هيئة علماء المسلمين في العراق

أمريكا - ايران: إعادة اقتسام احتلال العراق ! -طلعت رميح
أمريكا - ايران: إعادة اقتسام احتلال العراق ! -طلعت رميح أمريكا - ايران: إعادة اقتسام احتلال العراق ! -طلعت رميح

أمريكا - ايران: إعادة اقتسام احتلال العراق ! -طلعت رميح

هو اذن كلام واضح ومحدد هذه المرة، ولا يقبل اللبس او التأويل. الحوار ثنائى بين الولايات المتحدة وايران. والحوار الثنائى لا يجرى على ارض ايرانية او امريكية -ولا على ارض محايدة - بل على الارض العراقية، وبين سفيرى البلدين فى العراق، وكلاهما معتمد من سلطة الاحتلال وكتعزيز لحالة الاحتلال ذاتها، فأولهم سفير لبلد محتل رسميا - اى باعتراف من مجلس الامن الدولى - لا من الشعب العراقى بطبيعة الحال ولا من الحكومة المشكلة فى العراق باعتبارها سلطة شكلت تحت الاحتلال - والثانى سفير لدولة "تعلن" و"تعزز" بهذا الاجتماع صفتها "غير الرسمية" فى احتلال العراق - عبر سفير هو الاخر معتمد من سلطة احتلال العراق - حيث لا صفة له فى التباحث حول مصير العراق او اوضاعه الداخلية الا بصفة انه ممثل لدولة محتلة هى الاخرى، حتى وان كان التعبير المستخدم انها دولة متدخلة فى الشأن العراقى الداخلى، وفى ذلك فالفارق كبير بين حوارات بين دول الجوار وبين الدولتين فقط.

والحوار يجرى بوضوح حول العراق، لا لبس فى ذلك باعتراف الطرفين فى تصريحات رسمية، وفى ذلك نحن امام اعتراف رسمى بان ايران صاحبة مصالح - احتلالية - فى العراق، لا ترفضها الولايات المتحدة وانما تتفاوض حول قدرها ومقدارها، كما نحن بهذا الحوار الرسمى، امام اعتراف ايرانى بالتدخل فى العراق، اذ ايران تتفاوض من داخل العراق حول العراق ومع الطرف الرسمى المحتل للعراق، بما يؤكد انها هى الاخرى محتلة للعراق.

وهنا، نحن اذن امام اوضح صيغة لطبيعة العلاقات الامريكية والايرانية فى الصراع على العراق، فى صيغة احتلالين على الارض، حيث تم الحوار بلا غطاء هذه المرة، من ذاك النمط من حوارات ولقاءات دول الجوار، كما كان الحال فى لقاءات سابقة عقدت داخل وخارج العراق. فى هذه المرة اللقاء مباشر وبلا غطاء، الا الغطاء الشكلى الذى تمثل فى وجود المالكى فى بداية الحوار. وكذا فان المطروح مباشرة فى هذه المفاوضات ليس امرا غامضا، بل هو امر واضح وضوح الشمس، اذ المفاوضات تجرى لان ايران ترفض الخطة الامريكية لتغيير حكومة المالكى من خلال توسيع تمثيل التحالف الحاكم وتضع فيتو على كل تغيير تحدثت عنه الولايات المتحدة فى المرحلة الاخيرة، ولم تتمكن من تنفيذه على الارض او فى الواقع الفعلى. اما الولايات المتحدة فانها تعلن بهذا اللقاء انها لم تعد قادرة على فرض ما تراه "داخل اللعبة السياسية التى شكلتها منذ بداية الاحتلال بالتحالف مع المتعاونين مع ايران فى داخل العراق بصفة غير مباشرة ومع ايران بصفة مباشرة فى المرحلة الحالية، بعد ان انتهت اللعبة على ما يبدو لمصلحة سيطرة المرتبطين بايران على حساب المرتبطين مع الولايات المتحدة. وهكذا الحوار فى صورته المباشرة، يظهر ان الطرفان يتفاوضان على نسب التمثيل السياسى فى حكومة احتلال العراق.

لكن، وبعيدا عن المطروح مباشرة فى هذه المفاوضات، فان للحدث اسباباً كثيرة ومتعددة، منها ما هو داخلى فى كلا البلدين المتفاوضين، ومنها ما يتعلق بصورة كلا البلدين فى الوضع الدولى، ومنها ما يتعلق بخطط كلا البلدين فى التعامل مع الموقف العربى فى صراعهما وخلافهما حول المصالح والنفوذ فى المنطقة، هذا بالاضافة الى كونه متعلقا باستراتيجية كلا البلدين فى احتلال العراق.


خلفيات اللقاء

على الصعيد الداخلى فى كلا البلدين، فهناك فى الولايات المتحدة، ارادت ادارة الرئيس بوش من هذا اللقاء ان تستعيد قدرا من صدقيتها امام الرأى العام الامريكى من خلال الظهور بمظهر المستجيب لضغوط الرأى العام والمتعاون مع الحزب الديموقراطى المسيطر على مجلس الكونجرس - النواب والشيوخ - ومع آراء الخبراء ولما جاء فى تقرير لجنة بيكر - هاملتون، والتى طالبت جميعها بفتح حوار مع دول جوار العراق وبشكل خاص ايران للخروج من المأزق المتفاقم فى العراق. وعلى نفس الصعيد، فان القيادة الايرانية استهدفت هى الاخرى اضعاف الاصوات التى ارتفعت فى الآونة الاخيرة فى الداخل، تطالب بتقليل الغلو والعناد الايرانى فى الصراع مع الولايات المتحدة، الامر الذى ظهر فى استطلاعات للرأى فى داخل ايران، وعلى السنة من يسمون بالاصلاحيين.

وعلى صعيد اهداف الدولتين فى تحسين اوضاعهما فى الوضع الدولى من خلال اللقاء، فلا شك ان اللقاء يمثل تغييرا جوهريا فى السلوك الامريكى - تحت قيادة المحافظين - فى ممارسة العمل الدبلوماسى، وفى ذلك أرادت الولايات المتحدة ان تظهر اعلاميا بمظهر آخر خلاف المظهر الذى بدت عليه خلال العدوان على العراق. هى الان تتحاور مع ايران، استكمالا لما تحركت فيه خلال مؤتمرات "دول الجوار"، خاصة ما جرى فى شرم الشيخ مؤخرا سواء فى مؤتمر دول الجوار او مؤتمر العهد الدولى وكلاهما جاء استمراراً او تواصلا مع ما حدث من لقاء فى بغداد شاركت فيها كل من سوريا وايران. هى بهذا اللقاء ارادت ان تبدو امام العالم وكأنها لا تترك اية مناسبة "سلمية لتصحيح الجنوح الايرانى"، وانها وصلت حد التفاوض المباشر معها حول العراق وعلى ارض العراق. وهكذا فاذا حانت لحظة الصراع العسكرى فان الولايات المتحدة تكون قد "بذلت كل الجهود" لمنع اندلاعه، فلا تكون معرضة للدخول فى نفس حالة العزلة التى عاشتها خلال العدوان على العراق (2003 )، كما تسعى من ذلك لتعويض خسارتها لحليفها الدولى الاهم - بريطانيا - التى تشير كل التقديرات الى انها لن تكون فاعلة بعد تجربة العراق، فى اى عدوان عسكرى امريكى ضد ايران.

وعلى نفس الصعيد، فان ايران بدورها ارادت من الموافقة على اللقاء اظهار انها ليست تلك الدولة التى جرى وصفها بالشر، كما هى ارادت من هذا اللقاء ان تحصل على صك براءة من هذا الوصف من نفس الطرف الذى وصمها به، وهو ما يتيح لها تحركا دوليا افضل اضافة الى انه يخفف - لا شك فى ذلك - من الضغوط الامريكية على حلفاء طهران ويعطيهم مساحة من التقاط الانفاس وربما فعالية اكبر فى توسيع اطار الفعل الديبوماسى والسياسى المشترك مع ايران. كما ارادت ايران من اللقاء تعزيز تغيير الصورة التى رسمت لها فى الاعلام الامريكى - على صعيد الراى العام الامريكى الداخلى - من خلال الظهور بمظهر المتعاون والمفاوض من اجل انقاذ الولايات المتحدة من ورطتها فى العراق، ولاظهار انها ليست كما يقال من يمد ويدرب المليشيات بالسلاح، مستهدفة من ذلك اضعاف الدعاية المضادة لها فى الولايات المتحدة واتاحة فرصة اوسع امام القوى الامريكية المتعددة الرافضة لشن عدوان عسكرى امريكى على ايران.

وعلى صعيد الوضع العربى، فان الولايات المتحدة وايران كان لكل منهما اهدافه من هذا اللقاء. امريكا استهدفت من الحوار تقديم اشارات ورسائل محفزة لموقف عربى مضاد لايران، اذ هى تقول من خلال اللقاء ان ضعف الموقف العربى المساند لخطة الهجوم الامريكية ضد ايران، وعدم تدخل الدول العربية فى دفع القوى العربية فى العراق للتوجه نحو تصعيد موقفها ضد ايران وتخفيف ضغطها ضد الاحتلال الامريكى، كلا من هذا وذاك، هو ما دفع الولايات المتحدة للحوار مع ايران، وان هذا الحوار مع ايران لا شك انه سيكون على حساب الفئات والاطراف التى يدعمها الموقف العربى فى داخل العراق او التى تمثل رؤية اقرب الى المصالح العربية وربما هى ارادت توجيه رسالة للعرب بان هوية العراق ستتغير بفعل التقاعس عن التدخل لمواجهة ايران.

اما ايران فهى الاخرى، استهدفت من خلال الموافقة على الحوار، التأثير على الموقف العربى لصالحها، اذ رسالتها بهذا الصدد للعرب هى ان درجة قوتها قد جعلت خصمها - وعدوها - يطلب مساندتها فى العراق، وان على الجانب العربى بدوره الاعتراف بالمصالح الايرانية فى العراق، وان يدرك ان التفاوض حول مصير العراق يجب ان يكون مع ايران "القوية" لا مع الولايات المتحدة الضعيفة، اضافة الى رسالة عامة استراتيجية مفادها، ان الارتكان الى الولايات المتحدة لتحقيق المصالح العربية لن يجدى وان الاوان قد جاء لتغيير شامل فى الموقف العربى تجاه ايران - يجب ان يحدث قبل فوات الآوان - وبالدقة فان العرب مطالبون بموقف واضح رافض لاى عدوان امريكى ضد ايران.

وفى كل ذلك وعلى صعيد الطرفين الامريكى والايرانى، يمكن القول ايضا، ان كلا الطرفين قد بات منهكا بسبب تطورات الملف العراقى، وان وقت التفاوض بينها قد حان، سواء لان الولايات لم تعد قادرة على تحقيق اهدافها او حتى على الانسحاب بطريقة تؤمن مصالحها الاستراتيجية فى المنطقة، او سواء لان ايران رغم ما حققت من عوامل قوة فى العراق، انما تخشى انسحابا امريكيا مفاجئا من العراق، قد يحول العراق الى ساحة مواجهة عربية ايرانية على ارض العراق، فى المدى المنظور او البعيد.

وهكذا فقد تعددت الاسباب وتنوعت ملامحها واوجهها، لكن سؤالها الجوهرى هو هل نحن امام "حوار اعادة تقسيم نسب احتلال العراق، بين كل من الولايات المتحدة وايران، ام اننا امام حالة آنية لمجرد تمرير رسائل هنا او هناك، سيجرى انقلاب صورتها فى ضوء الصراع الاستراتيجى بين البلدين الذى تعلو احتمالات حسمه عسكريا بين الحين والآخر. ام اننا امام كلا الامرين معا؟


إشارات الصراع

فى مثل تلك الاوضاع الاستراتيجية المعقدة، التى تشهدها العلاقات الايرانية الامريكية، بتعدد ملفاتها وتعدد ساحات وانواع ووسائل المواجهة، لا يحكم على تطورات تجرى فى ملف من ملفات الصراع الا بقدر تأثيره على بقية الملفات الاخرى، كما ان الحكم على ما يجرى فى ذات الملف نفسه لا يمكن الحكم عليها من خلال التصريحات الرسمية التى تصدر من المتفاوضين انفسهم عقب جولات التفاوض خاصة، حيث ما يعلن عادة خارج غرف المباحثات لا يعبر عن اسباب او اهداف، او حتى ما وصلت اليه تلك المباحثات. الحكم الادق من خلال تحليل ما يجرى على الارض بالدرجة الاولى.

فى التصريحات التى صدرت بعد نهاية جلسة المفاوضات، فقد اختار الطرف الايرانى وعلى لسان سفيره، ان تأتى التصريحات موجهة بالدرجة الاولى للمواطن العراقى وللطرف العربى، اذ ركزت تصريحاته على استعداد ايران لدعم المؤسسة الأمنية العراقية وهو امر يلعب على اوتار اعصاب المواطن العراقى الذى يطحنه القتل يوميا، وعلى ان ايران تطالب بسحب قوات الاحتلال وتلك اشارة الى الطرف العربى بتوافق الموقف الايرانى معه.

والطرف الامريكى اختار على لسان سفيره القول ان واشنطن طالبت طهران بوقف دعم الميليشيات الشيعية في العراق(هكذا نص التصريح). وذلك فى اشارة عكسية لكلا الرسالتين التى اراد السفير الايرانى توجيههما، اذ دعم ايران للميليشيات يعنى التورط فى القتل كما هو يعنى اشارة للطرف العربى بتورط ايران فى العراق على خلفيات طائفية.

وهكذا فهذه التصريحات مثلها مثل كل التصريحات التى تصدر فى مثل تلك المناسبات ليست الا نمطا من الترويج للمواقف السياسية لتحقيق مصالح كل من الطرفين. ولذلك القول ان المهم هو ما جرى على الارض، باعتباره يقدم الصورة الحقيقية لتوجهات الصراع، بغض النظر عن نصوص التصريحات المنمقة او المجهزة سلفا.

وفى الصراع على الارض، فان الملاحظة الابرز هى ان ميلشيات الصدر وفور عودته من ايران، قد صعدت من صراعها العسكرى مع البريطانيين فى الجنوب بقصف معسكرات القوات البريطانية فى البصرة وفى بغداد بعملية اسر خمسة من البريطانيين، وهو ما ردت عليه القوات البريطانية باغتيال قائد ميليشيات الصدر فى البصرة، كما ردت عليه وعلى نحو مباغت القوات الامريكية بالقصف الجوى لمدينة الثورة - الصدر -وبعمليات دهم وتفتيش وهى التى سبق ان دخلت نفس المدينة خلال بداية تطبيق الخطة الامنية دون طلقة واحدة لا على الارض ولا من الجو.

وفى الصراع على الارض، فان التصريحات التى صدرت عن هوشيار زيبارى فى حالة هى الاكثر صراحة، باتهام للذين اسروا البريطانيين الخمسة، بانهم كانوا فى حالة اطمئنان وان اجهزة الشرطة مخترقة من الميلشيات، يعتبر التصريح الاخطر لما وصل اليه الصراع بين المرتبطين بالولايات المتحدة وايران، فى داخل العملية السياسية، كما هو مؤشر على مواصلة الضغط على رجال ايران فى العراق من طرف كان فى حالة تحالف فعلية معهم من قبل ضد الاطراف المقاومة. وهكذا ودون استطرادات اخرى، فان البادى من خلال التصرفات على الارض فى العراق، ان الاوضاع لا تشير الى وصول التفاوض بين ايران والولايات المتحدة الى درجة مقبولة من الطرفين، بما استدعى جولة جديدة من الصراع الساخن على الارض العراقية.


الملفات الاخرى

والاهم فى قراءة التفاوض الامريكى الايرانى على ارض العراق هو ان نرى التطورات فى الملفات الاخرى، وفى اى اتجاه اثرت وتأثرت بنتائج التفاوض على الملف العراقى العالق بين الطرفين. على الارض كانت الولايات المتحدة قد دفعت فى الاونة الاخيرة وقبل الاعلان عن التفاوض بجملة من السفن وحاملات الطائرات الى بحر العرب، فى اشارة الى ان التفاوض لا يأتي من موقع ضعف وليس بديلا عن استخدام القوة فى حسم الصراع بين الطرفين. كما الطرف الايرانى بدوره قد رد على الارض بافتتاح موسم لسقوط من قال انهم جواسيس لامريكا فى ايران من ناحية وباعلان من الرئيس الايرانى هو المهم على الصعيد العسكرى، اذ قال أن بلاده تجاوزت نقطة الضعف وباتت قادرة على تصنيع تجهيزاتها العسكرية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من عتادها وعلى نحو يجعلها أكثر قوة وقدرة على منع أي دولة من التفكير بمهاجمتها.

وبين هذا وذاك، اذ صعد الرئيس الامريكى بفرض مزيد من العقوبات على ايران بسبب ملفها النووي، فبدوره وقبل يوم واحد من لقائه منسق الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، جدد كبير المفاوضين الإيرانيين علي لاريجاني رفض بلاده وقف تخصيب اليورانيوم، وهو الشرط الذي يضعه مجلس الأمن الدولي لإسقاط العقوبات المفروضة على طهران.

وهكذا فان التفاوض حول اقتسام نسب الاحتلال فى العراق لا يبدو انه قد وصل الى نتيجة ترضى طرفى الصراع على احتلال العراق، كما هو لم يؤثر ايجابا على الملفات الاخرى او على مسألة احتمال تفجر الصراع العسكرى.

لكن سؤالا مهما ما يزال يطرح نفسه او يطارد العقل العربى وهو:اين نحن مما يجرى صراعا وتفاوضا والى متى ؟!

- الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق