هيئة علماء المسلمين في العراق

الانسحاب الأمريكي من العراق والاستعداد للانتخابات الرئاسية
الانسحاب الأمريكي من العراق والاستعداد للانتخابات الرئاسية الانسحاب الأمريكي من العراق والاستعداد للانتخابات الرئاسية

الانسحاب الأمريكي من العراق والاستعداد للانتخابات الرئاسية

الانسحاب الأمريكي من العراق والاستعداد للانتخابات الرئاسية استطاع الحزب الديمقراطي حيازة أغلبية أعضاء الكونجرس بمجلسيه عند التصويت على الانسحاب من العراق في نهاية شهر أغسطس/آب ،2008 بما يخالف خطة الرئيس جورج بوش.

ومن المتوقع ان يزداد التنافس الجمهوري - الديمقراطي داخل الكونجرس وخارجه، استعداداً للانتخابات الرئاسية في العام ،2008 ثمة مساجلات وحوارات قانونية وسياسية آخذة بالظهور، ومن المتوقع أن تتصاعد حدتها حيال السياسات الداخلية والخارجية معاً.

كيف سيطر الملف العراقي على مناقشات الكونجرس ونتائجها؟ وما هي أبرز النتائج التي حققها الديمقراطيون داخل مجلسي النواب والشيوخ بعدما ضمنوا لأنفسهم الأغلبية العددية؟

في فترة وجيزة لا تصل إلى ثلاثة شهور تصدى الديمقراطيون للجمهوريين في الكونجرس الجديد. والمواجهة مستمرة بين الحزبين استعداداً للانتخابات الرئاسية في العام ،2008 إنها مواجهة في المجالين الداخلي والخارجي، وتطال السياسات كافة.

بصرف النظر عن السياسة الخارجية الأمريكية البراغماتية، والمؤيدة ل “إسرائيل” على الدوام، وخاصة في عهد جورج بوش الابن، فإن الديمقراطية الأمريكية من خلال نظام الحزبين وفرت هذا النوع من الثنائية (موالاة - معارضة) بطريقة لافتة. بالطبع إن صورة الولايات المتحدة في الداخل هي غيرها في الخارج، وكيف إذا كانت الصورة الخارجية المقصودة هي تلك التي تكرست بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001؟

اليوم، تتجه أنظار العالم إلى العراق حيث الامتحان الأخطر للسياسة الأمريكية، سياسة تتخبط في بلاد الرافدين، بالتزامن مع الفشل في جبال أفغانستان، سياسة يجابهها الديمقراطيون بكل قوة، كما عبّر أحد رموز الحزب الديمقراطي الأمريكي إدوارد كينيدي بقوله: “ثمة إجماع واسع في الجانب (الديمقراطي) على ضرورة إعادة نشر قواتنا المحاربة في العراق بحلول ،2008 وإذا كنا نعتزم العمل بجد على تحقيق هذا الهدف، فعلينا ألا ننسى ان أول انجاز يحققه الكونجرس الجديد تمثل في إرغام الرئيس بوش على تعيين وزير دفاع جديد”. نعم لقد تم تعيين روبرت غيتس مكان رامسفيلد على رغم تصريحات الرئيس جورج بوش السابقة المؤيدة لسياسة وزير دفاعه رامسفيلد، الذي أشرف على الخطط الحربية والأمنية في العراق، وهذا ما يدل على أهمية الضغط الديمقراطي داخل الكونجرس وخارجه.

أما إعادة نشر القوات الأمريكية في العراق فقد حددها مؤخراً مجلس النواب الأمريكي من خلال تحديد جدول زمني للانسحاب في اغسطس/آب ،2008 وبما لا يتلاءم مع الاتجاه السياسي للرئيس الأمريكي وحزبه الجمهوري، لقد صوّت 81D نائباً مع قرار بهذا المضمون في مقابل 212 صوتاً جلهم من الجمهوريين، دون ان يسقطوا من حسابهم الدعم الاجتماعي للجنود الأمريكيين المحاربين في العراق، لقد وافق الديمقراطيون على تخصيص 1،7 مليار دولار للرعاية الصحية للجرحى، وتسعمائة مليون دولار للتعامل مع الإجهاد الناتج عن الصدمات والاصابات في الدماغ، علاوة على تخصيص أموال لتطوير مركز “ريد” العسكري الطبي.

بتعبير آخر، حرص الديمقراطيون على صورتهم الوطنية أمام جمهورهم، وكل ذلك في معرض التجاذب السياسي مع الجمهوريين، لقد صرحت زعيمة الغالبية الديمقراطية في الكونجرس نانسي بيلوسي إثر التصويت على القرار المذكور بما يأتي: “إن الشعب الأمريكي خسر ثقته في سياسة الرئيس في هذه الحرب، وإن الأمريكيين يعون واقع هذه الحرب على عكس رئيسهم”، بالطبع الحرب المقصودة هنا هي حرب العراق.

إلى ذلك، كشف الديمقراطيون داخل الكونجرس عن إهمال الإدارة الحالية للجنود المصابين العائدين من العراق وأفغانستان، وكيف أنها لم تُعد الاعتبار لهم، ويفخرون اليوم بما أنجزوه في وقت قصير بدفع الرئيس الأمريكي إلى الموافقة على إجراء محادثات سياسية وأمنية مع ايران وسوريا، مع التركيز على أزمة اللاجئين العراقيين التي تتفاقم تدريجياً، وهم يتمسكون اليوم بعدم التساهل مع إدارة جورج بوش في ضرب ايران، أو غزوها، من دون مساءلة. مع الاشارة إلى ان الأمريكيين عموماً يجمعون على عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، لكنهم يختلفون على طريقة المواجهة والضغط لتحقيق هذا الهدف.

هذا في المجال الخارجي، وهو بلا شك يقترب من تنفيذ مضمون تقرير بيكر - هاملتون الشهير، ويعكس تفاعلات عميقة تحصل داخل الإدارة الأمريكية وخارجها، على الرغم من معاندة المحافظين الجدد المؤيدين ل “إسرائيل” على طول الخط.

في المقابل، سيستخدم الرئيس الأمريكي صلاحياته الدستورية في نظام رئاسي، وهذا ما عُبر عنه بمصطلح حق نقض قرارات الكونجرس، صحيح أن للرئيس حق نقض القرارات، إنما بتبرير كاف للكونجرس وللرأي العام، وهذا ما يضع ادارة بوش على المحك أمام الأمريكيين الذين ينتقدون سياسته في العراق وأفغانستان.

على صعيد آخر، يصعب على الرئيس الأمريكي التمادي في مواجهة الكونجرس كي لا تتعطل عملية صدور القوانين، ناهيك عن الآثار السياسية السلبية التي ستنعكس على البيت الأبيض، وكيف اذا كان الأمر يتعلق بإعلان الحرب، أو باتخاذ قرار الانسحاب من الحرب؟

على ان الصورة الثنائية ليست دائماً بهذا الوضوح، أو بهذا التصنيف العامودي، ثمة انقسامات في مواقف محددة داخل الحزب الجمهوري نفسه، أو داخل الحزب الديمقراطي، هناك محافظون داخل كل حزب في مقابل وجود إصلاحيين أو يساريين، كما هي حال يساريي الحزب الديمقراطي الذين يريدون انسحاباً سريعاً من العراق، لذلك، فإن مواقف الحزبين قد تتداخل أحياناً في عملية التصويت على مشاريع القوانين داخل مجلس النواب، وعلى القرارات المصيرية داخل مجلس الشيوخ، أي ان اتخاذ الموقف ليس بدافع ايديولوجي، أو حزبي مغلق، كما هي الحال في الأنظمة الشمولية، وإنما تعتمد على المصالح المتغيرة، والرؤى المختلفة من وقت لآخر، وقد تتداخل مع المصالح الشخصية لكل عضوٍ من أعضاء الكونجرس، بيد أن هذا الواقع المتحرك لا ينفي وجود انقسام سياسي ووظيفي بين الديمقراطيين والجمهوريين على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأن حرب العراق لا تزال تفعل فعلها المهيمن على الرأي العام الأمريكي، وإلى حدٍ ما العالمي.

في اختصار، يشهد الكونجرس الأمريكي حراكاً واسعاً، بعضه قانوني وبعضه سياسي، ولأول مرة في عهد جورج بوش يجري الحديث عن فضيحة قضائية تتمثل بطرد مدعين عامين أثناء المحاكمات، ويستدعي الكونجرس وزير العدل ألبرتو غونزاليس ومستشار الرئيس كارل زوف، والمستشارة السابقة للرئيس هارييت مايرز، على خلفية طرد ثمانية مدعين عامين في ديسمبر/كانون الأول الماضي لأسباب قد تكون سياسية، ولمعارضتهم نهج الرئيس جورج بوش.

سوف يستخدم الطرفان الجمهوري والديمقراطي أوراقهما الضاغطة، في حمأة الاستعداد للانتخابات الرئاسية، هذا بالإضافة إلى تراجع سمعة الولايات المتحدة عالمياً، وما يشكله من ضغط مستمر على الساسة وقادة البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس، ولا تبدو منظمة (ايباك) الصهيونية بعيدة عن مجريات التنافس، واستثماره اذا استطاعت لمصلحة “اسرائيل” تحت شعار براق هو “الأمن”.

غير ان حدة التنافس الحاصل قد تزيد من عدد الأمريكيين المنتقدين لسياسة بلادهم الخارجية من دون ان تبعد أنظارهم عن مشكلات الداخل الأمريكي وخاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

د. عدنان السيد حسين
الخليج الاماراتية

أضف تعليق