تبدو عاصمة الرشيد واحدى اهم عواصم العرب في الذكرى الرابعة لسقوطها مدينة بلا روح وتفتقد لأهم مقومات ومعنى الحياة. كان معبرا في الذكرى الرابعة لسقوط بغداد ترديد «اخرج اخرج يا محتل» من حناجر عشرات الالاف في النجف في تظاهرة مليونية وحرق العلم الأمريكي بطلب من مقتدى الصدر المتواري عن الأنظار.
وضع العراق الدولة الغنية بقدراتها وامكانياتها بشعبها وتاريخها وتراثها وثقافتها وتجلس على ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم بات مأساويا ومؤلما بكل ما تعنيه الكلمة وهذا ما تقوله المنظمة الدولية للصليب الأحمر. العراق الذي كان يحكم بالحديد والنار في زمن صدام حسين، تحول تحت الاحتلال الى جمهورية للموت والخوف والاحتلال. لدرجة ان الأمور والأشياء البسيطة التي بالنسبة للكثير من الشعوب حول العالم هي اشياء من البديهيات لا يفكر بها الانسان مثل توافر الماء والكهرباء او الذهاب للعمل او الدراسة في الجامعات والمدارس او حتى الذهاب الى البرلمان او احتساء كوب من القهوة او الشاي في مقهى او شراء كتاب جديد من مكتبة او الدخول لحضور مسرحية او ارتياد السينما في شارع يعج بالبشر امرا ممكنا ويمكن ان تقوم به كمواطن يعيش في مدينة يتجاوز عدد سكانها الستة ملايين انسان.
خلال اربعة اعوام تحول العراق الى بلد يعيش ثلث شعبه دون خط الفقر على دولار ودولارين في اليوم وتطول البطالة اكثر من 50% من العاملين ويلامس التضخم سقف 60%. في بلد لا ينتظم 75% من طلابه في الدراسة. حيث قتل حسب دراسة حديثة 232 استاذا جامعيا وهاجر 3000 استاذ لخارج العراق واختفى 56 آخرون واغلق 152 قسما علميا في الجامعات العراقية. في جمهورية الموت والدمار اجبر اكثر من مليونين من افراد شعبه على التحول الى لاجئين قسريا داخل بلدهم واربعة ملايين اضطروا للهجرة لخارج العراق. فيما تصفه منظمات حقوق الانسان بأنه أسوأ عملية تهجير منذ نكبة فلسطين قبل ستين عاما. هذا هو المشهد العراقي المؤلم الذي يعيشه العراقيون في داخل وخارج ذلك البلد المعذب.
كيف اختلفت الوقائع وظهرت نتائج الحسابات الخاطئة؟ كيف تحولت خلال اربع سنوات امريكا بصلفها وتخبطها واستعدائها وأخطائها وفضائح بوغريب واعتداءاتها وتدميرها للفلوجة مرتين واستخدام اسلحة فسفورية والقتل العمد والفساد المالي والإداري الذي تعترف به وتوثقه التقارير الأمريكية نفسها، من قوات تحرير وإنقاذ الى قوات احتلال وتنكيل. إضافة لسلسلة الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبت في عهد الحاكم المدني بول بريمر من حل الجيش واجتثاث البعث مما ساهم في استعداء وتحويل اكثر من مليون عراقي لعاطلين عن العمل ومصدر خصب للانتقام ورفض الاحتلال وهو ما اعترفت به واشنطن لاحقا وكذلك الكثير من الكتل السياسية والشخصيات العراقية. وهو ما يعاد النظر فيه اليوم كجزء من تعزيز المصالحة الوطنية. وهكذا تدريجيا تحولت امريكا في عيون الأغلبية الساحقة من العراقيين وحسب استطلاع للرأي صدر مؤخرا لحساب وزارة الخارجية الأمريكية يرى 94% من العراقين ان قوات التحالف هي قوة احتلال. وكيف اصبح الخبز اليومي للعراقيين الموت والدمع والخوف والتهجير والقتل الطائفي والمذهبي والترحيل القسري في ارض الآلام والأحزان. حتى الحديث عن حرب أهلية بات امرا عاديا اذا لم يكن قد بدأ بالفعل. ويخشى ان مفاهيم المحاصصة والتقسيم والفيدرالية التي يرفضها اكثر من ثلاثة أرباع العراقيين باتت امرا لا مفر منه.
هناك في علم السياسة ما يسمى بـ "UNINTENDED CONSEQUENCES" او التداعيات غير المتوقعة او غير المقصودة كنتيجة لقرار الحرب والمواجهة كحالة العراق. احد ابرز التداعيات غير المقصودة من الحرب المستمرة والتي دخلت عامها الخامس هي انسداد افق الحل. والتأكد أكثر وأكثر من ان الحل في العراق لم يعد حلا عسكريا. بل بات واضحا ان الحل هو حل يمزج البعد العسكري بالسياسي. قوات التحالف تسعر الخلاف بين السنة والشيعة. وفيما الفرنسيون يتخوفون من تقسيم العراق، يطالب جزء من الشيعة والأكراد بتقسيم العراق لأربع او خمس دول تحت ما يبيحه الدستورمن فيدرالية وتوزيع الثروة. القنابل الموقوتة في الدستور العراقي التي يجب التصدي لها وتعديلها إذا ما أريد للعراق ان يتجاوز انسداد الأفق الذي يشهده الوضع السياسي والأمني هناك.
وما هو مثير في العراق ازدياد حدة وحجم العنف والقتل وجرأته وصولا لاستخدام الكلورين في اكثر من عملية مؤخرا وتدمير جسر الصرافية اقدم جسور بغداد صباح الخميس الماضي. والحدث الأبرز في دلالاته وجرأته كان في الهجوم الانتحاري قبل يومين، والذي استهدف المنطقة الخضراء لأول مرة وبالتحديد مبنى البرلمان العراقي حيث قتل نائبان وجرح عشرون بينهم خمسة نواب. والسؤال هو كيف تمكن الانتحاري من اختراق كل التحصينات والإجراءات الأمنية ونقاط التفتيش وحمل حزام ناسف وتفجير نفسه في قاعة طعام النواب. والسؤال الكبير هو ماذا تعني هذه العملية لخطة امن بغداد المترنحة والتي يصر بوش على فاعليتها فيما تبدو بعد الشهرين من تطبيقها في آخر مقامرة لإدارة الرئيس بوش لإنقاذ الوضع في العراق مترنحة وبعيدة عن تحقيق الهدف. وهذا ما يؤكده تقرير للجنة الدولية للصليب الأحمر بأنه لا يوجد اي تغير وتحسن لوضع العراقيين منذ تطبيق خطة امن بغداد.
السؤال الأخير: لو كان المحافظون الجدد يعلمون عند اتخاذ قرار الحرب ان هذه النتائج غير المقصودة ستكون نتيجة للحرب هل كانت ادارة الرئيس بوش اتخذت قرار الحرب؟ سؤال برسم الإدارة المحاصرة في الداخل من الديمقراطيين الطامحين للقوة والشعب الأمريكي الذي يعترف بوش نفسه بأنه مل الحرب والحلفاء والأعداء الذين باتوا يشككون بقدرات وعزيمة وقوة واشنطن المتراجعة. اشك في ان قرار الحرب كان سيتخذ وستشن الحرب على العراق لو كانت هذه المعطيات معروفة في واشنطن.لأن كلفة ونتائج الحرب لا تتناسب أبدا مع نتائجها وحصادها المؤلم والنزف الذي مازال منهمرا لجميع الأطراف.
- الشرق القطرية
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
العراق: حصاد أربع سنوات حرب.. الحسابات الخاطئة- د. عبدالله خليفة الشايجي
