هيئة علماء المسلمين في العراق

حصاد القمة! -كاظم محمد
حصاد القمة! -كاظم محمد حصاد القمة! -كاظم محمد

حصاد القمة! -كاظم محمد

ما هي القيمة السياسية في القول بان \'العراق تعرض لاحتلال غير شرعي\'، ومن ثم تأتي مقررات القمة حول العراق لتكرس نتائج هذا الاحتلال. ان قادة الانظمة العربية، لازال همهم الاوحد، هو كيفية المحافظة على استمرار سلطتهم السياسية في مواجهة المتغيرات والتحولات، وكيفية تنفيس الاستياء والغضب الشعبي، وامتصاص نتائج تداعيات الاذعان الرسمي العربي لنهج سيد البيت الابيض، في تحويل بلداننا وشعوبنا الى اقطاعيات مُشاعة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، واخضاعها لمتطلبات الاهداف الاميركية، وحاجات الامن الجغرافي والسياسي لاسرائيل.
لم يدرك قادة انظمتنا المعتدلون بعد، ولا اصحاب القمة الاخيرة، ان منطقتنا وخاصة في العراق ولبنان وفلسطين قد جعلت من الوحش الاميركي ينوء تحت الضربات التي وجهت له، وان قوة الارادة والمقاومة استطاعت ان تفشل وتعيق خططه الاقليمية، وتجعل من ذراعه الاسرائيلي قاصرا على القيام بالمهام المتوافقة والمتكاملة مع مشروعه الكبير، وان هذه الارادة الشعبية لمنطقتنا هي التي صاغت المتغيرات للعديد من المواقف الدولية، وجعلتها اليوم سيفا سياسيا مسلطا على رقاب ادارة الحرب الاميركية، ليتعمق بها حرجها السياسي ويزداد يوما بعد يوم عزلة نهجها وشخوصه، ويتكرس من خلالها صراع "الحمائم والصقور" في عقر دار هذه الادارة.
لذلك فالقول ان هذه الانظمة، مسلوبة الارادة وعاجزة حتى عن ادراك شخصيتها السياسية الاعتبارية، يغني عن القول بعدم فهمها لمجمل المتغيرات الدولية ومؤشراتها العميقة الدلالة، بان التحول جاري لجهة التعدد القطبي الدولي، وان الانحسار والجزر هو من نصيب النهج الاميركي والقائمين عليه، وان هذه الانظمة، اي انظمتنا العربية، لا زالت مصرة على الحاق نفسها في رٌكب ادارة متهاوية مع استراتيجيتها المهزومة، متناسية ان تضع لنفسها ولشعوبها استراتيجيتها الخاصة التي تخدم مصالح وقضايا وتطلعات هذه الشعوب.
فاذا كان الجهد السياسي والدبلوماسي النشط لاقطاب الادارة الاميركية عشية انعقاد القمة قد تكثف لجهة ترشيد التوجهات والقرارات التي صدرت عن القمة، فان ما يكابده واقعنا العربي قد فرض نفسه على قادة العديد من الانظمة العربية، وخاصة المتخادمة منها مع الولايات المتحدة، والذي تجلى بتصريحات جديدة، لا تمس جوهر المواقف السابقة من قضايا مصيرية وملتهبة.
فما هي القيمة السياسية في القول بان "العراق تعرض لاحتلال غير شرعي"، ومن ثم تأتي مقررات القمة حول العراق لتكرس نتائج هذا الاحتلال، ومنها تنطلق في "معالجاتها" للوضع العراقي، وعليها تستند في مقومات الحل.
ان القول، وكما جاء في هذه المقررات " ان حل الازمة العراقية، يقع في المقام الاول على الحكومة العراقية والقيادات السياسية العراقية، وعلى دعم وتعاون الدول العربية ودول الجوار في تفعيل المصالحة الوطنية.."، ما هو الا استجابة للنظرة الاميركية في طبيعة الحل الذي يكرس الاحتلال ويعرقنه، وهو بنفس الوقت تواصلٌ مع استراتيجية بوش في اشراك دول الجوار بتنفيذ خطة الخنق للمقاومة العراقية، والقوى المناهضة للاحتلال.
ففي الوقت الذي تعمدت "قوى الاعتدال" في هذه القمة، بفصل موضوعة الاحتلال عن طبيعة المأساة التي يعيشها العراق من شماله الى جنوبه، فان القمة مجتمعةَ، قد فشلت في صياغة مشروع حلٍ عربي حقيقي يساعد الشعب العراقي في التخلص من الاحتلال ونتائجه السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويدعم المشروع الوطني العراقي، بدعوته الصريحة والواضحة الى خروج قوات الاحتلال التي تسببت في تفكيك الدولة والوطن، والغاء عمليته السياسية، ورفض بقاء اي وجود عسكري وتحت اي ذريعة، وفي اي بقعة من ارض العراق.
لذلك فان ما ينطبق على العراق في مقررات القمة، يسري على القضية الفلسطينية، في طرح مبادرةٍ عربية مقروءةٍ ومقرورةٍ ومرفوضةٍ اصلا من اسرائيل، ومهمولة تماما من واشنطن حتى اسابيعٍ مضت، فما الذي استجد؟ حتى يحاول قادة "الاعتدال" ايهامنا من جديد، بانهم جادون، ومن جديد ايضا في تحصين الهوية العربية، وجادون ومن جديد ايضا بعزمهم على فرض حلٍ للقضية الفلسطينية، وهم الذين اول من استجاب لمقاطعة الحكومة فلسطينية المنتخبة، وساهموا في معاقبة الشعب الفلسطيني على "نزوته الديمقراطية"، في الوقت الذي تؤكد توجهاتهم الارتهانية للولايات المتحدة، بفقدانهم لمقومات فرض هذه المبادرة على ارض الواقع، حيث تفرض اسرائيل "سلامها الاستراتيجي" بقوتها العسكرية بمواجهة شعب اعزل، لا يسمح قادة اشقاءه من العرب، بخروج تظاهراتٍ تضامنية سلمية معه.
لقد عزم قادة انظمة الحكم العربية، وحسب اعلان الرياض على، دعم مقومات الهوية العربية وترسيخ الانتماء اليها، ونادوا بترسيخ التضامن العربي المفقود، وشددوا على احياء مؤسسات حماية الامن العربي، واكدوا خيارهم الاستراتيجي بالسلام العادل والشامل! ولم ينسوا كذلك استلهام القيم الدينية في نبذ العنف والغلو والتطرف، ونشر ثقافة الاعتدال ورفض الارهاب.
فكيف ستسوق هذه الشعارات، وكيف سيتم تأهيل الشارع العربي لهذا التسويق، وهو الذي خبر هذه الانظمة وسياساتها ولعقود طويلة، كونها لا تخرج عن متطلبات استمرارها في الحكم، ولا تميل او تنحرف عن دائرة الخنوع للحارس الامني لهذه الدائرة.
ان مقومات الهوية العربية، ترتبط بتحقيق برامج وطموحات النهضة الفكرية والثقافية والاقتصادية وبلورة اشكال جديدة من صيغ الديمقراطية الوطنية، والتي من الصعب تخيل ان تكون انظمتنا مؤهلة للنهوض بها او حتى المساهمة في انعاش بعض عناصرها.
لقد اصبح معروفا اسباب التناغم بين متطلبات السيد الاميركي في نشر "ثقافة الاعتدال" واستجابة واصرار انظمتنا على محاربة ما يعاكسه، لضمان استمرارية التسلط القائم ولوصم الوطنيين والمقاومين والممانعين بالتهمة الجاهزة، لذلك فلا حرج في تقوية "التضامن العربي المعتدل" على اساس نبذ العنف والغلو والتطرف، والتخلي عن الثوابت والحقوق.
ولذلك فهم كرسوا "الخيار الاستراتيجي بالسلام" بعد ان تخلوا طوعا عن اي اداة اخرى لفرضه، واستجابوا "لمناشدة" كوندليزا رايس "بان على العرب ان يمدوا يدهم لاسرائيل"،على ان تُقرا مبادرتهم بالمقلوب فيكون التطبيع اولا ثم التفاهم والتفاوض الى ماشاء الله على ما تبقى، لقد رفض اولمرت المبادرة، وفشلت رايس باجباره على موقف يشجع على الاستمرار بانجازٍ ما، لتحريك "عملية السلام" وتطويق نتائج رفضه، مما جعله "يوافق على الاجتماع مع القادة العرب لمناقشة افكار السلام".
لذلك جاءت قرارات القمة العربية بمجملها وبما يخص البؤر الملتهبة في منطقتنا العربية متوائمة مع الجهد الدبلوماسي والسياسي الذي بذلته الادارة الاميركية خلال الاسابيع الماضية في تحديد اطر التحرك العربي وترشيده وضبط نتائجه، وقولبة قراراته بالشكل الذي يخدم الخيارات والبدائل الاميركية، والتغيير لما يسمى "بالاستراتيجيات الجديدة" والتي عادت فيها بخفي حنين الى توصيات "بيكر – هاملتون" في التعامل مع فشلها في العراق ولبنان وفلسطين.
ان البحث عن مخرج من الوحل العراقي هو ما شغل ويشغل ادارة بوش في تعاملها مع تداعيات احتلالها للعراق، وهي المعركة الطاغية في ظاهرها وتفاصيلها عل مسرح الاحداث الداخلية الاميركية والاقليمية، لكن الكثير من البيانات والمؤشرات، تؤكد ان المعركة الدائرة، وخاصة في الحلبة الاميركية ومؤسساتها الدستورية، يتمحور حول مجمل ومستقبل النهج الاميركي برمته، والذي سيقود الى خسارة النفوذ الاميركي في منطقة الشرق الاوسط وبروز دول اقليمية تحدد مستقبل هذه المنطقة باهميتها الاستراتيجية وحساسيتها الجيوسياسية.
فمتى يدرك "المعتدلون العرب" وغيرهم في قممنا اتجاهات الرياح، ومتى يفقهوا ان السنين القليلة القادمة ستشهد دابر الايام لنظام القطب اواحد، ولتغيرات كان يجب مواجهتها بمشروع استراتيجي عربي نابع من الخيارات الوطنية والقومية، التي تكرس مقومات وعناصر النهوض والتعاون الاقتصادي والسياسي وصولا لافاق التكامل والتكتل في مواجهة شروط التفاعل والتواصل البناء، بعيدا عن التبعية والتجزئة.

ميدل ايست اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق