في كتابه الذي صدر مؤخراً في واشنطن تحت عنوان «في قلب العاصفة.. سنواتي في الـ سي آي ايه»، كشف مدير المخابرات الأمريكية السابق، جورج تينيت عن صحة كل ما أشيع وقيل من قبل، عن ان قرار شن العدوان على العراق،
كان جاهزا في ادراج المحافظين الجدد وخططهم -وقبلها في عقولهم- قبل وصول بوش إلى السلطة وان غزو العراق لا علاقة سببية له بأحداث سبتمبر، الا من زاوية العلاقة التبريرية، وكذا الحال فيما يتعلق بكون النظام السابق ديكتاتورا أو ديمقراطيا، وبأسلحة الدمار الشامل، وقضايا الأكراد والشيعة.. إلى آخر ما كان قد ما قيل كأسباب للحرب على العراق، حيث كل تلك الأسباب جرى التفكير فيها بعد اتخاذ قرار الحرب ولتبريره شعبيا.
الأهمية هنا هي ان الرجل الذي كان مسؤولاً عن المعلومات في الامبراطورية الأمريكية هو من يقر بان العدوان على العراق، لم يكن له أي مبرر سوى ان بوش ومن معه ارادوا هذا العدوان وقرروا القيام به تنفيذا لأهدافهم واغراضهم، وانهم تلاعبوا به ونفسه، أو بالدقة بتصريحاته -أولا- ثم قدموه كبش فداء بعد فشل مشروعهم.
في ذلك، فإن اهمية ما جاء في الكتاب، ليس فقط ان كل ما سيق من اسباب للحرب كان كاذبا او كذب في كذب -من زاوية العلاقة السببية مع قرار شن الحرب- وانما ايضا ان الشعب الأمريكي هو نفسه قد تعرض الى حالة خداع مخططة كافراد وجماعات ومؤسسات لاقناعه بالحرب والعدوان او لتقليل معارضته لقرار الحرب، وان ما جرى في عملية اتخاذ القرار بالحرب كان في حد ذاته خطة للتحايل على الآخرين لتوريطهم في الموافقات او لاستخدام اسمائهم ومواقعهم لخداع الجمهور والمؤسسات الأمريكية، وكل ذلك يلقى شكوكا خطيرة حول مصداقية هيئات ومؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، وطريقة اتخاذ القرار في هذا البلد الذي يحكم العالم ويتصرف بمصيره في كافة المجالات الحربية والسياسية والاقتصادية، على مستوى مؤسسة البيت الابيض التى جرت في اضابيرها تلك العملية المريعة لصناعة قرار الحرب باستخدام طرق من التحايل والخداع، يكشف تينيت في مذكراته أن الإدارة الأمريكية لم تجر «نقاشا جديا» قبل غزوها العراق في مارس 2003، وعلى مستوى مؤسسة المخابرات الأمريكية التي كان رئيسها (هو نفسه) يعرف كذب كل ما يقال من معلومات وتبريرات للحرب والعدوان جرى تحريف سياق اقواله نفسها -كما اشار هو في الكتاب -واستخدامها تبريرا للعدوان دون قدرة له على مواجهتها أو رفضها ودون ان يملك هو شجاعة التقدير فيذهب الى الاستقالة. وعلى صعيد العلاقات الداخلية بين المؤسسات الأمريكية وبعضها البعض في اعلى هرم السلطة، فقد أشار أو كشف ان مسؤولين من الادارة الأمريكية، كانوا يتصلون مباشرة بمديرين تحت قيادته هو في الـ «سي آي ايه»، لتغيير افكارهم وآرائهم ومواقفهم، وتبلغ ذروة القوة تحدث عند اناس لم يكونوا داخل الفريق الرسمي في البيت الأبيض، ومع ذلك كانوا اصحاب قرار في الدولة الأمريكية وفيما يتعلق بشأن خطير كالحرب (يذكر تينيت في كتابه أنه في اليوم التالي لهجمات 11 سبتمبر 2001)، التقى بالمسؤول السابق في وزارة الدفاع وأحد أبرز مفكري المحافظين الجدد ريتشارد بيرل، بينما كان الأخير خارجاً من البيت الأبيض. ويقول تينيت إن بيرل، الذي لم يكن يشغل منصباً رسمياً في الإدارة الأمريكية، علّق قائلاً إن على العراق أن يدفع ثمن ما حدث بالأمس. إنه يتحمل المسؤولية، ويشير تينيت الى انه صدم بما سمع، فالتفت إلى الخلف سائلاً نفسه: «ما الذي يتحدث عنه هذا الرجل». كما تساءل عن سبب وجود بيرل في البيت الأبيض في أولى ساعات ذاك اليوم تحديداً؟.
وبظهور هذا الكتاب، فإن العالم اجمع يصبح امام تساؤلات خطيرة على المستويات السياسية والجنائية والاخلاقية والدينية، في الاجابة عن السؤال: من يتحمل المسؤولية عن ارواح كل الذين لقوا حتفهم في العراق من العراقيين والأمريكيين والبريطانيين والايطاليين والكوريين.. إلخ، بعد ان بات مثبتا انهم جميعا قضوا في حرب لا مبرر لها إلا إرادة حفنة من المحافظين الجدد وان كل القرارات الدولية السابقة واللاحقة بشأن العراق واهله ومصيره وثرواته هى قرارات باطلة!
وبظهور هذا الكتاب فإننا امام حالة جريمة متكاملة الاركان مع سبق الاصرار والترصد -إذا صح القول أو جاز- يتيسر لها شهود على اعلى مستوى من صناع القرار الذي كتبوا ووثقوا شهاداتهم دون استجواب أو اكراه أو تعذيب، اولهم كولن باول وزير الخارجية الأمريكية الذى سبق تينيت مؤكدا -من زوايا أخرى-بانه خدع وانه بات يشعر حسب وصفه هو بالعار لا الخجل فقط، بسبب مساهمته في خداع العالم اجمع في جلسة مجلس الأمن الشهيرة، التي قدم فيها معلومات وادلة لاقناع العالم بضرورة اللجوء للخيار العسكري بسبب امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، ثم ثبت له ان المعلومات جميعها كانت مفبركة، وقبلها كان هناك مسؤولين امريكيون من درجات وظيفية مختلفة ومتعددة، قدموا شهادات حول الجرائم التى ارتكبت بشأن نفس القضية، واليوم يأتي رجل المعلومات ليقدم تلك الشهادة، هل يعيد العالم «تمثيل» تلك الجريمة؟.
وفي التوقيت، فان كتاب جورج تينيت ظهر في مرحلة غاية في الحرج للرئيس الأمريكي والبيت الأبيض وبقية المحافظين الجدد، فهو جاء ليكشف اصول ما جرى وحقائقه ووقائعه التي جرت من خلف ظهر كثير من مؤسسات الدولة، وليؤكد في النتيجة الإجمالية والنهائية ان الحرب على العراق لم تكن شرعية بأي معيار سياسي أو قانوني أو اخلاقى او معلوماتي، الكتاب يظهر في مرحة هى بالفعل حاسمة في صراع كسر العظم الجاري بين الكونجرس (بغرفتيه النواب والشيوخ) والبيت الأبيض، ومن ثم فإن توقيت نشره يمثل اهمية كبيرة في الداخل الأمريكي في تغليب أي من الطرفين، كما هو يأتي في ظرف دولى خطير لكل من صنعوا قرار الحرب، سواء لانه يأتي متزامنا مع توقيت استقالة بلير رفيق بوش في رحلة الحرب وفبركة المعلومات ايضا، أو لأنه يأتي بالتزامن مع خطة نفس الفريق الأمريكي تستهدف الحصول على تفويض بحرب جديدة ضد ايران، ان بالامكان القول ان تينيت قد رد باصدار هذا الكتاب على ما جرى من توريطه وتحميله المسؤولية «كاملة» في الغزو والخطأ، حيث جرى تملص البيت الابيض من فعلته في العراق بالإشارة إلى خطأ المعلومات التي جمعتها المخابرات الأمريكية حول اسلحة الدمار الشامل (وصفقة يورانيوم النيجر -وحول الاستقبال بالورود على طول طرق دخول القوات الأمريكية غازية محتلة.. إلخ).
كما يمكن القول ان تينيت قدم دفاعا عن نفسه، وعن المخابرات الأمريكية وافعالها خلال ادارته لها، سواء فيما يتعلق بالتنصت على المواطنين الامريكيين او في الدفاع عن استخدامها اساليب الاستجواب التى باتت مادة للاستنكار ومثلها عمليات نقل المتهمين والمختطفين بين ارجاء العالم، وما جرى ويجرى في جوانتنامو.. إلخ.
لكن اهمية ما جاء في كتاب تينيت تترسخ في جوانبها العامة إذ رأيناها بالتكامل مع ما جاء في كتاب تينيت عن ما جاء في تقرير بيكر-هاملتون، ومع ما يجرى من وقائع في معركة كسر العظم الجارية بين البيت الابيض والسيطرة الديمقراطية في الكونجرس.
فاذا كان تقرير بيكر-هاملتون، قد كشف عن حجم المشكلات والتحديات التى واجهها ويواجهها قرار الحرب، فان كتاب تينيت قد أنهى كل مصداقية لقرار العدوان على العراق وجعله فاقدا للشرعية، وهو ما يوفر في واقع الحال مادة علمية ومعتبرة -تتجمع حولها كل الاستقالات والاتهامات والاقالات السابقة-امام الكونجرس الذي أصبح مدعوما باستطلاعات الرأي العام لأجل انهاء الحرب، وربما محاكمة وعزل بعض رجال الادارة.
بيكر وتينيت!
لو كان القرار بالحرب والعدوان قد نجح -حتى لو كان اتخذ بطريقة خطا- لما كان تينيت قد تحدث الآن، ولكان قد ترك الحقائق في مكانها في الادراج الى حين وقت يمكن له ان يقدم الرواية الحقيقية لقرار الحرب دون مواجهة سياسية، أي حين تجرى كتابة التاريخ.
لكن تينيت اصدر كتابه، بعد ان انتهى القرار بالحرب الى الفشل والانكسار والهزيمة، فكتابه يأتي ليروى الأسباب الحقيقية والطبيعية لما ورد في اطار رؤية استراتيجية للخروج من المازق، وردت في تقرير بيكر-هاملتون.
لقد اشار تقرير بيكر الى ان «قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث في العراق تتضاءل وان معدل العمليات في العراق ارتفع من 70 هجوما يوميا في مطلع عام 2006، ليصل عدد الهجمات إلى متوسط 180 هجوما في شهر ديسمبر، وان عدد العراقيين الذين شردوا داخل العراق بلغ 1.6 مليون عراقى ونحو 1.8 مليون هجروا خارج العراق. وهنا يأتي كتاب تينيت ليكشف لم كان من الطبيعى والمنطقى ان ينتهى الأمر الى الفشل، فقرار الحرب لم يكن مقنعا لاحد ولم يك مبنيا على أسس استراتيجية صحيحة بل كان القرار بالحرب سابقا لتعيين أو حتى لوجود أسباب شن الحرب من الأصل.
وهنا لا شك تكتمل ثلاثية في غاية الاهمية امام الكونجرس الأمريكي والرأي العام الأمريكي، إذ الكتاب صدر وسط حالة معتمة الملامح والمستقبل بين بوش والكونجرس ووسط احتمالات متزايدة بتحويل قطاع من الجمهوريين مواقفهم إلى الوقوف علنا ضد الرئيس الجمهورى، تحت ضغط من الرأي العام الأمريكي الثابت في تقديره بضرورة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهو ما يعنى ان الكتاب سيمثل نقطة تحول مهمة خاصة وانه له ما وراءه وامامه، إذ ليس ببعيد عن صدور الكتاب ان عددا متزايدا من كبار الكتاب الأمريكيين -ومن الصحف الأمريكية -الذين باتوا يطالبون علنا وبوضوح برحيل القوات الأمريكية من العراق.
وفي التدقيق والتحديد لموعد وتوقيت صدور الكتاب وفي علاقته بما يجرى في الكونجرس -وقد وصل حد المطالبة بمحاكمة ديك تشيني نائب بوش باتهامات هي صلب الكتاب -فإن الأهم في التأثير الاستراتيجي هو ان الكتاب يأتي خطوة كمهمة باتجاه افقاد الادارة الأمريكية الحالية مصداقية اصدار قرار جديد بشن حرب جديدة -باتجاه ايران- إذ جوهر المعركة التى تجرى حاليا لم تعد فقط تتعلق بقضية الانسحاب من العراق وانما الامر يتعلق بعدم تمكين ادارة بوش من اشعال حرب جديدة، باتجاه ايران.
الكتاب دليل صحة!
ورغم كل ما ورد في الكتاب ونتائجه ومؤشراته -سابق الإشارة اليها- فإن نشر هذا الكتاب من قبل مسؤول كان لشهور في اعلى مواقع السلطة، وفي مواجهة رئيس اكبر دولة في العالم خلال وجوده في السلطة وفي ظل تمتعه بكامل جبروت السلطة وصلاحياتها وسيطرتها، انما هى جميعها دلائل صحة وقوة للنظام الأمريكي، مهما كان الرأي في بوش كحاكم وفي المحافظين الجدد او حتى مهما كان الراى في نمط الديمقراطية والعلمانية الأمريكية، نشر هذا الكتاب في تلك الظروف يثبت ان النظام الأمريكي لا يخاف من كشف اسرار «الدولة» الأمريكية، ولا يخشى من كشف اسرار واخطاء اقوى حاكم في العالم وهو في عز السلطة لا خارجها، كما النظام قوى (لا نقول الادارة) الى درجة انه لم يجد كارثة تجرى ويتطلب وقفها والتصدي لها فورا حين يكون كاتب الكتاب هو من كان صاحب أعلى درجة في سلم المعلومات في الولايات المتحدة والعالم.
ومن ثم فهذا الكتاب هو دليل حيوية وعلامة من علامات صحة النظام والمجتمع الأمريكي، لا دليل ضعف. كما في القلب من تلك الحيوية حدة الصراع الجارية التي من ضمن فعالياتها الصحية ان استدعت لجنة بمجلس النواب الأمريكي جورج تينيت للإدلاء بشهادته بشأن ادعاءات لتبرير غزو العراق بحجة سعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل، فقد دعى رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب هنري واكسمان رئيس المخابرات السابق للإدلاء بتلك الشهادة في جلسة استماع أمام اللجنة.
غير ان الكتاب يطرح ايضا أسئلة كثيرة حول النظام الأمريكي والمؤلف ذاته نختار منها التالي: فيما يتعلق بالمؤلف، فروايته تقدمه فاقدا لأسس القيادة المختلفة جوهريا عمن ينتقدهم، إذ هو لم يستقل احتجاجا على توريط بلده وجيشها في غزو واحتلال بلد آخر، بينما هو هدد بالاستقالة -في زمن كلينتون- حين كانت الأوضاع تتجه نحو اطلاق الجاسوس الإسرائيلي بولارد. في الكتاب فصل كامل عن الضغوط التي تعرض لها تينيت لإطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي جوناثان جاي بولارد. ويكشف تينيت فيه انه الذي رفض إدراج قضية الجاسوس ضمن المفاوضات، رغم ان تلك النقطة تحديدا كادت أن تنسف المفاوضات التي تمخضت عن اتفاق الخليل (قمة واي ريفر) بين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 1998.
ويشير تينيت الى ان كلينتون كاد يخضع لتلك الضغوطات الإسرائيلية، إلا أن تينيت هدد بالاستقالة في حال وافق كلينتون على إطلاق سراح بولارد. ويقول تينيت إنه كان يتخوف من أن إدراج قضية إطلاق سراح بولارد ستعطي انطباعاً لدى موظفيه بأن مواطنًا أمريكياً كوفئ لتجسسه على بلاده، مشيراً إلى أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية أيدوا إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي. وهنا يظهر الخلل في التقدير لدى تينيت، اذ هو هدد بالاستقالة لمواجهة اطلاق جاسوس -ولديه الحق في ذلك- ولكنه لم يفعل نفس الشىء في مواجهة موت نحو مليون عراقي وآلاف الجنود الأمريكيين والغربيين.
وفيما يتعلق ببعض الكواشف الواردة عن صناعة القرار في المؤسسات الأمريكية، تحدث تينيت عن التوتر الذي كان قائماً بين وكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون، وكشف أن البنتاغون كان يدفع لمؤسسة الشلبي 350 ألف دولار شهرياً لقاء معلومات استخباراتية، وأن الجلبي كان يسرب معلومات حساسة إلى إيران. ويقول تينيت إن الـ «سي آي إيه» لم تثق يوماً بالجلبي، وانه أصر على وقف البنتاغون دعمه المالي لهذا الرجل. يضيف تينيت أن بوش اقتنع في النهاية بوقف تمويل الجلبي.
وهنا، يلقى تينيت ضوءا مباشرا حول طبيعة صراعات المؤسسات الأمريكية وتداخل اختصاصاتها، كما هو يلقى ضوءا حول مدى انغماس رئيس اكبر دولة عظمى في التاريخ الإنساني في فض مشكلات بين وزارتين حول صرف مبلغ 350 ألف دولا شهريا لعميل؟
الشرق القطرية
تينت بعد بيكر وباول: من يتحمل نتائج قرار الحرب - طلعت رميح
