هيئة علماء المسلمين في العراق

من يحاسب هؤلاء على كلامهم؟ -د. عبدالله السويجي
من يحاسب هؤلاء على كلامهم؟ -د. عبدالله السويجي من يحاسب هؤلاء على كلامهم؟ -د. عبدالله السويجي

من يحاسب هؤلاء على كلامهم؟ -د. عبدالله السويجي

شهدت الأيام القليلة الماضية تصريحات متناقضة أطلقها أكثر من مسؤول أمريكي، تتعلق بالحرب على العراق، والوضع في إيران، ومخاوف دول الخليج العربية من إمكانية اندلاع حرب في المنطقة، كما شهدت سباقاً محموماً بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية الإسلامية في إطلاق تصريحات اطمئنان مختلفة التوجهات والنوايا، في ما يخص العلاقات الخليجية الإيرانية، وما ستؤول إليه الأوضاع ، خاصة إمدادات النفط، إذا ما نشبت حرب بين أمريكا وإيران، والغريب أن كل تلك التصريحات نشرت في يوم واحد. فقد نُقل عن ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة قوله: “إن وجود حاملتي طائرات ضمن المجموعة القتالية للبحرية الأمريكية في الخليج، إنما هو بمثابة رسائل واضحة للأصدقاء والأعداء على حد سواء، بأننا سنحافظ على الممرات البحرية سالكة، وسنقف مع أصدقائنا في مواجهة التطرف والتهديدات الاستراتيجية، وسنتصدى لأي هجمات على قواتنا، وسنقدم للعدالة أعداء الحرية”، في إشارة واضحة الى أن الحل العسكري قائم بشدة إذا لم تتراجع إيران عن موقفها في مسألة تخصيب اليورانيوم. إلا أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد رد على تشيني فوراً، بأن إيران ماضية في تخصيب اليورانيوم وأنها ستتصدى لأي هجوم تتعرض له، وبقوة لا يتوقعها المهاجمون.

وفي فقرة أخرى من تصريحاته، التي أطلقها من على حاملة الطائرات التي تجوب الخليج حاملة 70 طائرة مقاتلة وقاذفة، تعرض لاستراتيجية بقاء القوات الأمريكية بمعزل عن التخصيب الإيراني لليورانيوم، إذ تحدث عن وجودها الاستراتيجي فقال: “إن وجودنا في هذه المنطقة حيوي، وأصبح أكثر أهمية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول”، ثم عاد إلى الوضع في العراق ليقول: إن “الإرهابيين الذين أعلنوا الحرب على أمريكا جعلوا من العراق جبهةً مركزيةً في هذه الحرب، واعتقد ابن لادن وأعوانه أنهم سيهزموننا ويخرجوننا من العراق ليجعلوا منه ملاذاً آمناً للإرهاب، وأرادوا أن يحولوا العراق الى مركز للخلافة الجديدة، ومنه يصدّرون التطرف والعنف إلى هذه المنطقة، وشن هجمات مدمرة على الولايات المتحدة. إن الفوضى قد تجتاح العالم الذي سيصبح خطراً لولا القوة الأمريكية والقيم الأمريكية لخدمة الحرية!”.

إن المشكلة في هذه التصريحات، أنها كلام مكرر ومعروف وسبق قوله، وتكراره لا يعني التأكيد عليه بقدر ما يعني إفلاس أفكار وعدم الإتيان بجديد، وسط المستنقع الذي تعيشه أمريكا في العراق. ونحن لا ندري عن أي فوضى يتحدث، والتي (ربما) تجتاح العالم لولا القوة الأمريكية والقيم الأمريكية، وكأننا به يعيش في مكان آخر، ولا يعرف شيئاً عن مئات القتلى والفوضى التي خلقها الاحتلال الأمريكي للعراق. وكأنه لم يسمع بالقيم التي يحملها جنوده الذين قتلوا 24 مدنياً عن عمد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ،2005 والتي أكدها الميجر جنرال ريتشارد هاك الذي أشرف على مشاة البحرية الأمريكية في مدينة حديثة العراقية، في تصريحات نشرت في “الخليج” بتاريخ 12 مايو/ أيار نقلاً عن رويترز، حيث قال إنه كان يعلم بأن قواته قتلت عدداً كبيراً من المدنيين العراقيين هناك في نوفمبر/ تشرين الثاني ،2005 لكنه علم بعد عدة أشهر بالاتهامات بأن مشاة البحرية ربما ارتكبوا أعمال قتل متعمدة، وقال إن “هذا الأمر مؤسف بحق إذا كان هؤلاء من المدنيين، وإذا أمكن إثبات ذلك فإنه يكون أمراً مؤسفاً بحق”.

كل المسؤولين الأمريكيين يشكون في أن يكون جنودهم قد أقدموا على قتل المدنيين، وهي (شكوك) باتت مضحكة، لأنهم يقصفون المدنيين يومياً في العراق وأفغانستان، وتبريرهم الدائم بأن الهجوم تم (عن طريق الخطأ)، وهو ليس كاف أبداً، إذ من يتحمل هذه السلسلة من الأخطاء التي أودت بحياة مئات من الناس الأبرياء، وهو ذات الأسلوب الذي تسلكه القوات الصهيونية، حين يفضح أمرها؟ أما الأمر الآخر الذين لم يتأكدوا منه بعد، وهو أمر غريب، هل يعيش العراق حرباً أهلية وفوضى وانعدام أمن أم لا؟ هل قوات الاحتلال في مأزق يشبه المأزق الفيتنامي؟ هل هناك مقاومة شرسة للاحتلال أم عمليات إرهابية؟

هذه الأسئلة يجيب عنها ريتشارد هولبروك، الدبلوماسي الديمقراطي البارز المرشح لأن يصبح وزيراً للخارجية الأمريكية، في حال مجيء الديمقراطيين إلى الحكم، الذي قال إن “ما يحدث في العراق حرب أهلية خرجت عن نطاق السيطرة”، جاء ذلك خلال محاضرة عن العلاقات الأمريكية التركية، وقدم هولبروك تقييماً قاسياً للسياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الجمهوري جورج بوش، وقال “لم أكن أتخيل أني سأقول إن هناك شيئاً أسوأ من فيتنام، لكن العراق يا أصدقائي أسوأ من فيتنام”.

ديك تشيني، وريتشارد هاك وريتشارد هولبروك، جميعهم من الإدارة الأمريكية، وهم متناقضون في الأقوال، وبعيداً عن مآربهم السياسية، وعن الرسائل التي يريدون توصيلها للناس، بأنهم ( يمارسون الديمقراطية)، إلا أنهم يعكسون مدى التخبط وخطورة الوضع في العراق، ولعل أصدقهم هو هولبروك، الذي اعترف بأن ما يحدث في العراق أسوأ مما كان يحدث في فيتنام، ولكنهم لا يعرفون أن القادمات من الأيام ستشهد عنفاً مضاعفاً، خاصة إذا ما نشبت حرب أمريكية إيرانية، عندئذ، سينفي تشيني أنه تعهد بتوفير السلامة للممرات الملاحية في الخليج، لأنه بكل بساطة لا يستطيع أن يتنبأ أو يؤكد ما سيحدث، كما يحدث الآن في العراق، وهو ضعف في العقلية الأمريكية المغامرة، وعدم دراسة واقع ما بعد الاحتلال، لأنه لا يهمه أبداً، ولكن ما يهمه أن يتواجد قريباً من الحدود الروسية والصينية، وقريباً من حقول النفط، لحماية الكيان الصهيوني، وضمان أن تبقى المنطقة العربية في حالة صراع دائم، وأن تتحول إلى سوق مزدهرة للسلاح الأمريكي والتكنولوجيا والأدوية والشركات الأمنية وشركات الإعمار، وهذا بالضبط ما يعنيه جورج بوش حين يتحدث عن الفوضى الخلاقة، ولا يعني ما يتخوف منه أن العراق سيكون مركزاً للخلافة الإسلامية (حيث سيتم تصدير التطرف والإرهاب منه إلى المنطقة)، وكأنه يقول إن بقاء قواته سيكون حتى إشعار آخر، أو حتى يزول خطر هذه الخلافة. أية استراتيجية يحملها تشيني ويطبقها في الخفاء؟

إن تشيني، وهو يتحدث عن تحريره لخمسين مليون إنسان من الدكتاتورية، لم يتحدث عن أربعة ملايين لاجئ عراقي خارج أوطانهم، وعن عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والأرامل واليتامى، لم يتحدث عن الكوارث الإنسانية والبيئية والاقتصادية، لم يتحدث بأن العراق يخسر يومياً 15 مليون دولار نتيجة العبث بنفطه وتجييره لتمويل العمليات العسكرية الأمريكية، إنه يرى ما يود أن يرى، ولهذا، فإنه يرى بعين واحدة، وهنا تكمن الكارثة أو الغباء أو المؤامرة.


- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق