الرشوة مال يتوصل به صاحبه للسطو على حقوق الآخرين ونيل ما ليس له بحق، وقد عالج الإسلام هذه الرذيلة وحذر من فعلها أيما تحذير، ونستعرض في هذه السطور صورها وطرق علاج الإسلام لها.
قال الفاروق}: لا تولوا اليهود ولا النصارى فإنهم يقبلون الرشا ولا يحل في دين الله الرشا.
وعن ابن مسعود} قال: من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يدفع بها ظلماً فأهدي له فقبل فذلك السحت.
من صور الرشوة
1- هدايا الرعية إلى الحكام:
أهدي إلى عمر بن عبدالعزيز هدية وهو خليفة فردها، فقيل له: كان رسول الله {يقبل الهدية! فقال: كان ذلك له هدية، وهو لنا رشوة (1).
وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل، وبطل كل حُكم حَكم به بعد ذلك، قال القرطبى تعليقاً على قول أبي حنيفة: "وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله؛ لأن أخذ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه والله أعلم" (2).
2- ما يعطى لموظفي الدولة لتضييع حق من حقوق الله:
قال {: "من استعملناه على عمل ورزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" (3).
وعن أبي حميد الساعدي أن النبي {استعمل رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي {على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى له أم لا! لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة؛ إن كان بعيراً فله رغاء أو بقرة فلها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت.. اللهم هل بلغت" (4).
إن الوظائف أمانات والله - تعالى -سيسأل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع، ويرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه يقال: هذه غدرة فلان. ويلحق به الرشوة لتجنب دفع الضرائب مثلاً أو أي حق من الحقوق الواجبة عليه للدولة.
3- الإكرامية "البقشيش":
لو أن هذا المال يدفع برضا نفس لكان حلالاً، ولدخل تحت قوله {: "ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه" (5)، إلا أن الإلحاح وكلوح الوجه والنظر الشزر لمن لا يدفع أصبح سمة في هؤلاء المتسولين تحت أقنعة الإكرامية أو البقشيش، وعادة لا يجيد العامل العمل المكلف به إلا إذا كان يعلم أنه سيأخذ ما يسمى "بالإكرامية" أو"البقشيش".
4- القهوة الشاي:
وكلها أشياء درج الناس على إعطائها لمن لا يستحق؛ لتيسير خروج بضاعة من مصنع أو أي مكان، أو للحصول على جودة أعلى في البضاعة بدون وجه حق لكل منهما، فيبوء الدافع بوزر الرشوة، ويبوء الآخذ بوزر أكل أموال الناس بالباطل.
5 - ما يدفع للحصول على وظيفة:
من الوظائف ما أصبح حكراً على طائفة من الناس يدفعون أكثر أو لهم وساطة من ذوي الجاه بصرف النظر عن المؤهلات، وبينما يوسد الأمر إلى غير أهله يلقى أصحاب الكفاءات والمواهب الظلم والإهمال، ويعيشون على هامش الحياة يعانون للحصول على لقمة العيش في حين يتسنم من لا يستحق ذروة الجاه والسلطان، وتصبح مصائر الناس معلقة في أيدي من تسللوا من الأبواب الخلفية لهذه المراكز التي تستدعي الكفاءة والقدرة والأمانة، وهم عراة من واحدة من هذه الصفات.
عن أبي هريرة قال: بينما النبي {في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله {يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هأنا يارسول الله، قال: "فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة"(6).
علاج الإسلام للرشوة
(أ) النهى عن الكسب الحرام:
يقول - تعالى -: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) (البقرة)، وقال - تعالى -عن اليهود: سماعون للكذب أكالون للسحت (المائدة: 42)، وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يستأصلها.. وقيل: سمي الحرام سحتاً لأنه يسحت مروءة الإنسان، والقول الأول أولى، لأن بذهاب الدين تذهب المروءة، ولا مروءة لمن لا دين له.
قال ابن مسعود وغيره: السحت الرشا، وقال عمر بن الخطاب}: رشوة الحاكم من السحت وعن النبي {أنه قال: "كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به" قالوا: يا رسول الله! وما السحت؟ قال: "الرشوة في الحكم"(7).
وعن علي} أنه قال: السحت الرشوة وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية.
(ب) الدعوة إلى الكسب الحلال:
قال - تعالى -: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين 168 (البقرة). وقال - سبحانه -: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم 51 (المؤمنون). ويقول - تعالى -: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث (الأعراف: 157).
وعن أبي هريرة} قال: قال رسول الله {: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم 51 (المؤمنون) وقال: أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم(البقرة: 172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك"؟! (8).
(ج) طرد الراشي والمرتشي من رحمة الله:
عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله {: "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (9).
ومن لم تسعه رحمة الله فلن تسعه رحمة من سواه، ومن فقد الله - تعالى -فقد كل ما عداه.
(د) الدعوة إلى قضاء حوائج الناس:
يقول - تعالى -: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على" كل شيء مقيتا 85 (النساء).
ومن الإشارات الدالة في الآية تذييل الآية بقوله - سبحانه -: وكان الله على" كل شيء مقيتا 85 (النساء) فهو - سبحانه - الذي يقيت عباده وهو كافلهم ورازقهم، فهم ليسوا بحاجة عقلاً لأن يطلبوا رزقهم من الحرام، بل إنهم مطالبون بأن يسعوا ويجتهدوا، والرزق عطية الله - تعالى -التي يسوقها لعباده كيف يشاء.
قال {: "أحب الناس إلى الله - تعالى -أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه ديناً، أو يطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام" (10).
وعن أبي موسى قال: كان رسول الله {إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب" (11).
(هـ) تأكيد معاني الأُخوة بين المسلمين:
قال {: "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله". وله شاهد من حديث سهل بن سعد مرفوعاً بلفظ: "إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس" (12).
(و) تأكيد معاني الأخوة العامة:
مرت جنازة على رسول الله {فقام لها واقفاً فقيل له: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفساً" (13).
هذه الأخلاق الرفيعة التي تحترم الآدمية بصرف النظر عن معتقدها هل يعقل أن يتدنى صاحبها ليأكل أموال الناس بالباطل ويسطو على ما ليس له؟
متى تجوز الرشوة؟
قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة.
وهذا كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: "إنما الإثم على القابض دون الدافع" (14).
وعن وهب بن منبه أنه سئل: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا؛ إنما يكره من الرشوة أن ترشى لتُعطَى ما ليس لك أو تدفع حقاً قد لزمك، فأما أن ترشو لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام.
ويلحق به ما يفرض فرضاً على الناس في بعض المصالح من المال؛ الذي لو لم يدفعه لا تقضى مصلحته، فعندئذ يدفع، والإثم على من ألجأه إلى أن يصل إلى حقه بهذه الطريقة.
----------------------------
الهوامش
(1) د. يوسف القرضاوي الحلال والحرام ص: 318.
(2) الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي 6 -184 بتصرف.
(3) سنن البيهقي الكبرى 6 -355 حديث (12799).
(4) صحيح سنن أبي داود 2 -568 وأخرجه البخاري ومسلم.
(5) فتح الباري بشرح صحيح البخاري م13 -153 طبعة 1379 دار المعرفة بيروت لبنان.
(6) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه 1 -33 حديث رقم 59.
(7) صحيح سنن ابن ماجه 2 -34.
(8) صحيح الإمام مسلم كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من كسب طيب وتربيتها 2 -703 حديث (1015).
(9) صحيح سنن ابن ماجه 2 -34 حديث 1871.
(10) السلسلة الصحيحة 2 -574 حديث 906.
(11) صحيح الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام 4-2026.
(12) السلسلة الصحيحة 6 -66 حديث رقم 2526.
(13) غاية المرام ص 268 حديث 475، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
(14)الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 6 -184 بتصرف.
المختار الإسلامي
الرشوة .. وعلاجها
