حينما حل المارينز في أرض الرافدين، استحدثوا لهم ولأزلامهم منطقة آمنة سموها “المنطقة الخضراء” مميزين في ذلك أنفسهم ومن معهم بطوق أمني شديد، أعطى للجميع وفرة من الأمن والراحة، بعيداً عن الموت المجاني اليومي الذي يتعرض له العراقيون بأشكال عدة، قد يأخذ شكل سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة أو سيطرات وهمية أو نشاط لأحد فرق الموت.
لكن حتى هذه المنطقة اللاخضراء باتت مخترقة من الداخل، مع ما يصلها وبشكل مستمر من قصفٍ صاروخي أدخل الرعب حتى في قلب الأمين العام للأمم المتحدة، أثناء زيارته القصيرة الأخيرة للعراق، ما دفعه لأن يختصرها الى حدها الأدنى، خوفاً من المجهول.
وما حدث كان أبلغ رسالة عن شكل الأمن والاستقرار الذي تدعي الإدارة الأمريكية تحقيقه في العراق بعد احتلالها له عام 2003.
وقد اعتادت أوساط الشعب العراقي أن تتعايش مع هبة اعلامية كبيرة، عن بدء وتنفيذ خطة جديدة ستعيد البسمة والراحة للشعب أو تحقيق الأمن والاستقرار، وجرت هذه الخطط تحت مسميات عديدة، وان كان الغالب عليها بعض أفعال وانشطة الحيوانات، لكن هذه الخطط -وهذا واقع الحال- ورغم الإبهار والتزويق الذي صاحبها، لم تأت بنتيجة ايجابية حتى في حدودها الدنيا، اللهم سوى زيادة قتل العراقيين برصاص المتقاتلين وتخريب البنى التحتية للحياة العامة في العراق، ما يؤشر إلى كارثة انسانية هائلة، اذا استمر هذا التخريب الأمريكي من دون تغيير المسار وبدورة كاملة، عما اعتقدوه نهاية اللعبة. ففي العراق، ليس هناك من منطقة آمنة، وما يحصل في بغداد والأنبار وديالى والبصرة والديوانية وكربلاء والكوت وكل مناطق العراق الأخرى يشير الى فشل مشروع إدارة بوش الذي جاءت لتحقيقه في العراق بواسطة دباباتها ومن حملتهم على ظهورها.
ان حل أزمة العراق، التي سببها الغزو الأمريكي له عام ،2003 لا يأتي عن طريق العنف والتقاتل وهذا ما أثبتته حقائق السنوات الأربع الماضية، بل يأتي عن طريق سياسي وطني، يعطي للجميع حقوقهم ويصون وحدة وسيادة وأمن العراق الواحد الموحد، مع إسقاط كل مشاريع التقسيم أياً كانت عناوينها، ودون ذلك فعلى الأمريكان أن يحضروا قفاهم لصفعات لا تنتهي ولا تقف تأثيراتها عند حدود الاقليم العراقي جغرافياً، بل تمتد إلى عموم المنطقة، وفي ذلك يحسب للفعل العراقي المقاوم قدرته على النجاح في دحر مشاريع الهيمنة التي جاءت بها الولايات المتحدة كأحد أهم أنشطتها السياسية في الألفية الثالثة.
إن بداية نهاية المشروع الأمريكي في المنطقة الذي اتخذ من احتلال العراق قاعدة للانطلاق بدأت ملامحها تتضح بشكل جلي بعد ادراك الجميع ان الولايات المتحدة خسرت حربها في العراق، خاصة وأن فئراناً كثيرة بدأت تقفز خارج القارب الأمريكي المليء بالثقوب، ولذلك لن نفاجأ في قادم الأيام، أن يتكرر مشهد اللحظات الأخيرة للوجود الأمريكي في سايغون، حينما تدافع البعض للتعلق بطائرات الهيلكوبتر في رحلتها ذات الاتجاه الواحد، نحو حاملات الطائرات الأمريكية الراسية في المحيط الهادي هرباً وخوفاً، والسبب أن الأمريكيين فشلوا في حماية أنفسهم فيكف تتسنى لهم حماية الآخرين، ما يعني تبخر كل الأوهام التي رسموها في مخيلاتهم وفشلت على الأرض.
- الخليج الامارتية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
أيام سايغون تتكرر -د. حميد السعدون
