(الاوضاع الامنية المتردية تجبر امهر الحرفيين في صناعة الجلود الشعبية في العراق على الرحيل)؟!!..
دفعت الاوضاع التي يشهدها العراق منذ اربع سنوات امهر الحرفيين في صناعة الجلود الشعبية، الى مغادرة بلدهم بحثا عن سبل الرزق في بلدان اخرى لتخلو بغداد تدريجيا من واحدة من الحرف النادرة التي كانت تشتهر بها منذ ثلاثينات القرن الماضي.
وتعد الصناعات الشعبية التي تعتمد على جلود الحيوانات واحدة من اعرق الحرف التي ظهرت في العراق واصبحت واحدة من اهتمامات السياح والزائرين منذ سبعينات القرن الماضي قبل ان تنحسر وتختفي منذ اربعة اعوام.
ويقول ابو احمد صاحب احد المتاجر التي كانت تشتهر بهذه الصناعة "كان يعمل لدينا امهر الحرفيين في الصناعات الشعبية الجلدية لكن الامر اختلف الان. فالاوضاع الامنية المتردية ارغمتهم على مغادرة البلاد والعمل في بلدان اخرى".
ويضيف ابو احمد الذي رفض الكشف عن اسمه الحقيقي خوفا على متجره ان "هذه الحرفة تعتمد على الدقة والصبر في العمل ليكون المنتَج نوعا من الابداع الجميل، لكن الحرفيين بدأوا يفتقدون هذه المقومات تدريجيا".
وتساءل "كيف يعمل حرفي في ظل انتشار قطاع الطرق واللصوص وحوادث القتل والاختطاف وغياب الخدمات وابرزها عنصر الكهرباء الذي تتطلبه هذه الورش؟!".
وشهدت المنتجات الصناعية الشعبية الجلدية في السنوات الاخيرة اقبالا رغم قلتها وخصوصا المنتجات المتعلقة بحمل الاسلحة مثل البنادق والمسدسات بعد ان وجد الشارع انتشارا كبيرا لمظاهر التسلح.
وقال ابو احمد "بدا معظم المشتغلين والحرفيين في هذا المجال بالتوجه الى لبنان وسوريا لمزاولة عملهم هناك ووجدوا فرصا طيبة للعمل بعد ان وجد اصحاب المعامل الكبيرة في البلدين المذكورين كفاءة وخبرة فنية نادرة لدى هؤلاء العراقيين".
وعن مستقبل هذه الحرفة الشعبية، قال ان "الصناعات الشعبية الجلدية في العراق تواجه مستقبلا غامضا ان لم نقل شارفت على الانقراض فصناعتنا ومنتجاتنا بدأت تذهب الى دول الخليج وتحديدا الى دولة الامارات".
وتابع "هناك تجار عرب يدركون فن هذه الصناعة وتوصلوا الى اتفاق مع الحرفيين العراقيين العاملين في سوريا ولبنان لاستلام منتوجاتهم وضخها الى الاسواق الخليجية المنبهرة بهذه الصناعة".
وكانت منطقة النهروان جنوب شرق العاصمة بغداد تتميز بكثرة المدابغ التي تقوم بمعالجة جلود الابقار قبل صناعتها واخذت هذه المدابغ تقفل ابوابها بسبب سخونة هذه المنطقة وكثرة الحوادث المسلحة فيها.
وراى ستار كريم (40 عاما) صاحب محل بيع منتوجات جلدية، ان "انحسار هذه الحرفة اثّر كثيرا على المبيعات، والاقبال الان ينحصر على اغلفة المسدسات وجعب الذخيرة التي يحتاجها عناصر الشرطة والعسكريون".
واضاف "اعتقد ان المرحلة المقبلة ستشهد غياب هذه المستلزمات الصناعية الشعبية لعدم وجود صناعها".
ومن اشهر منتجات هذه الصناعة الشعبية الاحزمة والحقائب الصغيرة وحافظات النقود، ومؤخرا اغلفة المسدسات وبنادق الصيد وحمالات المسدسات التي تعرف بالعراق باسم "رامبو".
وتتراوح اسعار هذه المنتجات بين 10 و30 دولارا.
وتحمل بعض المنتجات رموزا تراثية وتاريخية من مراحل متنوعة للحضارة في بلاد الرافدين الغنية يتفنن الصناع بنقشها على الجلود لتحاكي ذلك الارث التاريخي بطريقة تحفز الذاكرة الى العودة للماضي الجميل.
فهناك مسلة حمورابي واسد بابل والحدائق المعلقة والكتابات المسمارية وابواب بغداد في العصر العباسي وغيرها من اثار الحضارة.
وتركزت الصناعات الشعبية المعتمدة على الجلود، منذ عشرات السنين في قلب العاصمة في جانب الرصافة منها فضلا عن مناطق في جنوب البلاد في مقدمتها محافظات الكوت والعمارة والناصرية التي يغلب عليها الطابع العشائري.
وكانت عشائر العراق في جنوب البلاد تعتمد على تلك الصناعة وخصوصا المتعلقة بحمل الاسلحة الخفيفة كالمسدسات وبنادق الصيد، واشتهرت تلك المناطق بانتشار احزمة المسدسات التي يطلق عليها بـ"المجند" المخصص لحمل ذخيرة الاطلاقات ويرتديه عادة الرجال المسلحون والفرسان.
ولم تؤثر الحداثة في الاعوام الاخيرة على الصناعات الشعبية للجلود التي واصلت ازدهارها وانتشارها قبل ان تنال من حرفييها وصناعها العوامل الامنية المتردية وتحديدا في العاصمة بغداد.
بغداد - ميدل ايست اونلاين
بسبب الاحتلال ومشاريعه.. صناعة الجلود في العراق تشارف على الانقراض
