هيئة علماء المسلمين في العراق

الأكثر عنفاً والأقل ديمقراطية -د. عبدالخالق عبدالله
الأكثر عنفاً والأقل ديمقراطية -د. عبدالخالق عبدالله الأكثر عنفاً والأقل ديمقراطية -د. عبدالخالق عبدالله

الأكثر عنفاً والأقل ديمقراطية -د. عبدالخالق عبدالله

المنطقة العربية هي المنطقة الأكثر عنفاً على الكرة الأرضية وهي أيضاً المنطقة الأقل ديمقراطية في العالم. لا توجد منطقة أخرى في العالم أقل ديمقراطية من المنطقة العربية كما لا توجد منطقة أخرى بهذا القدر من العنف الذي يعيشه الوطن العربي. المنطقة العربية هي المنطقة الأكثر عنفاً على الكرة الأرضية وهي أيضاً المنطقة الأقل ديمقراطية في العالم. لا توجد منطقة أخرى في العالم أقل ديمقراطية من المنطقة العربية كما لا توجد منطقة أخرى بهذا القدر من العنف الذي يعيشه الوطن العربي.

فائض العنف ونقص الحريات يعيشان جنبا إلى جنب، ويشكلان وجهين لمسار سياسي واحد والعلاقة بينهما وثيقة جداً، وتستدعي السؤال عن أيهما السبب وأيهما النتيجة: هل الاستبداد وغياب الديمقراطية هما المسؤولان عن العنف السائد في الحياة العربية، أم أن العنف وعدم الاستقرار المزمن هما اللذان يعيقان الاصلاح السياسي والانفتاح الديمقراطي في الدول العربية التي تعاني اكثر من غيرها من الاستبداد السياسي؟

تشير التقارير الدولية التي تتابع حالات العنف في العالم إلى أن المنطقة العربية منطقة عنيفة جدا ومضطربة جداً، ومليئة بالحروب الباردة والساخنة والتوترات المستديمة والأزمات المستعصية. اكثر من 36% من كل العنف الداخلي والاقليمي الذي سجل خلال عام 2006 وقع في المنطقة العربية دون غيرها من المناطق في العالم. هذه المنطقة التي لا تشكل سوى 9% من مساحة الكرة الارضية وتضم أقل من 4% من سكان العالم، تعج ب 36% من كل حالات العنف والقتل والتدمير التي سجلت خلال عام 2006.

أكثر من 28 ألف عربي قتلوا في العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال واليمن ودول المغرب العربي خلال عام واحد، أي أنه ومع مطلع كل يوم جديد من أيام السنة وعلى مدار السنة يقتل 77 عربياً من دون وجه حق بسبب عنف الطغاة وعنف الغلاة وعنف الغزاة. كما أصيب 250 ألف عربي بجروح خطيرة ومستديمة بسبب هذا العنف اليومي الذي لم يعد يتوقف. وأصبح 3 ملايين عربي من دون مأوى وفي حكم الاجئيين العرب الجدد هربا من عدم الاستقرار السياسي والأمني السائد في الحياة العربية حالياً. أما بقية العرب فيشاهدون هذا القتل والدمار اليومي ويشعرون بالضعف والاستسلام تجاه العنف الفائض الذي أخذ يصدّر إلى الخارج. ولا يقتصر ضرر العنف على قتل وجرح مئات الآلاف بل انه يتسبب في هدر الموارد العربية الشحيحة ويعطل النمو ويعيق التنمية ويمنع الحياة الطبيعية في المنطقة العربية.

كان العنف ملازما للمنطقة العربية عبر ال 50 سنة الماضية لكنه أصبح اكثر حدة ودموية ودمارا في السنوات الاخيرة ولا يوجد اي مؤشر على انه سيتوقف قريبا. كافة المعطيات تؤكد ان المستقبل لن يكون أفضل حالا خاصة في ظل الاقحام الأمريكي في الشأن العربي واستمرار العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وتزايد الاحتقان المذهبي في المشرق العربي وارتفاع الغلو على امتداد الوطن العربي. كل ذلك يرسخ لدى الرأي العام العالمي صورة حضارية معيبة وسلبية تشير إلى أن العنف جزء لا يتجزء من تاريخ وتراث وسلوك العرب.

لا يمكن في ظل هذه الدوامة المفرغة من العنف الفائض وعدم الاستقرار المزمن توقع اي اصلاح ديمقراطي عميق في المنطقة العربية. لذلك فإن المنطقة العربية التي هي الاكثر عنفا هي أيضاً الأقل ديمقراطية وفيها أكبر عدد من الانظمة الاستبدادية وغير الحرة في العالم. اكثر من 130 تقريراً سنوياً عالمياً يرصد واقع الحريات وحقوق الانسان في العالم، وجميعها تجمع على ان سجل المنطقة العربية قاتم وسجل معظم الدول العربية هو الأسوأ على الصعيد العالمي. سجل هذه الدول في مجال حريات الصحافة غير مشرق على الاطلاق. وسجلها من حيث استقلالية السلطة التشريعية والقضائية متواضع كل التواضع. كما ان سجلها في مشاركة المرأة في الحياة السياسية هو الأدنى بين كافة الأمم ولا يتجاوز 9% في حين انه يبلغ 42% في الدول الاسكندنافيه و20% في القارة الامريكية و17% في افريقيا و16% في آسيا.

ويشير تقرير “بيت الحرية” لعام 2006 انه لا توجد دولة عربية واحدة ضمن قائمة الدول الحرة والتي تضم اكثر من 90 دولة. دولتان عربيتان فقط صنفتا ضمن الدول شبة الحرة اما بقية الدول العربية فقد جاءت ضمن قائمة الدول غير الحرة التي تكثر من انتهاكاتها لحقوق الانسان ولا تلتزم بالحد الادنى من الحريات السياسية والمدنية.

أما الربيع الديمقراطي العربي فيبدو أنه ولد ليموت. فالفرصة الاصلاحية النادرة التي برزت في الافق العربي اختفت سريعا. واقع الحريات وحقوق الانسان لم يتحسن كثيرا بل عله تراجع ووصل إلى طريق مسدود. كما تراجع شعار الانفتاح الديمقراطي والإصلاح السياسي واصيب العدد القليل من دعاته بالاحباط ومازال الجمود السياسي هو القاعدة السائدة في 22 دولة عربية ممتدة من رأس مسندم على اطراف الخليج العربي شرقا إلى الرأس الابيض على شواطئ المحيط الاطلسي غربا.

والشاهد أن العنف وغياب الاصلاح هما أبرز سمات اللحظة العربية الراهنة. فالاصلاح السياسي يعمل في منطقة معقدة جداً، وصعبة جدا وأجندة دعاة الاصلاح ليست بالأجندة السهلة والسؤال المطروح امام الجميع يختلف عن السؤال المطروح أمام بقية المناطق في العالم. أن التحدي المركزي في هذه المنطقة هو كيف يمكن بناء الديمقراطية في منطقة مليئة بالعنف؟ لم يعد السؤال بالنسبة للمنطقة العربية هل الديمقراطية تؤدي إلى التنمية أم ان التنمية هي الطريق لتحقيق الديمقراطية؟ هذا السؤال اكاديمي ولا علاقة له بالحقائق على الارض العربية. السؤال العملي والجوهري هو هل العنف يعيق الاصلاح أم ان غياب الاصلاح الديمقراطي هو المسؤول عن العنف المزمن في الجسم العربي؟ هل الديمقراطية هي الحل أم المشكلة بالنسبة للمنطقة العربية؟ هل يجب العمل من أجل الأمن والاستقرار أولاً أم الإصلاح والديمقراطية أولا؟ ثم هل يجوز القبول بالبعض من الاستبداد والتضحية بالبعض من حقوق الانسان من اجل الحصول على البعض من الامن الاجتماعي والاستقرار السياسي؟ وهل تجوز مثل هذه المقايضة الصعبة على النفس أصلاً؟

المؤكد الوحيد أن الوضع العربي المركب يتطلب المزيد من الجهد وليس الاحباط. لا مجال للاحباط ولا مكان للمحبطين. فالمطلوب ليس الانسحاب والاستسلام للاستبداد والعنف بل هناك عمل ضخم ينتظر الجميع ولا بد من القيام به قولا وفعلا وتنظيما وتنظيرا من اجل الخروج من حالة أن “المنطقة العربية هي المنطقة الأكثر عنفاً والأقل ديمقراطية في العالم”. هذه الحالة غير مفرحة بل هي وصمة عار على جبين كل من يهمه أمر هذه الأمة ومستقبلها ويعمل من أجل أن تستعيد وعيها.

“السؤال المركزي هو هل العنف يعيق الإصلاح السياسي أم أن غياب الإصلاح الديمقراطي هو المسؤول عن العنف المزمن في الجسم العربي؟ والتحدي الأساسي هو كيف يمكن بناء الديمقراطية في منطقة مليئة بالعنف؟”.

الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق