هيئة علماء المسلمين في العراق

الفوضى الإعلامية بين «الحرية» والموت ... فاضل البدراني
الفوضى الإعلامية بين «الحرية» والموت ... فاضل البدراني الفوضى الإعلامية بين «الحرية» والموت ... فاضل البدراني

الفوضى الإعلامية بين «الحرية» والموت ... فاضل البدراني

أفرزت مرحلة الاحتلال الاميركي للعراق تشكيلة جديدة غير منسجمة من وسائل الاعلام، غلب على أكثرها طابع الحزبية السياسية، وعلى أقلها صفة الوطنية والحيادية ، بينما تمسك جزء ثالث بالولاء للاحتلال الاميركي الذي أوجده أو موّله ما خلق فوضى اعلامية لا مثيل لها في العالم ومناخات احتقان وخوف واغتيال بددت التباهي الاميركي بأن احد ابرز اهداف الغزو كان جلب «الديموقراطية والحريات» للعراقيين.

وتصدر في العراق حالياً حوالى 200 صحيفة، يومية واسبوعية وشهرية. بعضها يصدر بانتظام وبعضها متقطع الصدور، بحسب الموارد المالية والظروف الامنية. القليل منها يوزع على مستوى معظم محافظات العراق، وغالبيتها مناطقي ومحدود التوزيع والانتشار.
وكانت بعض الاحصاءات أشارت خلال العام الاول من الاحتلال الى ان عدد الصحف اليومية تجاوز الـ,400 غير أن نصفها على الاقل سرعان ما توقف عن الصدور بسبب نضوب موارد التمويل.
وتقول نقابة الصحافيين العراقيين ان أعدادا كبيرة من الصحف والمواقع الالكترونية تم تسجيلها أيضاً. وبعد نحو عام من الغزو، كان هناك نحو 80 محطة اذاعية و21 قناة تلفزيونية.
وكانت الصحف العراقية، في فترة ما قبل الاحتلال، تلتزم خطاً واحداً في توجهاتها يساير النهج الحكومي، سواء أكانت صادرة عن حزب «البعث العربي الاشتراكي» المنحل، كـ«الثورة» و«الجمهورية» و«القادسية»، أو تلك المستقلة كصحيفة «العراق» المعبرة آنذاك عن الشارع الكردستاني. وكانت فترة التسعينيات شهدت طفرة نوعية في التوسع الاعلامي، مع صدور نحو 30 صحيفة يومية وأسبوعية اتسم بعضها بـ«جرأة» نسبية. كما ظهرت إلى جانب التلفزيون الحكومي قنوات تلفزة جديدة حملت الفسحة ذاتها من الجرأة النسبية، كتلفزيون «الشباب» مثلاً.
ويصف نقيب الصحافيين العراقيين شهاب التميمي الواقع الاعلامي بـ«الفوضى الصحافية»، معتبراً أن الساحة العراقية تمر بـ«اختناق إعلامي فوضوي» منذ بداية الاحتلال، تمثل غالبيته أمزجة حزبية تتسم بالنفاق السياسي. ويحمّل التميمي هذا الكم الهائل من الصحف، بالاضافة الى الفضائيات، دوراً ما في شحن الاوضاع الطائفية والمذهبية.
حيادية وارتهان
لا تتمتع وسائل الاعلام الحكومية بشعبية كبيرة في العراق، رغم الدعم المالي الكبير الذي تحظى به. وينظر إلى كل من صحيفة «الصباح» ذات الـ30 صفحة الناطقة باسم الحكومة، وفضائية «العراقية» الحكومية، على أنهما مرتهنتان للاحتلال بترويجهما للخط الرسمي المهادن له بالمطلق.
كما ينظر الشارع العراقي إلى الصحف التي تعد مرتبطة بالاحتلال، وهي كثيرة، سواء لجهة تمويلها منه، أو لأسباب محض حزبية سياسية، بكثير من الريبة والحذر، واحيانا بالعداء. ومن بين هذه الصحف «الانباء» و«الاتحاد»، و«المؤتمر الوطني» لرئيس الحكومة الاسبق أحمد الجلبي، وغيرها.
... ويعتبر البعض انه تندرج تحت إطار التغطية «الحيادية» وتلك التي تجرؤ على انتقاد الاحتلال والحكومة بنبرات تتفاوت في حدتها أو لينها، كل من «الزمان»، «المشرق»، «الزوراء» الصادرة عن نقابة الصحافيين، و«راية العرب» الناطقة بلسان التيار القومي العراقي الذي يتزعمه وزير الخارجية العراقي الاسبق صبحي عبد الحميد، وغيرها. وتعد «الزمان» من الصحف العراقية القليلة التي تصدر بطبعات دولية وتوزع في عدد من عواصم العالم، أبرزها لندن.
وثمة وسائل إعلامية اخرى تعتبر أكثر وضوحا في موقفها من الاحتلال، بينها صحيفة «البصائر» وإذاعة «أم القرى» اللتان تصدرهما «هيئة علماء المسلمين»، بالاضافة إلى فضائية «بغداد». وهناك أيضاً صحيفة «السيادة» العراقية التي يصدرها زعيم «التجمع الجمهوري في العراق» سعد الجنابي، التي تركز على رصد أخطاء الحكومة والاحزاب الدينية التي تهيمن على الحكومة.
استهداف الصحافيين
لقد ساهم ازدياد التنافس السياسي وانتشار ما عُرف باسم «فرق الموت» التابعة لبعض التيارات السياسية، بالاضافة إلى توغل جهات استخبارية إقليمية في العراق مستغلة الفوضى العارمة التي جلبها الاحتلال منذ العام ,2003 إلى جانب الوجود الاستخباراتي والامني للاحتلال الاميركي، كل ذلك ساهم في جعل الصحافيين هدفاً لعلميات القتل والخطف.
ويقول الصحافي العراقي طالب بحر إن أي صحافي يهاجم، كتابة أو عبر مقابلات فضائية، الاحتلال أو جهات سياسية معينة في العراق، يصبح تلقائياً عرضة للقتل والتصفية، ويقف الاحتلال الاميركي وراء نسبة كبيرة من أعمال التهديد التي تطاول حياة الصحافيين. وقد أدى ذلك إلى هجرة عدد كبير من الصحافيين العراقيين إلى دول الجوار، فيما لا يزال العشرات منهم يرزح في المعتقلات الاميركية والعراقية من دون محاكمة أو حتى تهم محددة.
ويؤكد رئيس «مرصد الحريات الصحافية في العراق» زياد العجيلي، أن نحو 168 صحافياً قتلوا فيه حتى الآن، فيما اعتقل أكثر من 45 آخرين، بينما لا يزال العديد في عداد «المفقودين». ويوضح العجيلي، الذي أسس مع رفاق صحافيين المرصد مباشرة بعد الغزو الاميركي، أن نحو 69 صحافياً من هؤلاء قتلوا على أيدي مسلحين مجهولين أو ميليشيات، وأن 21 آخرين لقوا حتفهم أثناء تواجدهم في مواقع تعرضت لهجمات، فيما قتل 17 صحافيا بنيران قوات الاحتلال الاميركية واثنان بنيران القوات العراقية.
ويضيف العجيلي أن ما يلفت الانتباه في هذه الاحصائية، أنها تظهر أن انتهاك دماء الصحافيين العراقيين صار جريمة تتقاسمها جهات أميركية، عراقية، و«مجهولة».

المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط

السفير

أضف تعليق