هيئة علماء المسلمين في العراق

كفى بالموت واعظًا... سعد بن أحمد الغامدي
كفى بالموت واعظًا... سعد بن أحمد الغامدي كفى بالموت واعظًا...   سعد بن أحمد الغامدي

كفى بالموت واعظًا... سعد بن أحمد الغامدي

قال الله - تعالى -: \" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَواةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـاعُ الْغُرُورِ \"[آل عمران: 185]، وقال - تعالى -: " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّـاكِرِينَ " [آل عمران: 145]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه)).

الموت يأتي على الصغير والكبير، وعلى الغني والفقير، وعلى الملك والحقير، كل من عليها فان، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، أيامنا معدودة وأنفاسنا محدودة، وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ " فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ " [الأعراف: 34].

الموت باب وكل الناس داخله *** فليت شعري بعد الباب ما الدار

الدار دار نعيـم إن عملت بما *** يرضي الإله وإن خالفت فالنـار

هما محلان ما للنـاس غيرهمـا *** فانظر لنفسك ماذا أنت تختـار

وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أكثروا ذكر هاذم اللذات)) يعني الموت، فهذا سيدنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، كان إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، وكان يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة، ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة، وقد روي عنه أيضًا أنه قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَمنْكِبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.

قال الله - تعالى -: " يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ " [الحشر: 18]، ففي هذه الآية أمر بالتقوى، والتقوى لزوم طاعة الله بأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وفي هذه الآية دليل على محاسبة العبد نفسه، فلينظر الإنسان ماذا يقدم لآخرته من العمل الصالح، فعلى العبد أن يتزود لآخرته حتى يكون من المرضيين عند الله، قال - تعالى -: " وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى " [البقرة: 197]، أي تزودوا من دنياكم لآخرتكم فالدنيا مزرعة الآخرة.
قال سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم)، وقال الإمام علي - رضي الله عنه - وكرم وجهه: (ارتحلت الدنيا وهي مدبرة، وارتحلت الآخرة وهي مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، اليوم العمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل).

واعلموا أن هذه الدنيا خائنة كذابة تضحك على أهلها، من مال عنها سلم منها، ومن مال إليها بلي فيها، هي كالحية لين ملمسها قاتل سمها، أيامها تمضي كالخيال، لذاتها سريعة الزوال، فاشتغل فيها بطاعة الله، ولا تغفل عن محاسبة نفسك.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناهـا بخير طاب مسكنـه ***  وإن بناها بشر خاب بانيهـا

أيها الناس، ليس للقلوب مثل زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها بثلاثة أمور: أحدها: الإقلاع عن ما هي عليه، بحضور مجالس العلم، بالوعظ والتذكر والتخويف والترغيب وأخبار الصالحين. ثانيها: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات. ثالثها: مشاهدة المحتضرين، فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمنع الأجفان من النوم والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب في طاعة الله. يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه، عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه.

فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسًا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها دواء لدائه، ويستصرخ بها من فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت به دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول والثاني والثالث، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: ((زوروا القبور فإنها تذكر الموت)) رواه مسلم، فالأول سماع بالإذن، والثاني إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة كان أبلغ من الأول والثاني. قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الخبر كالمعاينة)) رواه أحمد، إلا أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات، أما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر.

فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه قي إتيانها، ولا يكون حظه الطواف بالأجداث فقط، فإنها حالة تشاركه بها البهيمة، ونعوذ بالله من ذلك، فليقصد بزيارته وجه الله، وإصلاح فساد قلبه، ويتجنب المشي على القبور والجلوس عليها، ويخلع نعليه ويسلم إذا دخل المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين.

اعتبروا بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهول لم يرتقبه، فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه، الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحى التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم أموالهم، وتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتات الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب، وليعلم أن ميله إلى الهوى واللعب، كميلهم، وغفلته عن ما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم، وإنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددًا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذ بالنظر إلى من حوله، وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه، وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتات دهره، وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحالهم ومآله كمآلهم، وعند التذكر والاعتبار، تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في الدنيا، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه وتخشع جوارحه.

ونحمد الله العلي الأعلى، الولي المولى، الذي خلق فسوى، وحكم على خلقه بالموت والفناء، والباقي إلى دار الجزاء، ثم الفصل والقضاء " لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى " [طـه: 15]، ولقد قال - تعالى - في محكم التنزيل: " إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّـالِحَـاتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَـاتُ الْعُلَى جَنَّـاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خَـالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى " [طه: 74-76]]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وإليه المنتهى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. من اعتصم بالله ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد في الآخرة والأولى، " وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـالاً مُّبِيناً " [الأحزاب: 36]، وخسر خسرانًا مبينا، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يطيعه، ويطيع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويتبع رضوانه، ويتجنب سخطه فإنما نحن به وله.
قال - عليه الصلاة والسلام -: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات)) يعني الموت. فإنًّ ذِكر الموت يورث الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم والموت أصعب منه، وإن كان في حالة نعمة وسعة، فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها والسكون إليها.

فالموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب، وقد سماه الله - تعالى - مصيبة في قوله - تعالى - : " فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ " [المائدة: 106]. فالموت هو المصيبة العظمى، والرزية الكبرى، قال العلماء: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر.
ويروى أن أعرابيًا كان يسير على جمل له، فخر ميتًا، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول: مالك لا تقوم؟ مالك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة، ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ من الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه متعجبًا من أمره. وروى ابن ماجه عن ابن عمر أنه قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل من الأنصار فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أحسنهم خُلقًا)) قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أكثرهم للموت ذِكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا أولئك الأكياس)).

فمن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهده فيما كان فيها يؤمل. كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كثيرًا ما يتمثل بهذه الأبيات:

لا شيء مما تـرى تبقى بشاشته ***  يبقى الإله ويودى المال والولد

وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: زار النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)).

مثل نفسك يا مغرور، وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلانًا قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلانًا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك وأنت تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة، وتتضرع، وأقبلت الصغرى تمرغ خدها على وجنتيك حينًا، وحينًا على صدرك، وتخمش خديها، وتبكي بحرقة تنادي: أبي إني غلبت على الصبر، حبيبي أبي من لليتامى تركتهم كأفراخ زغب، في بعد عن الوكر؟

تخيل نفسك يا ابن آدم إذا أُخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك، فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحاللـه؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم؟ من الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو بهذا ينتظر الفزع الأكبر: " يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبّ الْعَـالَمِينَ " [المطففين: 6].

من أكثر من ذكر الموت تجددت التوبة عنده، وحصلت القناعة في قلبه، ونشطت العبادة لديه، ومن نسي الموت ولم يذكره، ضيع التوبة وترك القناعة، وتكاسل عن العبادة. تفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كاسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله. كفى بالموت مقرحًا للقلوب، ومبكيًا للعيون، ومفرقًا للجماعات، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك وانتقالك من موضعك، إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى عرر، وغطوك من بعد لين لحاف بتراب ومَدَر؟ فيا جامع المال والمجتهد في البنيان، ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب. فأين الذي جمعته من المال، هل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته لمن لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك.
صلوا وسلموا على رسول الله...

سعد بن أحمد الغامدي
المختار الإسلامي

أضف تعليق