يا الله ما أقوي جيوشنا العربية وما أبسلها علي كل من يرفع يده أو صوته في وجهها داخل البلاد!
فهي فحول علينا وفي الحروب نعامة. تذكرت هذا القول المؤلم وأنا أشاهد بطولات الجيش اللبناني العظيم علي الأطفال والنساء والشيوخ و الغلابه في مخيم نهر البارد في شمال لبنان. ما كنت أبداً أظن أن في لبنان دبابات ومدرعات وجيشاً أصلاً حتي أرانا مراجله علي الفلسطينيين العزل داخل لبنان. فكان ظني، وبعض الظن أثم، أن القوات المسلحة في لبنان اسم علي غير مسمي، بدليل أنها لم تدخل في أي صراع مسلح ذي قيمة مع إسرائيل رغم الاعتداءات الإسرائيلية اليومية علي بلاد الأرز منذ سبعينات القرن الماضي، مما جعل إسرائيل تطالب الأمم المتحدة أكثر من مرة بوضع الجيش اللبناني الوديع علي الحدود مع الدولة العبرية بدلاً من رجال المقاومة اللبنانية الأشداء الذين يقضّون مضاجع تل أبيب ليل نهار. وقد كان الرئيس اللبناني إميل لحود محقاً تماماً في أحد لقاءاته عندما قال إن الجيش، لو تم نشره في الجنوب، سيكون أشبه بـ شرطي مرور لا أكثر ولا أقل بالنسبة لإسرائيل، لأنه لا يقدر علي غير ذلك.
وقد تأكدت تقديرات الرئيس لحود أثناء عدوان تموز الأخير علي لبنان حيث كنا نشاهد الطائرات الإسرائيلية وهي تصطاد عساكر الجيش اللبناني النظامي في ثكناته النائمة كما نصطاد نحن الذباب، أو في أحسن الأحوال عصافير الدوري دون أي مقاومة من جانبهم. لم نسمع صوتاً يـُذكر للقوات المسلحة اللبنانية النظامية في تلك الحرب الأخيرة التي هزمت فيها المقاومة الباسلة الجيش الإسرائيلي الذي كان يدّعي أنه لا يقهر. كل ما رأيناه عربات لبنانية مدمرة وجنود مصابون ومناظر تبعث علي الحزن والأسي في صفوف القوات اللبنانية النظامية، لكننا لم نر دخاناً يخرج من فوهات مدافعها وراجماتها وينتشر بكثافة في السماء ضد الطائرات الإسرائيلية كما انتشر في أجواء مخيم نهر البارد أثناء الهجوم المظفـّر علي سكان المخيم البائس والمتمردين داخله.
لا عجب إذن أن الحكومة اللبنانية ورعاتها الأمريكان يريدون القضاء علي المقاومة وتسليم زمام الدفاع عن لبنان للجيش النظامي كي تتمكن إسرائيل أن تصول وتجول علي الأرض اللبنانية علي هواها، أو علي كيفها كما يقول الأخوة في لبنان، علي اعتبار أن الجيش صاحب مراجل مشهودة علي الداخل ولطيف وحضاري جداً مع الأعداء الحقيقيين.
يبرر الجيش اللبناني بسالته بحق العزّل في مخيم نهر البارد بأنه يريد الحفاظ علي هيبته وكرامته كجيش وطني، خاصة بعد اتهامه أكثر من مرة بأنه ليس جيشاً. لكن السؤال المطروح، ألم يأخذ في طريقه ألوف الأبرياء قتلاً وترهيباً وتهجيراً؟ هل كان بحاجة لتحويل منطقة مكتظة باللاجئين المساكين إلي ساحة حرب ضروس لم يخض الجيش مثيلاً لها في حياته؟ ثم والأنكي من ذلك، لماذا لا تتذكر الجيوش العربية كرامتها المهدورة إلا عندما تواجه أبناء جلداتها من المغلوبين علي أمرهم؟ لماذا تقبل بأن تـُهدر هيبتها أمام الإسرائيليين وغيرهم، ثم تتحول إلي وحوش كاسرة في وجه الأشقاء أو أبناء البلد؟ لماذا لا تستبسل بعض جيوشنا إلا في الداخل؟ ربما لأنها مثل فرق كرة القدم تلعب علي أرضها!!
كم كنت آمل أن أري سحب الدخان الهائلة التي أحدثها قصف الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد فوق المستوطنات الإسرائيلية التي لا تبعد عن المخيم كثيراً! كم كنت آمل أن تكون قذائف الدبابات الثقيلة التي ربما استخدمها الجيش لأول مرة لا تدمر منازل اللاجئين الفلسطينيين المعتـّرين ، بل تدك بيوت الأعداء المطلة علي الجنوب، كما فعل حزب الله من قبل! كم كنت آمل أن يستخدم الجيش اللبناني القنابل المسمارية ليس ضد أحياء مدنية لبنانية ـ فلسطينية، بل ضد من يستحقها فعلاً من أعداء لبنان الفاشيين! كم كنت آمل أن تكون النسوة اللواتي كن يطلقن صرخات النجدة من داخل المخيم نساء العدو ولسن عربيات فلسطينيات لا حول لهن ولا قوة! كم كانت مؤلمة تلك الصور الفظيعة التي نقلتها القنوات الفضائية لنساء وأطفال وبنات يهربن من زاوية إلي أخري تحت نيران القصف وهن يستنجدن بالعرب كي ينقذوهن من جحيم المخيم الذي حوله الجيش اللبناني الباسل علي ناس وناس إلي ساحة وغي فظيعة، وحرمه من المأكل والمشرب والدواء! كم كنت آمل أن يكون الآلاف الذين نزحوا بشكل جماعي تحت وابل القصف اللبناني النظامي من سكان القري الإسرائيلية المجاورة! لكن هيهات! لقد خيب الجيش اللبناني ظن الرئيس لحود وثأر لكرامته المهدورة بسحق الأبرياء في المخيم المذكور. ما كنت أبداً أحسب القوات المسلحة اللبنانية بتلك الجسارة والعزيمة!
لقد أثبت الجيش اللبناني في أحداث نهر البارد أنه جيش عربي أصيل ، ولم يحد عن الخط الذي تتبعه الجيوش العربية الأخري في تصديها للاضطرابات المحلية قيد أنملة. ما حدا أحسن من حدا فعلاً، فكما أن جيوشاً عربية أخري دخلت مدناً وقري وسوتها بالأرض مستخدمة أسلحة البر والجو والبحر ضد أبناء الوطن الواحد، وأبادت عشرات الألوف من سكانها الأبرياء بحجة ملاحقة بعض المتمردين، أبا الجيش اللبناني إلا أن يكون مثل أقرانه وأحسن. من قال إن الجيش اليمني الذي يبلي بلاء عظيماً ضد أبناء جلدته في منطقة صعدة أشجع من الجيش اللبناني وأكثر منه بسالة؟ من قال إن الجيش اللبناني لا يضاهي في السحق والمحق الجيش السوداني الذي قتل الألوف من أهالي دارفور ؟ معاذ الله! فكلنا أبطال أشداء بواسل عندما نواجه أهلنا وأخوتنا.
ليس غريباً أبداً إذن أن هبت الحكومات العربية عن طريق جامعة الدول العربية لمد يد العون العسكري للجيش اللبناني علي الفور كي يسحق المتمردين عن بكرة أبيهم، فعندما يتعلق الأمر بقمع الانتفاضات والهبات الشعبية يهب وزراء الدفاع العرب، كوزراء الداخلية، هبة رجل واحد لمؤازرة بعضهم البعض، ولا يترددون في تقديم الغالي والرخيص لأي جيش عربي يواجه أزمة داخلية، لكنهم يفكرون ألف مرة قبل أن يساعدوا بلداً عربياً يتعرض لعدوان إسرائيلي أو أمريكي غاشم.
لقد ذكرتني مـــآثر الجيش اللبناني الأخيرة في مخيم نهر البارد بقصيدة شاعر البصرة الخارجي عمران بن حطان التي نتذكرها جميعاً كلما رأينا الوحوش المتشاطرة علينا تتحول إلي نعامات أمام الآخرين، فعمران البصري هو صائغ ذلك البيت الذي احتفت به الذاكرة العربية أكثر من غيره، وذلك في القصيدة التي يعيّر فيها الحجاج بهربه أمام غزالة الحرورية حين ترك نعليه في ساحة المعركة وأسرع إلي الكوفة يتحصن داخل قصره:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلي غزالة في الوغي
بل كان قلبك في جناحي طائر
وكالة الاخبار العراقية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
الجيوش العربية: أسود علينا وفي الحروب نعامة!- د. فيصل القاسم
