حتما سيأتي اليوم الذي تعترف فيه الولايات المتحدة الأمريكية بفشل مشروعها في العراق بعد أن فرضت على هذا الوطن العزيز على قلوبنا أن يدفع ثمنا باهظا للحماقتين السياسية والعسكرية اللتين ارتكبتهما إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد قرارها غزو العراق، فالمؤشرات كلها تؤكد أن هذا الاعتراف قادم لا محالة إذ أنه وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على جريمة الغزو لم تحقق أمريكا وحلفاؤها في الداخل والخارج أي نتيجة إيجابية يمكن أن يتذرع بها بوش وإدارته للتدليل على صحة قرار الغزو والإطاحة بنظام صدام حسين،
بل على العكس من ذلك فإن الأوضاع في العراق آخذة في التأزم وأن خطر الحرب الأهلية الشاملة يبقى قائما في ظل تنامي النزعة الطائفية ووجود قوى متطرفة تسعى لإشعالها. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها استطاعوا إسقاط النظام العراقي السابق خلال أقل من ثلاثة أسابيع من بدء عملية الغزو وليس هناك باب للمقارنة بين القوة العسكرية الأمريكية وقوات الجيش العراقي، لكن العبرة ليست بهزيمة هذا الجيش ومن ثم تسريحه بالكامل، وإنما العبرة بتحقيق النتائج التي من أجلها أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها عشرات الآلاف من الجنود لغزو العراق، فهذا الغزو لم يحقق أي نتيجة يمكن أن تخدم المشروع الأمريكي المعلن. فالخسائر الأمريكية في تصاعد مستمر والأصوات المطالبة بتحديد جدول زمني لسحب القوات الأمريكية من العراق لم تعد محصورة في الساحة العراقية وإنما في العمق الأمريكي حيث يخوض الديمقراطيون معركة مع الإدارة الجمهورية الحالية من أجل تحديد هذا الموعد، وهؤلاء لا يفعلون ذلك من أجل مصلحة العراق طبعا، وإنما لأنهم أدركوا أن بلادهم يجب ألا تتحمل أكثر مسئولية حماقة الإدارة الجمهورية التي ورطت بلادها في جريمة كلفتها مئات المليارات من الدولارات ناهيك عن تدميرها لبلد تدميرا كاملا. فالأرقام المذهلة لعدد القتلى من المدنيين العراقيين فاق عشرات المرات عدد الذين سقطوا خلال أيام الغزو بفعل القصف الأمريكي البريطاني العشوائي للأحياء السكنية في المدن العراقية إذ لا يكاد يمر يوم واحد من دون أن نسمع عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى من المدنيين إما بسبب التفجيرات الإرهابية التي يتعمد مرتكبوها تنفيذها في أماكن التجمعات المدنية كالأسواق الشعبية وإما بسبب العمليات العسكرية الأمريكية التي لا تفرق بين مدني وآخر، وما ارتكبته هذه القوات من جرائم في مدن مثل الفلوجة والنجف خير دليل على ذلك. فالإدارة الأمريكية الحالية تأخذها العزة بالإثم، وهي حتى الآن ترفض وتراوغ هروبا من الاعتراف بفشلها في العراق، أما القول بأن جريمة الغزو قد أسقطت النظام العراقي السابق وخلصت شعب العراق من طاغية جثم على نفوس العراقيين أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد، فإنما هو قول هدفه التغطية على الفشل الأمريكي، إذ أن إسقاط النظام ليس سوى نقطة انطلاق لتحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة والمتمثلة في إقامة نظام «ديمقراطي« تعددي في العراق، وهذا الشيء لم يحدث، بل على العكس من ذلك فقد حولت الإدارة الأمريكية العراق إلى واحد من أسوأ أنظمة الحكم في المنطقة حيث تحكمه المحاصصة الطائفية والتي بدورها فتحت الأبواب أمام ما نشاهده من اقتتال طائفي ينذر بمخاطر أسوأ مما نشاهده الآن. كانت هذه الإدارة تعول على كره الشعب العراقي للنظام السابق ورغبته الجامحة في التخلص منه، للوقوف معها واستقبالها بالورود والرياحين، وهذا هو أحد الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية، صحيح أن الشعب العراقي دفع آلاف الشهداء وملايين المنفيين والمعتقلين من أجل التخلص من النظام الدكتاتوري لكنه في الوقت نفسه ليس مستعدا لأن يستبدل بالنظام الدكتاتوري استعمارا جديدا تحت غطاء «المساعدة« على التخلص من الدكتاتورية، فالوجود الأمريكي في العراق هو استعمار بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حيث لا يمتلك العراق حاليا قراره الوطني المستقل وإنما أمريكا هي التي تسير السياسية العراقية الداخلية والخارجية وإن كانت الأزرار تحت أيادي حكام العراق الجدد. فهذه الأوضاع التي آل إليها العراق في الوقت الحالي إنما هي النتيجة الحتمية لجريمة الغزو البشعة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الإقليميون والدوليون، وليس هناك أمل يلوح في الأفق لإمكانية خروج العراق من هذا المأزق الذي أدخلته فيه الإدارة الأمريكية، وسيفرض على أمريكا الاعتراف بالهزيمة والهروب من العراق، ولكن بعد تدميره وتعريض شعبه لحرب أهلية تقضي على ما تبقى فيه من تماسك وطني حتى الآن.
- اخبار الخليج البحريينية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
الهزيمة قادمة -عبدالله الأيوبي
