هيئة علماء المسلمين في العراق

إشـــارات الخــطر وراء الفشــل الأمريكي‏!‏ - مـرسي عطـا اللـه
إشـــارات الخــطر وراء الفشــل الأمريكي‏!‏ - مـرسي عطـا اللـه إشـــارات الخــطر وراء الفشــل الأمريكي‏!‏ - مـرسي عطـا اللـه

إشـــارات الخــطر وراء الفشــل الأمريكي‏!‏ - مـرسي عطـا اللـه

أعتقد أن فشل أمريكا في العراق وعجز قواتها عن فرض سيطرتها هو الذي أربك كل المخططات الأمريكية التي كان يراهن واضعوها على تحويل العراق الى محطة انطلاق لفرض مشروعها‏ حيث تحول الهدف الأمريكي تجاه العراق من جعله نموذجا يحتذى به ويسهل تصديره لدول المنطقة الى نموذج مزعج ومخيف لأمريكا ولدول المنطقة ـ على حد سواء ـ وذلك في ضوء المقاومة القوية والشاملة التي يتعرض لها المشروع الأمريكي في العراق‏,‏ والتي أعادت للذهنية الأمريكية مخاطر تكرار ما حصل في فيتنام ومن ثم البحث عن مخارج آمنة وسريعة من مستنقع الرمال المتحركة على أرض الرافدين‏.‏

وأيضا وبسبب الورطة الأمريكية في العراق وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة من دول الجوار بعد أن كانت تتهيأ للتحرش بعدد من هذه الدول وتحولت بخطابها السياسي والإعلامي نحو خطب الود بدلا من استمرار لغة التهديد والوعيد‏!‏

والحقيقة أن الذي يهمني ليس فشل أو نجاح الغزو الأمريكي للعراق وانما الذي يهمنا جميعا هو مستقبل العراق في ظل اشارات تؤكد ان مستقبل الوطن العراقي الموحد بات في خطر حقيقي وأن هناك أجندة لتغطية الفشل في كسر شوكة المقاومة والعجز عن اقامة النموذج الديمقراطي بالدعوة الى تقسيم العراق الى مجموعة دويلات متنافرة ذات انتماءات عرقية ودينية متباينة‏.‏

والذي يدفع الى صحة الاعتقاد بوجود هذا الخطر أن الحديث الأمريكي بات واضحا وصريحا في تأكيد عدم وجود برامج زمنية بشأن طول فترة بقاء القوات الأمريكية في العراق‏,‏ وأن ماسبق أن أعلنته أمريكا عن خطة متكاملة لتقصير مدة بقاء قوات الاحتلال الأمريكية لم يكن سوى خدعة جديدة لاتقل عن خدعة وكذبة أسلحة الدمار الشامل‏.‏

وليس مستبعدا أن يكون هذا الاحساس بخطر تمزيق وتقزيم الدولة المركزية في العراق هو أحد أسباب تصاعد أجواء النقمة والعداء من جانب العراقيين ضد الوجود الأمريكي وليس كما يشاع من أن زيادة وتصاعد وكمائن المقاومة ترجع فقط الى اسباب اقتصادية واجتماعية بحثا عن لقمة العيش التي أصبح الحصول عليها حلما مستحيلا بالنسبة لكثير من العراقيين بعد عمليات التسريح الجماعية والعشوائية في بلد كان أغلبه يعتمد على راتبه الحكومي طوال عدة عقود متصلة من الزمن‏.‏

والحقيقة أن مخطط التمزيق والتقزيم الذي تكتشف ملامحه منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق هو الذي لم يساعد على ادخال الطمأنينة في نفوس العراقيين الذين تشككوا في عمليات تفكيك المؤسسات وما ترتب عليها من تردي الأوضاع الاقتصادية الى الحد الذي أصبح فيه حصول المواطنين على متطلباتهم الضروررية من الغذاء والدواء أمرا يفوق الخيال في ظل انقطاع الموارد والرواتب وتحت وطأة انفلات أمني لم يسبق له مثيل‏,‏ وهو ما ساعد على نمو واشتعال حركة المقاومة وقدرتها على الاستمرار حتى اليوم‏!‏

وهذا الذي يحدث ويتصاعد يوما بعد يوم على أرض العراق يؤكد انه بقدر ما كان الانتصار العسكري الأمريكي سهلا وميسورا في بداية الغزو وحتى سقوط بغداد بقدر ما تتعاظم الورطة السياسية لأمريكا التي بدأت أقدامها تغوص في رمال متحركة مليئة بالكمائن والألغام‏!‏

***‏
واذن ماذا؟
إن الخطر الذي يلوح في العراق ـ لو قدر لمخطط التمزيق والتقزيم للدولة المركزية أن يتحقق ـ قد يفوق في خطورته وتداعياته السلبية كل ما لحق بالأمة العربية من نكبات‏!‏

لقد أصبح العراق منذ أن جرى تقنين وشرعنة الاحتلال تحت وصاية أمريكية ـ بريطانية مشتركة بموجب القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي في‏22‏ مايو‏2003‏ ثم جرى تقسيمه اداريا الى ثلاث مناطق وفقا لمعايير دينية وقومية هي الجنوب والوسط والشمال‏..‏ الجنوب أغلبيته من الشيعة وفي الوسط يتمركز السنة وفي الشمال يتخندق الأكراد‏,‏ فماذا لو أن هذا التقسيم الاداري تحول الى تقسيم سياسي كثيرا ما ترددت سيناريوهات بشأنه من قبل أن تبدأ الحرب الأمريكية ضد العراق وهي سيناريوهات تجدد طرحها بشدة في الآونة الأخيرة وآخرها ذلك التقرير الصادر عن البنتاجون والذي يدعو صراحة الى التقسيم‏!‏

هذا السؤال ينبغي ألا يكون شاغلا للعراقيين وحدهم وانما يجب ان يكون شاغلا أساسيا من شواغل الأمة العربية في المرحلة الراهنة وعلى نفس درجة الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي سوف يتأثر مسارها بما يمكن ان يقع على أرض العراق من متغيرات جيوسياسية مزعجة‏!‏

إن القضية لم تعد قضية الخوف والهلع من مطامع في بترول العراق أو نزعات ورغبات للهيمنة تقتضي اقامة قواعد عسكرية وإنما الخطر كل الخطر حول استقلال العراق الموحد تحت راية الدولة المركزية‏!‏

وليس بعيدا عما كنت أتحدث عنه ذلك الذي يجري الترويج له منذ سنوات في مقالات ودراسات وأبحاث تصدر عن المراكز البحثية والاستراتيجية في أمريكا وأوروبا لكي تبشر لأطروحات مثل أطروحة الدولة الاتحادية أو مقولات مثل مقولة الحكم الذاتي الذي يضمن حقوق الأقليات ويحافظ على التعددية الثقافية والدينية والقومية ويحترم حقوق الانسان في مختلف البلدان العربية وهو أمر غريب لأنه يصور العرب وكأنهم وحدهم هم الذين لديهم مشكلات وأزمات مع الأقليات سواء كانت دينية أو عرقية مع أن معظم الدول ـ وفي المقدمة أمريكا ـ بها أزمات ومشكلات للأقليات تزيد كثيرا عما هو الحال في العالم العربي‏.‏

***‏
لقد بات واضحا أن ما قاله ـ أكثر من مرة ـ كل من الرئيس بوش ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير من أن القوات الأمريكية والبريطانية لن تبقى يوما واحدا في العراق بعد انتهاء الحرب لم يكن سوى جرعة تخدير حتى تنتهي تلك الحرب الشرسة التي أطلقوا عليها اسم العملية الجراحية‏.‏ وأيضا فقد بات واضحا اننا ازاء فكر سياسي عنيد يحكم توجهات الادارة الأمريكية الحالية التي تقودها مجموعة من أشد صقور اليمين تطرفا الذين يؤمنون بأنه لا مكان للقيم والأخلاق في العلاقات الدولية أو خلال الحروب‏,‏ فالمهم هو تحقيق النصر وبعد ذلك فإن التاريخ ينحاز تلقائيا للمنتصرين ويحتقر الخاسرين حتى لو كانوا أصحاب قضايا عادلة‏.‏

واذا كان صحيحا ما ورد على ألسنة بعض المسئولين الأمريكيين من أن غزو واحتلال العراق كان يمثل ضرورة حيوية لانجاز الأهداف والمقاصد الأمريكية المعلنة وغير المعلنة فإن الذي يصعب قبوله هو الادعاء بأن واشنطن يمكن ان تخوض حربا وتضحي بأرواح جنودها من أجل بناء ديمقراطية حقيقية في العراق وهي التي أسهمت الى حد كبير في تغييبها ودعم التوجهات الاستبدادية لصدام حسين لسنوات طويلة‏!‏

إن أمريكا أرادت الحرب رغم غياب المشروعية الدولية وفي ذهنها أن قدرتها على كسب الحرب سوف تمكنها من وضع اللبنة الأولى لنظام دولي جديد تمسك هي بكل مفاتيحه ولاتسمح لأحد بأن يشاركها فيه‏..‏ بل ان هناك من يعتقد ـ واعتقاده الى حد ما صحيح ـ بأن الحرب على العراق كانت محاولة لتلقين كل الدول درسا وتأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف باعتبار العالم ضيعة تملكها‏.‏

لقد غاب عن الأمريكيين ان الخطر الأكبر من الحرب على العراق هو انهيار النظام الحالي للأمن الدولي‏,‏ حيث تتم استباحة كل شيء ويستبدل بالقانون الدولي قانون القبضة الذي يجعل القوي على حق دائما وبما يخول له أن يفعل كل شيء دون أن يقيده مانع في اختيار الأدوات‏.‏

***‏
ثم تبقى قرب النهاية كلمة ضرورية هي ان مستقبل العراق في خطر وان مانشهده يوميا على شاشات الفضائيات يمثل تصويرا دقيقا وبليغا للحرب كجريمة ومأساة وكارثة تقترب من توصيف الشاعر البريطاني وليام شكسبير لها قبل مئات السنين عندما قال‏:‏ تظلم الدنيا وتقع الكارثة وتنطلق كلاب الحرب‏..‏ فهل هناك شيء في المسرح العراقي الآن غير الذي قاله شكسبير؟

وكما نرى فإنه لاشئ بالفعل في العراق الآن سوي الظلام والكارثة والأجواء الخربة التي تسمح لكلاب الحرب ـ في الداخل والخارج ـ بحرية الانطلاق والعض والعواء‏!‏

والمصيبة ان كلاب الحرب ـ كما هي العادة ـ لايهمها من يدفع الثمن في نهاية المطاف‏..‏ ومن ثم فإن كل الخوف أن يكون الثمن في النهاية على حساب وحدة وسلامة التراب العراقي المعرض لخطر التجزئة والتقسيم‏,‏ وأن يكون ذلك هو المقدمة والبروفة للتحرك باتجاه المخطط الأوسع والأشمل الذي يستهدف فرض واقع جديد للتجزئة والتقسيم على المنطقة يحمل عنوانا مخادعا اسمه الشرق الأوسط الكبير‏..‏ والجديد‏!‏

ولست أتجاوز الحقيقة اذا قلت انهم يريدون غيابا كاملا للدولة المركزية في الشرق الأوسط حتى تكتمل لإسرائيل كل أسباب التفوق والهيمنة المطلقة على المنطقة بأسرها‏!‏

ثم لعلي أيضا لا أتجاوز الحقيقة اذا قلت ان أزمة الأمريكيين أنهم في ظل غرور القوة لايشعرون بوجود أي قوة أخرى على الأرض يمكن ان تشاركهم ـ مجرد المشاركة فقط ـ في لعبة الحسابات والموازين الاقليمية والدولية‏!‏

الاهرام المصرية

أضف تعليق