الرجوع إلى الله هو السعادة في الحياة، هو الإشباع لطاقات الإنسان، هو سيادة الأخلاق، والإقلاع عن الرزايا والضياع، هو العصمة من الانحراف والانحدار، هو سيادة العدالة والأمان، والإقلاع عن الجريمة، ورفع المظالم،
والبعد عن الاستعباد، وأخيراً هو الكمال الإنساني الذي به يصير الإنسان إنساناً.
ليس هذا كلام المسلمين فقط، وإنما كلام زعماء العالم المادي الذي أجهده البعد عن الله وعن الأخلاق لركونه إلى المادية المتوحشة التي أفقدته كثيراً من آدميته، ولهذا يقول ريتشارد نيكسون في كتابه "ما وراء السلام": إن التأثير العجيب الذي يكون طويل الأمد في إصلاح الحياة هو للتقاليد الدينية، حيث يكون لها التأثير على المعنويات والمثل، ناهيك عن أهميتها في التأثير على الشعوب، حيث تزرع الفضيلة المتحضرة، والمسؤولية الأخلاقية، والإشباع المؤجل، وكذلك الاهتمام بالآخرين، كما أنها القيم التي تتكل عليها الديمقراطية، كما أن في المعتقدات الدينية حصانة للشعوب ضد الأفكار الهابطة والغرور الإنساني المدمر، والطوبوية المفرطة".
وما كان الماديون على اختلاف ألوانهم مصيبين في تهميش أهمية الدين والنظام الأخلاقي الحضاري الذي يبني ركائز أي مجتمع حر، ولقد حذر "ماكس وبير" من تطور المادية الأنانية الهدامة وبيروقراطية الروح البشرية، التي هي قفص حقيقي يحبس الغرب فيه نفسه، وينتهي به في آخر المطاف إلى إفساد شرعيته الأخلاقية، إن معظم أدواتنا الكريهة إنما هي في جوهرها مشكلات أخلاقية وليست مادية، ضياع ثمرة التعليم، التفكك الأسري، ارتفاع معدلات الجريمة، النزوع الجشع نحو نيل المخصصات الحكومية. وليس الثراء والقوة كافيين حتى نكون أناساً خيرين.
لقد عاثت الثورة الجنسية عبثاً في المجتمع الأمريكي، وارتفعت معدلات الطلاق، وتزايد المواليد غير الشرعيين، وتكاثرت العائلات ذات الأب الواحد، كما أفضى ذلك إلى شيوع تعاطي المخدرات، وانتشرت الأفكار الداعية لاهتمام الفرد بنفسه فقط والعيش الخالي من التبعات، وعبادة الاحتيال، وتسفيه العمل، إضافة إلى انعدام العدالة المتجذر في المجتمع الأمريكي، وهي الأفكار التي أنعشتها الثقافة المادية وأدت إلى إضعاف احترام الفضيلة والكد الشخصي.
ويقول "هنري نمرنوولد": إننا لصلاح أمرنا قد ننطلق صوب حقيقة جديدة من الإيمان حتى يتخذ الإيمان مرة أخرى موقعاً مهماً ودوراً لا يستهان به في حياتنا ووجودنا. وما كانت الديانات الكبرى في العالم المسيحية والإسلام لتلهم الشعوب قروناً طويلة إلا لأنها قد استلهمت القيم الروحية وزرعتها في قلوب الشعوب، فهي باقية على مر الأيام، واليوم لا يبقى أمام المرء إلا الإيمان بها أو بشيء سواها أعظم منها.
ويصرح "ستيفن فيركوفنسكي" فيقول: إن أول الشروط الأساسية لوجود الإنسان، هو انحناؤه إجلالاً أمام شيء لا حدود له ولا لعظمته، ومن لم يفعل ذلك، فلن يستطيع العيش لشيء عظيم وسيكون مصيره الفناء.
ولهذا كان الرجوع إلى الله، وكان صراط الإسلام المستقيم هو الحل الذي أشار الله إليه بقوله: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153) (الأنعام).
وكانت دعوة الإسلام اليوم هي الإنقاذ من هذا الخبال الذي نحن فيه، ومن هذا المنطلق نرى أن دعاة الإسلام يوالون إيقاظ الأمة وتنبيهها فيقول الإمام البنا - رضي الله عنه -: "اذكروا أيها المسلمون الدعاة أن الله منَّ عليكم ففهمتم الإسلام فهماً نقياً صافياً، سهلاً شاملاً، كافياً وافياً، يساير العصر ويفي بحاجات الأمم، ويجلب السعادة للناس بعيداً عن جمود الجامدين، وتحلل الإباحيين، وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف الصالحين، استمداداً منطقياً منصفاً، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، عرفتموه على وجهه عقيدة وعبادة، ووطناً وجنسية، وحكومة وأمة، ومصحفاً وسيفاً، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين، وصدق الله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا (البقرة: 143).
فهمتم هذا أيها الدعاة، فهل فهم المسلمون ذلك من كتاب ربهم، فسمت نفوسهم، ورقت أرواحهم، وتحرروا من رق المادة، وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء، وترفعوا عن سفاسف الأمور ودنيا المقاصد، ووجهوا وجوههم لله الذي فطر السموات والأرض حنفاء يعلون كلمة الله ويجاهدون في سبيله وينشرون دينه في البشرية ويذودون عن حياض شريعته، أم سيظلون أسرى الشهوات وعبدة الأهواء والمطامع، كل همهم لقمة لينة، ومركب فاره، وحلة جميلة، ونومة مريحة وامرأة وضيئة، ومظهر كاذب، ولقب أجوف؟!
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ***وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا
وصدق رسول الله: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة... "، هذا ومن العجب العجاب مطاردة الإسلام في عقر داره من قبل من ولتهم الأمة أمرها، يريدون عزله عن الناس وعن الحياة والمجتمعات، فضلاً عن تبليغه كدعوة، والعمل على سيادته كفكرة، فتارة يقولون: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، وتارة يقولون: لا أحزاب على أساس ديني، إلخ، إلخ، وإنما يمكن أن يكون هناك سياسة وأحزاب بنظام فوضوي وإلحادي عميل، وقد ظلت الأمة ردحاً من الزمان تعاني ويلات هذا الضياع، مقتدية بالمستعمرين، واليوم يرجع المستعمرون إلى الدين رويداً رويداً، فهل ستكون لنا إفاقة ورجعة إلى الإسلام؟! نسأل الله ذلك..آمين.
د. توفيق الواعي
المختار الإسلامي
الرجوع إلى الله هو الحل.... د. توفيق الواعي
