لا بد من إشارة الى أن هناك العديد من الدروس التي يمكن استخلاصها من حرب الخليج 1991. فالقيادة الأمريكية فضلت التوقف عند طرد القوات العراقية من الكويت وعدم الزحف إلى بغداد وإسقاط النظام فيها، مع قدرة تلك القيادة على فعل ذلك وبدون مقاومة.
وعندما سئل الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) عن سبب عدم استمرار قواته بالزحف إلى بغداد واحتلالها، أجاب: إن قرار مجلس الأمن 678 (نوفمبر 1990) يخول قوات التحالف إخراج القوات العراقية من الكويت وليس احتلال العراق، وأن التقدم إلى بغداد سيلقى معارضة شديدة من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة. وأضاف أن احتلال العراق قد يشعل حربا أهلية بين مكونات الشعب العراقي، وأن ذلك قد يدخل قوات بلاده في مستنقع من الصعب الخروج منه. وأكد أنه لا يريد تحميل قوات بلاده المزيد من الضحايا الناتجة عن احتلال بلد آخر. وقد كان تقليل الخسائر البشرية الهاجس الأكبر لدى القيادة الأمريكية خوفاً من الدخول في فيتنام أخرى.
أما جورج بوش (الابن) فقد بلغت به العنجهية والتكبر والاستخفاف بالشعوب حدا بعيدا، فعلى الرغم من رفض المجتمع الدولي لاستصدار قرار يتيح للولايات المتحدة القيام بأي عمل عسكري ضد العراق.. مع ذلك فضل بوش الاستمرار باستهتاره بضرب العراق ومن ثم احتلاله معيداً الى الاذهان زمن استعمار الدول الكبرى للدول الصغيرة. وجرى احتلال العراق في 23 ابريل 2003 بعمل عسكري يعتبر وفقا للقانون الدولي والعلاقات الدولية عملا عدوانيا وغزوا من جانب دولتين لدولة أخرى بلا غطاء شرعي وبدون مبررات قانونية تسوغه. وهو ما اضطرها على الفور بعد احتلال العراق إلى الإقرار بكونهما دولتين محتلتين وأنشأت سلطة تعرف بسلطة الاحتلال. وأثبتت الوقائع على الأرض والوثائق الرسمية الأمريكية والبريطانية ومن ثم وثائق الأمم المتحدة عدم وجود الأسس والادعاءات التي قام عليها العدوان وأنه عمل عسكري كان الهدف الأساسي منه تحقيق مصالح سياسية واستراتيجية في المنطقة.
وها هي اربع سنوات تمر على احتلال بغداد وإسقاط النظام فيها، وما زال استمرار الفوضى وانعدام الأمن هو السائد في هذا البلد، والأوضاع تسير من سيئ إلى اسوأ في جميع مجالات الحياة هناك.
وبعد أربع سنوات من اجتياح العراق واحتلاله أصبح الجميع بمن فيهم الأمريكان على يقين من أن احتلال العراق كان أكبر خطأ ارتكبه رئيس أمريكي في تاريخ الولايات المتحدة، وما خسارة الجمهوريين في الحصول على الأغلبية في الكونغرس وموافقة مجلسي النواب والشيوخ على وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق إلا أكبر دليل على الفشل الذريع الذي مني به بوش وإدارته في اقدامهم على غزو العراق واحتلاله في 9 ابريل 2003. وها هو شبح فيتنام يعود من جديد وسط تزايد اعداد القتلى الأمريكان في العراق وعدم وجود أي أمل لوضع نهاية للتدهور الأمني مع فشل آخر محاولة امريكية لإعادة السيطرة على الوضع الأمني للبلاد من خلال خطة أمن بغداد الأخيرة.. وقد اشار السياسي الأمريكي هنري كيسنجر الى ذلك بالقول:«إن طبيعة العمليات القتالية في العراق تجعل مفاوضات السلام أمراً معقداً ما يجعل تحقيق نصر عسكري في العراق والسيطرة عليها أمراً غير ممكن» وقال إن بلاده تورطت في حرب فيتنام إلا أنها تمكنت من التفاوض مع قادة يسيطرون على أراض محددة «إلا أن الأمر يختلف في العراق».
وهنا يظهر تساؤل: بعد هذه الأربع سنوات العصيبة هل من مخرج لإعادة الحياة الطبيعية إلى الشعب العراقي وإنهاء دوامة العنف المستمرة؟
ولعلنا نجد الإجابة من خلال المقابلة التي إجريت مع الشيخ حارث الضاري (الأمين العام لهيئة علماء المسلمين) والتي أشار فيها إلى أن المخرج الأمثل لما يتخبط به العراق هو بإلغاء العملية السياسية التي جلبت للعراق كل المصائب والشرور، ووصلت به إلى شفا الهاوية المتوقعة، وإبدالها بحكومة قوية معززة بنواة قوية لجيش وطني يدين بالولاء للعراق ولأبنائه جميعاً، مع جدولة جدية لانسحاب قوات الاحتلال كليا من العراق من دون ابطاء.
وأضيف إلى كلام الشيخ الضاري أن على سلطة الاحتلال الإسراع بايجاد حكومة انقاذ وطني يترأسها أحد الضباط العراقيين الوطنيين من الجيش القديم بغض النظر عن انتمائه السياسي والمذهبي وعلى غرار التجربة الباكستانية من خلال تولي قائد الجيش رئاسة البلاد.. كما يجب على تلك السلطة أن تعمل على اعادة أفراد الجيش العراقي السابق إلى صفوف وحداتهم وتجهيزه بالأسلحة الكافية، فهو الوحيد القادر على فرض الأمن في جميع انحاء البلاد.
أما اذا اصر بوش على الاستمرار باتباع سياسة القوة والقتل والاعتقالات، فلن يجني إلا المزيد من الضربات الموجعة من أبناء المقاومة الشريفة حتى يتم تحرير أرض العراق وإن طال الزمن...
الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
4سنوات على سقوط بغداد.. هل من مخرج ؟ -نجم عبود البازي
