اعترافات الهزيمة الامريكية في العراق تكاثرت مؤخراً بشكل ملفت، مثلما تكاثرت اعترافات الهزيمة الاسرائيلية في لبنان، وتم تتويجها مؤخراً بتقرير «فينوجراد«. ولكن ما قاله الجنرال البريطاني سير «مايكل روز«، اضافة جديدة الى الاعترافات المتلاحقة بالهزيمة عبر السياسيين وعبر التقارير والمعلقين والمحللين، فهذا الجنرال يضيف الى مقولة الهزيمة المؤكدة اعترافاً بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وهو ما يمثل عودة الى بدء،
حيث صاغت البشرية مبادئ العلاقات الدولية في ذلك الشأن، وأينما يكون هناك احتلال، فهناك مقاومة مشروعة للمحتل وهو ما حاولت الادارة الامريكية في السنوات الاخيرة التلاعب به في وعي الناس حيث فرضت على العالم كله مفهوماً للارهاب يشمل مقاومة الشعوب فيها وبدون تفرقة وهو للأسف ما صدقه أغلب الحكومات العربية في انخراطها في الحلف ضد الارهاب وما صدقته بعض النخب المريضة في توجهاتها ورؤيتها حين وصمت مقاومة الشعوب العربية في فلسطين والعراق ولبنان بوصمة التطرف، ومن دون تفرقة، ولهذا جاء حصار المقاومات العربية مادياً من أغلب النظام الرسمي العربي وفكريا من بعض النخب العربية ذات الدور المشتبه فيه في هذه المرحلة الفاصلة. ولأن المسائل إما حق وإما باطل في القضايا التي لا تحتمل طريقاً ثالثاً في تأويلها فإن مقاومة اي شعب في اي مكان في العالم هي حق مشروع طالما بقي ذلك الاحتلال، ومهما تمت ممارسة (التعميمات) على تلك الحقيقة، بفرض استبداد الدول القوية او بغرض الهيمنة او بانقلاب المنطق تحت وطأة متغيرات دراماتيكية في العالم بسبب النظام العالمي الاحادي الجديد. الجنرال البريطاني المتقاعد قال ما يجب ان تقوله كل الحكومات العربية لأمريكا وبريطانيا ومن دون لف ودوران كما حدث مؤخراً في مؤتمر «شرم الشيخ« الاخير والفاضح. والذي قاله الجنرال (ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها ان يعترفوا بالهزيمة وان يتركوا العراق قبل ان يقتل المزيد من الجنود - طبعاً هذا هو الذي يهمه في الأمر هنا -) ليضيف: (إن المقاومة العراقية على حق في محاولة طرد الجنود الامريكيين من بلدهم). هذه الحقيقة التي لشدة وضوحها وبساطتها لم تكن بحاجة قط الى الدفاع عنها الا لأننا في زمن التراجعات العربية وسطوة القوة الواحدة، وانقلاب المنطق، وحيث يقارن الجنرال البريطاني بين تكتيكات المقاومة العراقية، وتلك التي استخدمها «جورج واشنطون« خلال حرب الاستقلال الامريكية في كتاب له بخصوص ذلك فإنه يعيد الى اذهان الذين يتجاهلون الشمس في عز سطوعها ويسوقون التبريرات الخادعة ويهمشون فعل المقاومة العربية الحالية في مثلثها الذهبي (العراق، لبنان، فلسطين) قد يحرجهم - ان كان بقي لهم ماء في الوجه - هذه الاعترافات المتلاحقة نفسها من شخوص ورموز الاحتلالين الامريكي والاسرائيلي، وحيث يأتي التأكيد اليوم وسيتزايد مع الوقت بعد الاعتراف بالهزيمة بحق الشعوب في طرد محتليها ومقاومتهم، تماما كما حدث في حرب الاستقلال الامريكية ضد الاحتلال البريطاني، وكما حدث في كل دول العالم الاوروبي والقارات الاخرى في مقاومة محتليها. والجنرال البريطاني وهو يقول في لقائه مع هيئة الاذاعة البريطانية عن حرب الاستقلال في امريكا (لو كنت امريكيا كما انا بريطاني، فإنه طالما ظل رجل بريطاني واحد على ارض امريكية فإنني لن انزل سلاحي ابداً والمقاومة العراقية تشعر بهذا الشعور بالضبط). هذا تحديدا ما يقوله حسن نصرالله وقيادات حزبه المقاوم لا غير، وهو ما يقوله قياديو المقاومة في فلسطين، وهو ما تقوله المقاومة العراقية. ولكن وللأسف فإن هذه المقاومات العربية المشروعة والباسلة والشريفة، تجد الحصار العربي، والتمويه الفكري العربي حول فعلها المقاوم، مثلما تجد من بعض النخب العربية المريضة في عقولها وارواحها الكثير من الطعن والتشويه ليأتي بعد ذلك الجنرالات والسياسيون في دول الاحتلال نفسها ويضعوا النقاط الضائعة على الحروف، ورغم ذلك لا يخجل العرب المرضى بالحول السياسي، او بالطائفية، او بالتبعية، او بالرشوة، من ان يحاصروا مقاومات شعوبهم، ويسهموا في تشويهها بكل الطرق والاساليب. لهذا الجنرال البريطاني نقول: قلت ما لم يقله أهل مكة في شعابها وهم الادرى!
- اخبار الخليج البحرينية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
ما قاله هذا الجنرال البريطاني -فوزية رشيد
