوليكية أمريكية جنوبية، مواجهات لا تخلو من صراعات دوجماطيقية أطلقها بوش يوم أعلن أنه نبي أمريكا الجديد ومتلقي الوحي الأحدث، وصاحب الرؤية التنويرية التي لا يأتيها الظلام البتة، وهذا ما لا يدركه جيتس وإن أدركه فإن الكارثة أعظم.

الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق