هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق وتجارة الموتى - رضي السماك
العراق وتجارة الموتى - رضي السماك العراق وتجارة الموتى - رضي السماك

العراق وتجارة الموتى - رضي السماك

باتت محنة الشعب العراقي الكارثية الراهنة منذ وقوعه تحت الاحتلال الامريكي من الحدة في اهوالها ومصائبها اليومية بما تعجز عنه الكلمات حقا في التعبير عنها وبما تعجز الاقلام عن الكتابة عنها لاستمرارها اليومي الموصول المتفاقم، وذلك تحت تأثير مشاعر السأم الشديد والضجر التي تنتاب الكاتب لدى اجتراره التعبير عن رفضه وادانته لتلك المذابح والعمليات التي تلحق المدنيين على الهوية وغيرها من اعمال الخطف والاغتيال الاخرى، بحيث باتت كل اشكال العنف والفوضى والمذابح الوحشية التي شهدتها الحروب أو النزاعات الاهلية في عدد من البلدان العربية، كلبنان والسودان واليمن والجزائر، تهون في مآسيها مقارنة بأهوال الشعب العراقي الدامية التي لم يشهد لها مثيلا في تاريخه الحديث وتاريخ المنطقة. جاء في احدى قصائد الشاعر العربي الفيلسوف ابوالعلاء المعري: رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد ولو ان المعري استيقظ اليوم من سباته الطويل وزار العراق لصعق ذهولا بأن ما نظمه على سبيل المجاز في ذلك البيت يكاد يتحول إلى حقيقة فعلية على أرض الرافدين، اذ تتسع عشرات المقابر في أنحاء العراق - كما عبر أحد المراسلين الصحفيين بصورة بليغة - باتساع رقعة العنف وتزايد التفجيرات التفخيخية والانتحارية اليومية وأعمال الاغتيال. وعلى الرغم من انشاء عشرات المقابر الجديدة فإنها جميعها ــ حسبما أفاد احد متعهدي حفر القبور المشهورين «أبوصبع« - ضاقت بموتاها الى درجة ان مكتبه وعددا من المكاتب الاخرى العاملة في نفس مهنته تستقبل نحو 100 نعش يوميا منذ اندلاع أعمال العنف والمذابح الجماعية بُعيد الاحتلال الامريكي للبلاد. وتشير احصاءات سجلات متعهدي الدفن الى ان أعداد القتلى تفوق بكثير عما ذكر قبلا أن مجموع القتلى منذ اندلاع الاحداث لا يتعدى 650 ألف مدني عراقي حتى اكتوبر الماضي. وليست حرفة حفر القبور هي التي ازدهرت فحسب، فقد ازدهرت معها كل أشكال المهن الاخرى المرتبطة بتجارة الموت أو القتل، مثل نجارة صنع التوابيت وتجارة بيع الاكفان، وازدياد الاقبال على مغسلي الموتى والطوافين بالجنازات في الجوامع والمساجد أو العتبات المقدسة، ومثل ذلك زيادة الاقبال على رجال الدين المتخصصين في الصلاة على الموتى والدعاء لهم عند دفنهم بالقبور.. وغيرها من مهن أخرى تقتات وتربح من الموت. أما التجارات والمهن الاخرى المرتبطة بالقتل التي تسبق تجارة الموت فهي معروفة من تجارة بيع وتهريب الاسلحة والقنابل التفجيرية والاحزمة الناسفة، الى تجارة الاختطاف وابتزاز ذوي الضحايا بمبالغ طائلة لإطلاقهم، الى استئجار عصابات اجرامية لتنفيذ عمليات اغتيال ضد شخصيات ورموز سياسية ودينية ومدنية، أو تكليفهم بأعمال اختطاف تحت شعارات سياسية لصالح جهات سياسية محلية أو اقليمية أو حتى دولية، فضلا عن القيام بالعمليات التفخيخية غير الانتحارية في الاماكن العامة والجامعات بحق المدنيين. وبالتوازي مع هذه الاعمال الاجرامية او على الادق بالترابط والتداخل يستمر اذكاء لهيب الفتنة الطائفية والنعرات المذهبية.. وفي أين؟ في أكثر بلدان العالم العربي والاسلامي شعبه لا يقبل القسمة على اثنين لشدة تداخل وترابط مكونات نسيجه الاجتماعي بصورة لا وجود لها في أي بلد من تلك البلدان، ولاسيما فيما بين مواطنيه العرب على اختلاف مذاهبهم. آية ذلك ليس فقط العيش السكني المشترك أو المصاهرة، بل وما يربط العديد من عوائل المذهبين من صلة قرابة متمثلة في الامتداد العشائري او القبلي العربي الواحد. ومثلما انتعشت مهن وحرف تجارة الموت ازدهرت ايضا بعض الحرف المرتبطة بمحنة اذكاء الفتنة المذهبية، فرئيس تحرير احدى الصحف المحلية أكد ان اعلانات تغيير الاسماء ذات المدلولات الطائفية تشهد رواجا هائلا في صحيفته. ومع ذلك فكثيرا ما راح العديد من أصحاب الاسماء ذات المدلولات المذهبية ضحايا القتل على الهوية الطائفية على أيدي قتلة من أبناء طائفتهم لمجرد الاشتباه. كما انتعشت مهنة الوشم على الاجساد التي تحمل اسم الموشوم ورقم تليفونه لعل يتعرف عليه ذووه او تبليغهم به لدى ذهابه ضحية انفجار مباغت او قتله غيلة. ورغم مرور نحو أربع سنوات على محنة الشعب العراقي من اعمال العنف والمجازر الوحشية اليومية فانه لا يبدو في الافق حتى الآن ما يبشر بانتهائها.. وذلك بسبب استمرار تفتت وانقسام القوى السياسية والدينية العراقية وتخندقها المتبادل بما يخدم استمرار الاحتلال. ولربما مر وقت طويل يطول معه ويتسع خراب ودمار الوطن وتأخذ أعمال الابادة المنهجية من ابنائه مأخذا قبل ان يفيقوا من سكرة خلافاتهم ومواجهاتهم المستمرة.

- اخبار الخليج البحرينية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق