العراقيون يكتوون بنيران صيفهم اللاهب في غياب الخدمات الكهربائية
يصف الحاج طه مجبل، أن أزمة الكهرباء التي يعاني منها العراق منذ الاحتلال الأمريكي قبل أكثر من أربعة أعوام بأنها أزمة "مفتعلة"، وحجته في ذلك، كما يقول، عربات الهمر الأمريكية، التي دخلت العراق بعد أسبوعين من احتلال بغداد، وهي تجوب شوارع الغزالية، ترفع شعارات تقول "أعطونا الآمن نعطيكم الكهرباء والماء".
وكما في صيف كل عام، يعيش العراقيون أزمتهم المتكررة مع التيار الكهربائي، وسط طقس تصل فيه درجة الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مائوية خلال ساعات النهار، يصاحب كل هذا عدم توفر الوقود الكافي لتشغيل مولدات الكهرباء، سواء تلك المنزلية أو تلك الكبيرة التي تنصب في الأحياء، بينما لازال المسؤولون يتبادلون التهم عن سبب تلك الشحة وهذه الندرة في التيار الكهربائي على الرغم من أن المحطات الكهربائية الكبرى في العراق لم تتعرض لقصف أمريكي أبان حرب الاجتياح.
يقول أسعد جمعة من سكنة منطقة الشعب الواقعة شمال شرق العاصمة بغداد، إن التيار الكهربائي يغيب عن مناطقهم أكثر من عشرين ساعة يوميا، ويضيف "في بعض الأحيان نبقى ليومين دون تجهيز، وإذا ما تم التجهيز فإنه يكون لساعة واحدة أو لساعتين، "متسائلا إن كانت هذه الساعات القليلة يمكن أن تقف في وجه موجة الحر الكبيرة التي تجتاح العراق صيف كل عام.
الصيف اللاهب الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش لا يشمل جنوده فحسب، بل إن هذا الصيف اللاهب بدأ أولا بالعراقيين، فبين حرارة مرتفعة وانقطاع شبه تام للتيار الكهربائي، يشبه العراقيون وضعهم "كأننا في مقلاة"، دون أن يلوح في الأفق سبيل حل لمشكلة الكهرباء التي باتت تؤرق العراقيين، ولكنها لا يبدو أنها تؤرق ساستهم كما يقول أحد العراقيين، الذي كان يقف قرب عربة لبيع الثلج في منطقة الباب الشرقي، ويضيف "هم يسكنون في المنطقة الخضراء والكهرباء عندهم لا تنقطع، وليس لهم أية علاقة بما يعانيه المواطن العراقي، والذي لا يجلس في المنطقة الخضراء المكيفة والمؤمنة فإنه يسافر إلى دول الجوار لقضاء الصيف".
واتهم مسؤولون في قطاع الكهرباء، المسؤولين عن إدارة محطة كهرباء الناصرية جنوب العراق بأنهم غير متعاونين، وأكدوا في تصريحات صحفية نشرت ببغداد، أن المسؤولين عن إدارة محطات كهرباء الجنوب وخاصة محطة الناصرية، التي تعد الأكبر في العراق، لا يقومون بتزويد العاصمة بالتيار الكهربائي، واقتصارها على تزود بعض المحافظات الجنوبية، علما أن إنتاجية تلك المحطة تتجاوز حاجة تلك المدن، مما أدى إلى وجود شحة كبيرة في التيار الكهربائي ببغداد.
من ناحيته وعد وزير الكهرباء وحيد كريم بتحسن أداء التيار الكهربائي مع بداية شهر تموز (يوليو) القادم، ونقلت جريدة "الصباح" عن الوزير قوله الإثنين (4/6) "إن هذا القطاع المهم لم يلق رعاية وعناية حقيقية خلال السنوات التي تلت ذلك. ولم تكن هناك أية خطة لإصلاح وإعادة تأهيل الشبكة الكهربائية"، مؤكدا أن عدد ساعات التجهيز مع بداية تموز (يوليو) ستصل إلى نحو 12 ساعة.
وعلى الرغم من الوعود التي تطلقها الحكومة حول تحسن أداء التيار الكهربائي خلال فترة الصيف، إلا أن الحال ضاق على ما يبدو بالعراقيين الذين صاروا يرون في تلك التصريحات بأنها لعبة كل عام، كما يقول الموظف في وزارة التربية عبد الستار ديوان، مضيفا "كل عام نسمع مثل هذه التصريحات بأن الكهرباء هذا العام ستكون أفضل وأن المواطن سينعم بالتيار الكهربائي، إلا أن الصيف يأتي ويذهب دون أدنى تحسن، إنهم للأسف يكذبون ولا يملكون القدرة على فعل شيء"، على حد قوله.
وألقى مهندس في وزارة الكهرباء باللائمة على الحكومة والقوات الأمريكية، متهما إياهم بالوقوف وراء تدني مستوى الخدمات الكهربائية، وقال في حديث لمراسل "قدس برس"، رافضا أن يشير إلى إسمه خشية تعرضه للاغتيال "بعد سقوط النظام السابق ودخول القوات الأمريكية إلى العراق تم تشكيل وزارة الكهرباء بطريقة جديدة، اعتمدت هذه الطريقة على أناس لا علاقة لهم بالهندسة الكهربائية، ولم يسبق لأغلبهم أن عملوا في هذا القطاع، حيث تعرض أغلب المهندسين السابقين في وزارة الكهرباء إلى عمليات تصفية جسدية من قبل ميليشيات، في حين أن من بقي منهم تعرضوا لما يعرف بقانون اجتثاث البعث وتم فصلهم من وظائفهم، علما أنهم من خيرة الكفاءات العراقية، وهم الذين أعادوا التيار الكهربائي إلى العراق في غضون ثلاثة أشهر فقط في أعقاب حرب عام 1991، مع العلم أن القوات الأمريكية قصفت في تلك الحرب البنى التحتية ومنها محطات التيار الكهربائي، ناهيك عن وجود فساد مالي و إداري في وزارة الكهرباء بشكل كبير، فلقد تمت سرقة مخصصات مالية كبيرة لقطاع الكهرباء على مدى الأعوام الأربعة الماضية".
خروج التظاهرات المطالبة بتحسين الخدمات وخاصة في القطاع الكهربائي، بات أمرا مألوفا في بغداد، ففي منطقة الشعلة الواقعة شمال غرب خرج الآلاف من أبناء المنطقة محتجين على غياب الخدمات، متهمين الحكومة بأنها عاجزة عن تلبية الوعود التي قطعتها أبان حملة الانتخابات أكثر من عام، و كان من بين الشعارات التي رفعها المتظاهرون " يالمالكي وين الرأي، لا كهرباء ولا ماي"
الحاج طه مجبل لا يزال يصر بعد أكثر من أربعة أعوام من الاحتلال الأمريكي للعراق على مشكلة الكهرباء مرتبطة بالدرجة الأساس بأمن "الهمر" الأمريكية، مضيفا أنه "متى ما وفرنا لهم الأمن وصاروا يسرحون ويمرحون في أراضينا دون أية مقاومة، فإنهم عند ذاك يمكن أن يوفروا لنا الكهرباء".
خدمة قدس برس
العراقيون يكتوون بنيران صيفهم اللاهب في غياب الخدمات الكهربائية
