الفشل يكرر نفسه
لما أصرت الولايات المتحدة و(الحكومة العراقية) على موقفيهما لحل الأزمة رغم اتضاح الإخفاق منذ أربع سنوات عجاف، لم تتوقف دماء العراقيين عن النزيف دون أن يلوح في الأفق أي أمل بجلاء المأساة.
بغداد عاشت أمس يوما دمويا وخيم الموت على أرجائها عندما ضربتها سلسلة تفجيرات لم تفرق بين سني وشيعي، وجاءت الحصيلة ثقيلة لأن المتفجرات لا تختار ضحاياها. فهل كان استهداف حي الصدر عقابا على انسحاب الوزراء الصدريين؟ ربما، فالهدف لم يكن عسكريا حتى تتجه الأنظار إلى المقاومة، بل كان الضحايا مدنيين كما في المناطق الأخرى.
لم يعد السؤال حول موقع التفجير، فلكل حي نصيبه، والمنطقة الخضراء المحصنة أخذت حصة من التفجير والترويع، ومع ذلك مازالت الكلمة للحل الأمني الذي يخرج من فشل ليدخل فشلا آخر.
الغريب أن المسؤولين الأمريكيين يدركون العواقب الوخيمة لفشلهم في العراق، ويحذرون منها، إلا أنهم لم يتخذوا أية خطوة عملية في هذا الاتجاه، بل نرى وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس يجوب دول المشرق العربي في حملة لحشد العرب ضد إيران، ورسالته واضحة وهي تخويف العرب من إيران بسلاح ذي حدين، حد عرقي وآخر طائفي؛ وملخص رسالة الوزير الأمريكي هي أن إيران الفارسية ..تمثل خطرا على الدول العربية.. .
هذا مؤشر واضح على أن هناك اتجاها لتعميم ما يجري في العراق على كامل المنطقة، تمهيدا لإعادة تشكيلها وفق معطيات الوضع الدولي الجديد، ولمن أراد الدليل فلينظر إلى النزعة الانفصالية التي تعترك في نفوس بعض عراقيي الجنوب الذين طرحوا فكرة قيام إقليم جنوبي في العراق.
الكل يتمنى نهاية للدماء التي تسيل في العراق، وعودة أبنائه الذين هجروا وهم بالملايين، لتبدأ مرحلة إصلاح ما أفسده الاحتلال، لكن البوصلة الأمريكية تشير إلى وجهة أخرى غير هذه.
وأمام هذه الصورة، تجد أمريكا نفسها مجبرة على عدم الاكتفاء بالأقوال، أليس هذا ما تطالب به العرب والفلسطينيين دائما؟ بل عليها أن تثبت للعراقيين عمليا أنها تسعى لإطفاء نار الحرب في بلدهم، أما إذا استمر الوضع هكذا فستوحدهم جميعا ضدها؛ في الشهر الماضي انسحب حزب الفضيلة من الحكومة وتبعه التيار الصدري أمس الأول، فيما تهدد جبهة التوافق بالانسحاب، مما يجعل حكومة نوري المالكي أشبه ببنيان تتداعى أركانه سريعا، ليكون السؤال الكبير: ما هو البديل؟ هل تأتي حكومة أخرى تكون نسخة من هذه؟ أم ستلجأ إلى خطط أمنية جديدة، رغم أن البنتاجون اعترف بأن خطة أمن بغداد هي آخر فرصة.
الوقت يمضي سريعا وهو ليس في صالح الرئيس بوش، خاصة وهو في مواجهة بالكونغرس مع الديمقراطيين الذين يضيقون عليه الخناق في الداخل، ليبقى أمامه سبيل واحد في العراق، الاعتراف بالأخطاء التي وقعت وإعادة الأمر إلى كل العراقيين وليس إلى فئة منهم فقط، أما غير ذلك فليس سوى هروب إلى الأمام واستنساخ تجربة العراق في كل دول المنطقة.
المقالات تعبر عن أي كاتبيها فقط
الفشل يكرر نفسه ... راي الشرق القطرية
