هيئة علماء المسلمين في العراق

الحقائق الغائبة ... (( محبةُ النصرِ على الاعداء )) حسين الدليمي
الحقائق الغائبة ... (( محبةُ النصرِ على الاعداء )) حسين الدليمي الحقائق الغائبة ... (( محبةُ النصرِ على الاعداء )) حسين الدليمي

الحقائق الغائبة ... (( محبةُ النصرِ على الاعداء )) حسين الدليمي

حسين الدليمي [email protected] كنا نجلس سوية في جلس حوار في بلد الغربة ، نتبادل الحديث والروؤى حول ما يدور في بلد الرافدين ، ما يجري على ساحاته من إقدامٍ وبطولةٍ وتضحيةٍ يقدمها أولئك الأبطال الأشاوس الذين يدافعون عن كرامة الأمة وعزها ، من خلال ثباتهم وصمودهم في أرض عراقنا الجريح ... قال ابو عبد الله : إنَّ المجاهدين يقومون بدورهم البطولي لنصرة الشرع والدين ، وسينصرهم الله تعالى على عدوهم – بلا ريب - ؛ لانَّ الله جل جلاله يقول : (( إنْ تنصروا الله ينصركم )) ...
وقال أبو حارث : قول أبي عبد الله صحيح ، ولكن ! من علامات الهزيمة أن يتفرق المسلمون فرقاً ، دليلها المسميات العديدة التي يتسمون بها ، مستدلاً على قوله بالنصوص التي تحذر من الفشل والتنازع ، بناءً على أن التفرق من علامات الخذلان ...
هكذا كلٌ ادلى برايه ، ويريد ان يسوق الناس سوقاً إلى الاقتناع به ، دونما تفكير أو تأمل !!
فقلت لهما : إذا كنت أجزم بصحة قوليكما على انفراد – ضرورة - ، فإنني أشير إلى مسألة مهمة من علامات النصر على الاعداء ، مرتبطة تمام الارتباط بالقولين السابقين ، نساها أو تناساها كثير من المثقفين والباحثين ، فضلاً عن عامة الناس ... مع أن القران الكريم نبّه على حقيقة وجودها ، تلك هي (( محبة النصر على الاعداء )) .
قال لي الجالسون عندها : هلّا وضحت لنا الفكرة أكثر واكثر ؟
قلت : إنَّ من صفات المؤمنين الصادقين هو (( محبتهم لنصر الله لهم على اعدائهم الكافرين )) ، ولهذا الأمر شواهد قرانية ، نبينها لكم ...
(1) ففي سورة الصف – مثلاً - يخاطب الله تعالى المؤمنين بقوله : (( يا أيها الذين امنو هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين )) .
وقد ابتدات الآية بالاستفهام (( هل أدلكم على تجارة ... )) ؛ لغرض التشويق والاهتمام بما ياتي بعده ... فيعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن أن يكونوا مثل قوم موسى المتواكلين المتخاذلين ، أو أن يكونوا مثل قوم عيسى العاصين المذنبين ، ذكّرهم بأن الإيمان بالله والجهاد بالمال والنفس في سبيله تجارةٌ رابحة ؛ فإنَّ المجاهد ينال الفوز العاجل ، والثواب الآجل ، فيظفر في الدنيا بالنصر على العدو وأخذ الغنائم وكرائم الأموال ، ويحظى في الآخرة بغفران الذنب ، ومرضاة الرب – سبحانه وتعالى - ، والكرامة في جنات الخلود ... وذلك الفوز العظيم
فما هي تلك التجارة الرابحة التي لا تبور ؟ والجواب في قوله تعالى (( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون )) ، بمعنى أن هذه التجارة العظيمة تتحقق بالثبات على الايمان بالله وبرسوله والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ... ثم قال الباري جل جلاله (( بغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم )) ، أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله غفرت لكم الزلات ، وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات ، والدرجات العاليات ، هذا هو الفوز ، الذي لا فوز بعده .
ثم ياتي الشاهد بقوله تعالى (( وأخرى تحبونها )) أي ولكم إلى هذه النعم نعمة أخرى تحبونها وترجونها وهي (( نصرٌ من الله وفتح قريب )) ، وهذا النصر من الله – الذي هو خير الدنيا – موصول بنعيم الآخرة لمن اطاع الله ورسوله ونصر دين الله ، ولهذا قال (( وبشر المؤمنين )) .

(2) وهناك شاهد قرآني آخر في قوله تعالى (( ولقد صدقكم الله وعده غذ تحسونهم بإذنه حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين )) .
والآية تحكي قصة مشهورة وقعت يوم أحد ، ففي الصحيح أنَّ المؤمنين لما لقوا المشركين يوم أحد أجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جيشاً من الرماة ، وأمّر عليهم عبد الله ، وقال لهم : لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ... فلما لقيناهم هربوا ، حتى رأيت النساء يشتددنَ في الجبل رفعن عن سوقهنَّ ، وقد بدت خلالهنَّ ، فأخذوا يقولون (( الغنيمة ، الغنيمة )) فقال عبد الله : عهد اليَّ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – ان لا تبرحوا ، فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم ...
وقد يقولُ قائلٌ : إنَّ الله وعد بنصره لهم حينما قال (( ولقد صدقكم الله وعده ... )) فلماذا هزموا ؟ لقد سأل الصحابة - رضي الله عنهم - رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – هذا السؤال بعد رجوعهم إلى المدينة ، فقالوا : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ فأنزل الله تعالى (( ولقد صدقكم الله وعده ... )) الى أن قال (( منكم من يريد الدنيا ... )) وهم الرماة الذين تركوا مراكزهم طلباً للغنيمة ، فكان ذلك سبباً للهزيمة !!
وصدقُ الوعدِ معناه (( تحقيق الوفاء به )) ، والمراد بهذا الوعد : هو وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والظفر في قوله تعالى – مثلاً – (( غن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )) ، وقوله (( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ... )) الخ
وقوله تعالى (( من بعد ما أراكم ما تحبون )) أي من النصر والظفر على الاعداء ، وفيه اشارة الى ان من امنيات الصادقين هو تمنيهم ومحبتهم للنصر على اعدائهم .. وفيه تنبيه على عظم المعصية ؛ لأنه كان من حقهم حين رأوا إكرام الله لهم بإنجاز الوعد أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال أمرهم ...
*      *      *
إنَّ هذه الشواهد القرآنية المترابطة بعضها ببعض تنبهنا إلى حقائق متلازمة لا بد أن تجتمع حتى يكرم الله عباده بالنصر على اعدائهم ، ولا يمكن فصلها عن بعضها في حال من الاحوال :
- فإنَّ من ينصر الله فسينصره الله ، مصداقاً لقوله عز وجل (( إن تنصروا الله ينصركم )) .
- لكنَّ هذا النصر لا يأتي نتيجة التفرق والتشرذم ؛ فالتفرق سبب الهزيمة ، مصداقاً لقوله تعالى (( ... حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الامر ... )) .
- وهنا تأتي اهمية محبة النصر على الاعداء ؛ فإنَّ المحبة وحدها لا تحقق هدفاً ، بل لا ترتجى منها غاية ، ولا بد ان تقترن بطاعة الله ورسوله ، وامثال اوامرهما ، واجتناب نواهيهما ...

إنَّ عراقنا الجريح الذي تداعت عليه امم الشر والكفر كما تتداعى الأكلةُ على قصعتها ، هذا البلد الجريح الذي يواجه اليوم اعداءَ كثر من الداخل والخارج ، لا بد أن يقف ابناؤه وقفة مشرفةً لكي يعيدوا حقهم المسلوب ، ومجدهم المنهوب ، بالوحدة والتآخي والتراحم والتعاون والتعاطف ؛ فإنَّ المؤمنين كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ...

وهذه دعوة مخلصة لكل المخلصين والصادقين الذين يجاهدون في سبيل الله واعلاء كلمته ورايته ؛ بأن الوحدة والالفة قدركم ومصيركم المحتوم ، بل ان وحدتكم امر لا مناص منه لانتصاركم ؛ فإنَّ (( يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار )) .

يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل

أضف تعليق