هيئة علماء المسلمين في العراق

دروس الأمير الحسن-عبد الرحمن الراشد
دروس الأمير الحسن-عبد الرحمن الراشد دروس الأمير الحسن-عبد الرحمن الراشد

دروس الأمير الحسن-عبد الرحمن الراشد

لا اظن الامير حسن بن طلال، ولي العهد الأسبق للأردن، يزعج احدا او يقلق شأنا. لا يستوجب الغضب مهما شط، بل الشفقة. ولو أراد أحد ان يعظ غيره في شأن من شؤون الحياة فلن يجد درسا خيرا من رواية قصة الأمير حسن. فالرجل كان في باب الحكم، وعلى وشك ان يجلس على الكرسي ويلبس التاج، لكنه في اسبوعين ضيع ثلاثين عاما. وبعد ان ضيع الحكم، خسر القصر أيضا، وخسر الآخرين.

لم تكن مشكلته داخلية بل تجاوزت الحدود. فعندما شبت حرائق العراق راودت الحسن فكرة انه الأحق بخلافة فيصل الثاني وصدام الأخير. واستغرب العراقيون أمر الأمير واحتجوا عليه، وكاد ان يشعل ازمة بين الجارين، لولا ان العاهل الأردني طمأنهم ان لا نية رسمية تجاه العراق في الحكم. والطريف ان كل الفرقاء العراقيين الذين اختلفوا بينهم على كل شيء، معارضة وحكومة، شيعة وسنة، اتفقوا ضده. ثم حاول فتح الباب الفلسطيني لكن لحسن حظ الأردن ان الملك عبد الله كان قد اغلقه مبكرا، مشددا على ان لا نية عنده لضم الضفة الغربية الى مملكته، بل يؤيدها دولة فلسطينية مستقلة، وأكد على فك الارتباط.

وكنت اسمع ان الامير حسن يريد أن يظهر بمظهر المثقف، خاصة انه اكثر أمير في العالم يحمل شهادات دكتوراه فخرية، ونسي ان المثقفين لا يصلحون للحكم، وآخرهم محمد مزالي الذي كان قاب قوسين او ادنى من حكم تونس ابان آخر عهد الحبيب بورقيبة فضيعه هو الآخر. لكن ثقافة الامير الحسن لم تصلح حتى لتعيينه سفيرا للنوايا الحسنة للأمم المتحدة التي اعطت المنصب للممثل الكوميدي عادل امام.

ولعل الملك الراحل، الحسين بن طلال، هو من حمى الامير حسن عقودا طويلة، عندما كان ولي عهده، حيث بقي في ظل الملك بعيدا عن اكتشاف الناس حتى بان لهم وقت الحسم. وقبيل نقل الصلاحيات إليه سمعت ان الحسن جال في كل مكان يلقي محاضرات حتى يعرف الناس به. وقيل انه في محاضرة القاها في جامعة اميركية تهكم على الدول العربية، ومنها جارته السعودية التي وصفها بالوهابية وانها مصدر الأزمات. وهو تنظير ربما مقبول من رجل عادي بلا مسؤوليات، او من كبير يهمس به في مجلس خاص، لكن ان يثرثر به مسؤول في منصب رفيع، وعلى وشك ان يصبح حاكما، ويجهر به في مكان عام، فهي الحماقة أعيت من يداويها.

لكن الحماقة الأعظم تجلت في اوضح صورها حتى دخلت التاريخ عقب ان ناول الملك حسين اخاه وولي عهده الأمير حسن مفاتيح الحكم وسافر للعلاج في الخارج. وخلال اسبوعين تعجل الامير الحسن الأمر فطرد من طرد، ونصب من نصب من سياسيين ووزاء وعسكريين واعلاميين دون ان يحترم اصول الحكم التي تقتضي باحترام الأمانة التي سلمها اياه الملك في مرضه.

أظهر انه ليس فقط لم يلتزم اصول الحكم الملكي، بل أيضا لم يفقه اصول اللعبة السياسية، فينتظر اياما حتى يتوفى الملك حينها يتوج ملكا. لم يطق صبرا لأيام وهو الذي انتظر ثلاثين عاما. حينها اثارت تغييراته قلقا من شخصيته في الداخل والخارج. فالذين اختلفوا مع الملك حسين كانوا يحترمونه لشخصيته وإدارته لكن الحسن اظهر من التعجل في ايام ما لم يفعل احد في الف سنة. لذا انقذ الملك حسين الأردن في آخر ايامه، عندما عاد في منظر مهيب واقفا على قدميه، رغم شدة المرض، وقام بآخر واجباته فعزل الحسن وعين ابنه عبد الله الذي اثبتت الايام انه اكثر حكمة رغم فارق العمر والتجربة.

- الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق