هيئة علماء المسلمين في العراق

أربع عجاف - سلام مسافر
أربع عجاف - سلام مسافر  أربع عجاف - سلام مسافر

أربع عجاف - سلام مسافر

خلال زيارة خاصة الى العاصمة الأردنية الأسبوع الماضي، تحدثت مع سياسيين عراقيين من مختلف الأحزاب المشاركة فيما يعرف بالعملية السياسية وأولئك الرافضين للاحتلال وحكومات بغداد المتعاقبة منذ 9 نيسان 2003 وإلى حد الآن . وفيما يبدو المعارضون ، متماسكين ، إزاء رفض الطروحات الأميركية جملة وتفصيلا، ويراهنون على نجاح المقاومة المسلحة في استعادة استقلال العراق وحرية شعبه، يظهر مناصرو حكومة المنطقة الخضراء ، متشرذمين تعوزهم الحجة للدفاع عن الركام الهائل من الأخطاء التي ارتكبها عسكر جورج بوش ويرتكبونها كل يوم في العراق .
الجامع الوحيد لمناصري " العملية السياسية " كما يقول سياسي عراقي معارض، الضلوع في نهب ثروات البلاد وتقاضي العمولات وتشييد قصور فخمة في الخارج، استعدادا للحظة الهروب من بغداد في حال انسحبت القوات الأميركية، الاحتمال الذي يزداد رجاحة في ضوء اشتراط الكونغرس، مواصلة تمويل حملة جورج بوش العسكرية في العراق بجدول زمني للانسحاب لا يتجاوز ربيع العام القادم. واعتراف الرئيس الأميركي عشية الذكرى الرابعة لغزو العراق بان الشعب الأميركي " محبط " من الوضع هناك. وتعكس تصريحات بوش وغضبه على الكونغرس، ونبرة نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديمقراطية، المفعمة بالسخرية من غضب رأس البيت الأبيض، حقيقة أن الطبقة الحاكمة الأميركية، توصلت الى نتيجة مفادها أن احتلال العراق صار هدية مسمومة أصابت مقتلا في جسد الأمة الأميركية، وانه يتعين إيجاد البلسم الشافي من كارثة هبطت بسمعة الولايات المتحدة الى الحضيض، ليس في عيون العالم الإسلامي، والشعوب العربية فحسب، بل وبنظر الأوربيين حلفاء واشنطن الأقرب .
ويتجسد التخبط الأميركي ، بمسلسل الخطط الأمنية المتلاحقة التي لم تسفر عن نتائج تذكر باعتراف جنرالات البنتاغون. وباستثناء المزيد من الضحايا المدنيين الذين يقترب عددهم من المليون خلال أربع سنوات، لم يحصد العراقيون شيئا من " بركات التحرير". ومارست الحكومات المتعاقبة التي يتحدث عنها الحاكم الأميركي السابق بول بريمر، بازدراء، يصل الى حد الشتيمة، في مذكراته المعروفة " عامي في العراق " شتى أنواع انتهاكات حقوق الإنسان، بحيث اخذ أهل العراق يترحمون على النظام الشمولي السابق.
المقابر الجماعية التي بشر الاحتلال الأميركي بوضع نهاية لها في "عراق صدام حسين" ، صارت تتنقل من مدينة الى أخرى ، كان أبشعها مجزرة القوات الأميركية والقوات الحكومية، ضد سكان بلدة "الزرقة" القريبة من مدينة النجف المقدسة والتي ذهب ضحيتها وفق اقل التقديرات زهاء 300 مدني بينهم نساء وأطفال ، كانوا في طريقهم لإحياء ذكرى استشهاد الحسين، فتصدت لهم قوة مسلحة بذريعة أنهم يريدون الاعتداء على المرجعية الدينية في النجف. وكشفت تصريحات وزراء حكومة الاحتلال الرابعة عن تناقضات، تفضح حجم التلفيق لقصة يعرف أهالي المنطقة حقيقتها، بعد أن دفن المئات في مقبرة جماعية أمام عدسات كاميرات هواة .
وتعيث حكومة المليشيات فسادا في العراق، حتى صار نبأ العثور على جثث مجهولة الهوية كل يوم في مختلف مدنه، خبرا يشبه نشرة الأنواء الجوية . وعلى خلفية العنف والقتل الطائفي، هاجر مئات ألوف العراقيين، فاكتظت مدن سوريا والأردن " باللاجئين " العراقيين، واحتارت سلطات البلدين في سبل استيعابهم. وبين هؤلاء عشرات الألوف من الانتلجنسيا العراقية، التي سقط من ممثليها على مدى سنوات الاحتلال الأربع، أكثر من خمسة آلاف بين عالم وأستاذ جامعي وطبيب ومهندس وصحفي وفقا لإحصائيات مؤسسات دولية مرموقة. وتزدحم العاصمة الأردنية بآلاف الأطباء والمهندسين والمدرسين العراقيين الذين يبحثون بين ثنايا البطالة المحلية عن فرص عمل دون جدوى .
واذا كان مصير ملايين العراقيين المهاجرين، كئيبا الى حد ان شاعرا عراقيا عاش في سوريه لاجئنا من النظام السابق، انتحر قهرا وهو يعيش نهاية الحلم بعراق سعيد، فان مصير ملايين العراقيين في الداخل، أكثر مأساوية على خلفية انعدام الخدمات الصحية، والانقطاع الدائم للكهرباء، والقتل على الهوية، وعبث المليشيات والقوات الحكومية ،وتفاقم حالات اغتصاب النساء على أيدي قوات الشرطة وتصفية العسكريين السابقين، وتفجير المساجد وغيرها من الحوادث اليومية، التي تعجز أكثر الخيالات الروائية في الرعب، عن وصفها .
مناوئو الاحتلال ، والحكومات التي خرجت من معطفه، يراهنون على نصر المقامة المسلحة، وعلى ان إدارة بوش العرجاء ستذعن أخيرا، وتفاوض الممثل الشرعي " للشعب العراقي" . ويزداد موقف هؤلاء صلابة مع التحول النوعي في العمليات ضد قوات الاحتلال.. وإسقاط المروحيات الأميركية، واعتراف جنرالات البنتاغون بان قواتهم تواجه شهريا أكثر من 900 هجوم، وإقرارهم بان المقاومة المسلحة تطور أسالبيها بتساوق مدهش مع خطط الاحتلال العسكرية .
و يعمل مناهضو الاحتلال على صياغة مشروع التحرير، يتضمن، وفقا لمعلوماتنا، تشكيل حكومة منفى قد تتخذ من بلد أفريقي، أو آسيوي مقرا مؤقتا، إلى إرسال وفود للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، مرورا بفتح قنوات اتصال مع الكونغرس الأميركي. وربما تكون زيارة نانسي بيلوسي الى دمشق والرياض فاتحة لنشاط دبلوماسي سري يفضي الى اتصالات علنية عشية انسحاب القوات الأميركية من العراق .
مفهوم ان عبارة العاهل السعودي، الملك عبد الله، في مؤتمر قمة الرياض، بان العراق يعاني من "احتلال غير مشروع" لم تأت من فراغ أو من فورة غضب زعيم، يشعر أن حلفاءه الأميركان ، يخذلونه بتصرفاتهم الهوجاء ومغامراتهم العسكرية. فالملك عبد الله، يقرا المشهد العراقي عن كثب، ويدرك أن "العمر الافتراضي" لحكومات الاحتلال في العراق، يوشك على انتهاء، وان على الدول العربية الالتفات الى القادم بدراية تضمن مصالحها مع عراق لم تهد شعبه عجاف الاحتلال الأربع .

كاتب وصحفي عراقي مقيم في موسكو
وكالة نوفوستي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق