أخذت المواجهة بين الكونجرس والرئيس جورج بوش منعطفا جديدا بتصويت مجلس الشيوخ على قرار يربط بين تمويل الزيادة في قوات الاحتلال الامريكية بالعراق وتحديد جدول زمني لانسحاب كل تلك القوات من هناك، ووعد الرئيس بوش باستخدام حق النقض واعادة هذا القانون بالتالي إلى المجلس التشريعي.
فكيف يمكن إذن تجاوز هذا المأزق؟..
وهل سيتمكن البيت الابيض من الاعتماد على مؤازرة الجمهوريين لترجيح كفته في هذه المواجهة؟!..
ثم كيف يتسنى للادارة ان تحكم بينما يواجهها كونجرس متصلب في معارضته لقرارها؟..
بعبارة اخرى ما هي ملامح المسرح السياسي الامريكي الآن وانعكاساتها على سياسات الادارة الخارجية لا سيما تجاه العراق؟..
عن هذه القضية دار الحوار التالي مع جوناثان هول الخبير الأمريكي المتخصص في قضايا السياسة الداخلية.
وفيما ياتي نص الحوار:-
س/ هل يتيح الدستور اجراء استفتاء مثلا يمكن ان يصبح اداة ضغط على السلطة التشريعية باتاحة المجال امام الناخبين لابلاغ الرئيس بموقفهم من الحرب؟
ج/ لقد حدث هذا الاستفتاء بالفعل في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي حين قال الناخبون انهم لا يريدون ان يبقى حزب الرئيس مسيطرا على مجلسي الكونجرس، لقد كانت رسالة واضحة، ولكن الدستور لا يتيح اجراء استفتاء عن قضية من هذا النوع.
س/ ماذا سيحدث الآن إذن؟ اصدر مجلس الشيوخ قراره ورفضه الرئيس.. فكيف ستحل قضية تمويل القوات في العراق؟
ج/ إنه مأزق للجانبين معاً، ولكنه اكثر وضوحاً في حالة الادارة، ذلك انها تحتاج الى التمويل، واذا ما اصر الرئيس على موقفه فان على الديمقراطيين ان يعيدوا عرض مشروع القرار للتصويت، فاذا حصل على 60 صوتا في مجلس الشيوخ فان فيتو الرئيس يصبح ملغياً؟!!.
س/ وماذا يمكن ان يحدث في هذه الحالة؟
ج/ سيعرض الديمقراطيون مشروع قرار جديدا، واذا ما تمسكوا بالنقاط الاساسية في مشروعهم المرفوض فان الرئيس سيرفضه مرة اخرى، وهكذا، إلا ان استمرار ذلك سيشكل تهديدا للقوات، وستحاول الادارة جمع اقصى تأييد شعبي وحشد الضغوط على اعضاء الكونجرس، إلا ان تلك مهمة صعبة في الظروف الراهنة.
س/ لماذا؟
ج/ لأن شعبية الرئيس منخفضة للغاية، ولأن شعبية سياسته بمواصلة الحرب منخفضة اكثر، وسوف يسوق الرئيس موقفه قائلا ان رفض تمويل القوات يعد تخليا عن اولادنا في الميدان.. اي انه سيستثمر الجبن السياسي للديمقراطيين الذين لم يجرؤوا على معارضة الحرب بمعارضة صاحبها، وانما صبوا غضبهم على تمويل القوات؟!!.
س/ الاعتقاد الشائع هو ان بدء بحث قضية اقالة الرئيس في الكونجرس سيؤدي الى حالة من الانقسام السياسي والشلل الكامل وانشغال واشنطن عن القضايا الحيوية التي تعينها لمدة طويلة.. ما رأيك في هذه الاسباب التي تقدم لتجنب قضية الاقالة؟
ج/ لقد حاول الجمهوريون اقالة بيل كلينتون بسبب علاقة شخصية غير اخلاقية اقامها مع متدربة في البيت الابيض هي مونيكا لوينسكي، فلم يمت أحد آنذاك... لم يقتل أحد.. لم تدمر منازل ومدن وجسور ويموت عشرات الآلاف من المدنيين ويشرد مئات الآلاف؟!!..
الجمهوريون كانت لديهم جرأة سياسية لمحاكمة كلينتون بسبب بنطاله، أما الديمقراطيون فانهم لا يتحلون بالجرأة لمحاكمة بوش بسبب موت كل هؤلاء الآلاف من الامريكيين والعراقيين؟!!.. انني لا ارى ذلك منطقياً.
س/ هل هناك احتمال أن يتخذ الديمقراطيون خطوة من هذا النوع؟
ج/ انهم عادة ما يفرقون في الحسابات واعادة الحسابات وفي خلافاتهم الداخلية.. الطرف الوحيد الذي يستطيع ان يفرض ذلك هو الرأي العام، واذا ما حدثت كارثة كبيرة في العراق كأن يلقى عدد كبير من جنودنا حتفهم فإن ذلك سيؤدي الى تعديل المشهد.
واللافت للنظر هنا ان عددا من الجمهوريين يتحدثون الآن عن احتمال اقالة الرئيس على الرغم من انهم جمهوريون، لقد قال عضو مجلس الشيوخ الجمهوري السيناتور تشك هاجل: ان على الرئيس ألا يواصل معارضته لمواقف الكونجرس والرأي العام؛ لأن هناك – دستورياً - آلية تحدد كيفية اقالته؟!!.. وحين ينطق سيناتور جمهوري بارز بكلمة الاقالة فان على الجميع عدم الاستهانة بالامر اكثر من ذلك.
س/ إذا عدنا الى قرار تمويل زيادة القوات.. كيف سيتمكن الرئيس من عبور هذه العقبة؟ أليس بامكانه أن يحول اعتمادات احد بنود ميزانية البنتاجون الكبيرة الى تغطية نفقات هذه القوات؟
ج/ انه حل ممكن من الناحية الفنية، ولكنه مستحيل من الناحية السياسية. لدى البنتاجون اعتمادات ضخمة لم تنفق، وبالامكان - بطبيعة الحال - تغطية نفقات القوات. وهذا ما يحدث الآن على اية حال، فهناك نحو 29 ألف جندي اضافي ارسلوا الى العراق منذ بعض الوقت، وهم يقاتلون ويتنقلون ويأكلون ويشربون، ويغطي البنتاجون نفقاتهم من اعتمادات العمليات في العراق حتى الآن.
إلا أن الامر ليس العثور على الدولارات، ولكن المحاسبة السياسية على الانفاق. فحين يقول الكونجرس - باعتباره الطرف المخول دستورياً باجازة صرف الاموال - لا تنفقوا على كذا.. فان على الادارة ان تلتزم بذلك، اي ان عليها الغاء هذا المشروع الذي طلبت تمويله ورفض الكونجرس ذلك.
ومن الوجهة الدستورية لا يحق للبنتاجون انفاق مخصصات اعتماد معين لغرض آخر غير الغرض المحدد في الميزانية التي قدمها واعتمدها الكونجرس.
س/ كيف سيحل الامر اذن؟
ج/ سيحل عبر قبول الادارة بجدول زمني يختلف بهذا القدر او ذاك مع الجدول المدرج في مشروع القرار المرفوض، ويقترب اكثر من رأي العسكريين..
هذا ما سينتهي اليه الامر.
واع - وكالات - ترجمة - فراس حماد
خبير أمريكي في قضايا السياسة الداخلية: بوش سيقبل في النهاية بجدول زمني لمغادرة العراق
