بالتصويت الأخير لمجلسي النواب والشيوخ الامريكيين بشأن جدولة الانسحاب من العراق، حيث الغالبية في الاثنين للحزب الديمقراطي المعارض، تكون الدائرة القانونية والمعنوية قد أحكمت الطوق حول الرئيس الامريكي، في مجال الحروب التي يخوضها في أكثر من موقع في الكرة الارضية، باسم الولايات المتحدة، وبقواتها المسلحة.
فمعلوم أن حرب افغانستان فقط، هي التي شنتها امريكا بتفويض دولي، انتزعته واشنطن تحت حرارة احداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول. أما حرب العراق فقد استخدمت واشنطن كل اساليب الترغيب والتهديد لانتزاع قرار دولي يكلفها بغزو العراق، تحت شعارات “نزع اسلحة الدمار الشامل”، وسواها من الشعارات من دون طائل، لذلك، فان القوات الغازية للعراق، حملت اسم “قوات التحالف”، في حين انها من الناحية العملية كانت، وما زالت، قوات امريكية بغالبيتها وقيادتها، أما من الناحية القانونية، فقد اختير الاسم (التحالف) للايحاء بأنها قوات دولية، في حين أن الكل يعرف ان الدول التي شاركت واشنطن بقواتها في غزو العراق، لم تفعل ذلك تنفيذا لقرار دولي (لذلك لم يكن ممكنا تسميتها “قوات دولية”)، وانما فعلت خوفا من اغضاب واشنطن، وسعيا للحصول على رضاها السياسي والاقتصادي والعسكري.
أكثر من ذلك، فان الانكشاف الامريكي في العراق، لم يقتصر على الناحية القانونية، بل تعداه الى الناحية الخلقية، عندما تبين ان كل الحجج السابقة واللاحقة التي استخدمها البيت الابيض كبدائل اخلاقية عن القرار الدولي الذي لم يستطع الحصول عليه، مثل حجة البحث عن اسلحة دمار شامل (ثبت عدم وجودها)، وضرب علاقة النظام العراقي السابق بالارهاب (ثبت ايضا عدم وجودها).
وهكذا، وبعد خروج الغزو الامريكي للعراق على القانون الدولي، والاخلاق الدولية، فقد اصبح اليوم مطوقا بالخروج على القانون الامريكي، بعد أن ربط قرار الكونغرس بين الموافقة على تمويل القوات الامريكية في العراق، بجدولة انسحابها من هناك، ابتداء من شهر نوفمبر القادم.
من الناحية العملية، يمهد البيت الابيض اعلاميا منذ الآن، لقرار الرئيس بوش باستخدام الفيتو الرئاسي ضد الكونغرس، وهو حق يكفله الدستور الامريكي، ذو النظام الرئاسي.
وهكذا، من الواضح ان الرئيس بوش يتهيأ لاختراق الوضع القانوني والشعبي الامريكي، الذي يجسده مجلسا النواب والشيوخ، تماما كما اخترق الارادة الدولية، قبل أربع سنوات، عندما ضرب عرض الحائط بالارادة الواضحة للمجتمع الدولي، بكل تياراته السياسية، بعدم اضفاء الغطاء القانوني على خطة امريكية امبراطورية بغزو العراق واسقاط نظامه، وهي خطة ثبت فيما بعد، انها كانت معدة سلفا، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وهكذا، فان البيت الابيض الذي اعتمد على القوة العسكرية الامريكية، وطغيان حجمها ووزنها في الميزان الدولي، على القوة العسكرية لكثير من الدول، الكبيرة والصغيرة، لكسر القانون الدولي، والاخلاقية الدولية، سيعتمد اليوم، كما يبدو، على صلاحيات استثنائية منحها له الدستور الامريكي، لكسر القانون الامريكي، وتجاوز الارادة الشعبية المتمثلة ليس فقط في قرارات الكونغرس الاخيرة، بل ايضا في كل استفتاءات الرأي الشعبي التي تجريها مختلف المؤسسات الامريكية المحترمة، منذ فترة غير قصيرة.
غير ان الأمر لا يتوقف عند حدود خروج سيد البيت الابيض الامريكي، عن القانون الدولي، والقانون الامريكي، بل ان الجداول التي تنشر يوميا عن حصيلة التدهور في اوضاع العراق، في كل الميادين الاقتصادية والامنية، وامعان قوات الغزو الامريكي في عبثها الهمجي بالمكونات الحضارية والعرقية والدينية للمجتمع العراقي، الضاربة جذورها في التاريخ، قبل آلاف السنين من اكتشاف القارة الامريكية، وقيام نظامها السياسي، تضيف الى تهمة الخروج على القانون الدولي والامريكي، تهمة الخروج على كل القيم الانسانية والاخلاقية، بطريقة لم يعد لها مبرر، ولم يعد لها أي سند، حتى داخل البلد الذي يرأسه بوش، والذي ما زال يجد في نفسه شجاعة الادعاء بأنه يقوم بكل هذا، ويتمسك بعناده الاسطوري فيه، باسم الدفاع عن أمن البشرية ورفاهها، وامن المجتمع الامريكي ورفاهه.
هذه مسألة لا تتعلق فقط بمصير جورج دبليو بوش، عندما يضطر لمغادرة البيت الابيض بعد سنة ونصف، ويصبح في مواجهة عارية مع القوانين الدولية والامريكية، لكنها تتعلق اكثر من ذلك بمصير المنظمة الدولية المسماة “الامم المتحدة”.
فتاريخ القرن العشرين، يروي لنا ان احداثا مشابهة من قيام القوى الكبرى (المانيا الهتلرية بالذات) بضرب الحائط بكل القوانين الدولية، وبكل القيم الخلقية، لم يؤد فقط الى ويلات الحرب العالمية الثانية، بل أدى، قبل ذلك، الى انهيار المنظمة الدولية التي كانت قائمة في تلك الايام، والمعروفة باسم “عصبة الأمم”.
ألا يستحق هذا المصير المظلم الذي يمكن ان يتحول من كابوس الى واقع دولي وانساني جديد، ان تتحرك القوى الحية في المجتمع الامريكي، بأكثر مما تفعل الآن، وبمعايير تتجاوز مجرد حسابات المعركة الرئاسية القادمة، للجم حالة “العناد” الأخرق التي تسيطر على ساكن البيت الابيض، قبل ان “يهدم الهيكل الدولي” على رأس الجميع، وليس على رأسه فقط؟
- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
بوش خارج القانون الدولي والأمريكي -الياس سحّاب
