بعد دقائق من انتهاء سريان حظر التجوال الليلي في بغداد، توقفت حافلة كبيرة عند تقاطع \'بغداد الجديدة\' في حوالي السادسة والربع صباحا، وبدأ اكثر من خمسة واربعين راكبا بالنزول من بابيها الامامي والخلفي، ثم سرعان ما انتشروا في الشوارع والاسواق والاحياء السكنية.
كان اغلب الركاب من المسنين والعجزة والمعاقين، يرتدون ملابس رثة ويصطحبون صبية واطفالا رضع، وبدا وكأن كل واحد منهم قد اعتاد منذ سنين على ممارسة هذا الطقس الصباحي المبكر والانتشار في هذه الامكنة.
وبينما توزع بعضهم على الارصفة والشوارع الفرعية، هرع اخرون باتجاه السوق الذي كان شبه خال من الباعة والمتسوقين، في حين فضل عدد منهم التوقف قرب المحال التجارية المطلة على الشارع.
ورغم ان عددا منهم كان يتعكز في مشيته، فانه كان يحث الخطى باتجاه 'مقر عمله' وسط زحام السيارات او في مداخل الكراجات او قرب الجموع الغفيرة من العمال والموظفين والكسبة المتوجهين الى عملهم.
ويقول جاسم عبدالسادة- عامل في مخبز- 'مازلت اذكر صبيحة اول يوم عملت فيه في هذا المخبز كلما شاهدتهم.
واضاف 'لقد فوجئت بهم. ولكنني عرفت فيما بعد انهم مجموعة صغيرة من عدة مجاميع من المتسولين تتوجه 'مثلنا' في كل صباح الى اماكن عملها التي باتت مقار ثابتة لهم منذ اعوام. فمنهم من 'احتل' ابواب الجوامع والحسينيات والكنائس والدوائر الحكومية، ومنهم من يستجدي اصحاب السيارات الفارهة وسائقي سيارات الاجرة والركاب. ومنهم من وجد ضالته في الاسواق والشوارع والارصفة.
ويؤكد جاسم ان فرق الشحاذين في بغداد باتت كثيرة وتعمل بإمرة 'شقاوات' يوفرون لهم السكن والحماية مقابل الاستحواذ على اغلب اموالهم، الامر الذي يجده جاسم سببا كافيا للامتناع عن تقديم الصدقات لبعضهم. غير انه مازال يعتقد ان التسول ظاهرة اجتماعية سيئة يصنعها الفقر وانقطاع صلة الرحم وعدم توفر الرعاية الاجتماعية من قبل الدولة لانتشالهم من هذا العناء والبؤس، خصوصا ان اغلبهم من كبار السن والعجزة.
الفقر.. الفقر
الشحاذون في العراق كثر. وصور التسول تعددت. منهم من يرتل آيات من المصحف الكريم، ومنهم من يردد اشعارا دينية بصوت عال، وثمة من يزعم انه بحاجة لشراء ادوية باهظة الثمن لانقاذ زوجته من الموت، وهناك من يدعي انه غريب وقد تقطعت به السبل ولا يملك اجرة العودة الى محافظته، اما حين تشتد المواجهات واعمال العنف في مدينة ما ويضطر سكانها الى مغادرتها فسرعان ما يزعم الكثير من المتسولين انهم من سكان تلك المدينة وانهم باتوا بلا مأوى ويعيشون في العراء.
وفي تقاطع 'المعسكر' الذي يشهد زحاما خانقا طيلة ساعات النهار، يطوف العديد من المسنين والعجائز والصبية حول العربات المتوقفة ويشرع بعضهم بمسح زجاج النوافذ بيد ويبسط يده الاخرى للاستجداء فيبادر القليل من السائقين بمنحه ورقة نقدية لا تستحق الذكر.
وقرب احدى سيطرات التفتيش اشار سائق الى فتاة تستجدي ركاب العربات وقال انها 'ذكر' وليست انثى ولكنه يرتدي ثوبا نسائيا وحجابا ليحصل على المزيد من عطف الناس وشفقتهم!
ليس بعيدا عن التسول
في الكثير من ازقة بغداد وشوارعها يتوزع الكثير من الباعة المتجولين لبيع المناديل الورقية الرخيصة وقطع الاسفنج والمهافسات والقبعات والحلويات والسكائر، وغالبا ما يلجأ اغلبهم الى التوسل والالحاح لدفع الركاب والمارة على شراء حاجاتهم من باب الاشفاق ليس غير. فبات 'المجبر' على الشراء مضطرا لشراء اي حاجة ليصرف الباعة عنه ويتخلص من منغصاتهم.
وليس غريبا ان نجد بين الباعة هؤلاء شيخا طاعنا في السن نحيفا ومحني الظهر يعرض علبة علكة رخيصة ويتوسل المارة لشرائها، او نجد امرأة عجوز
بصيرة يقودها صبي أشعث الشعر ويرتدي ملابس رثة، وهي تبيع المشروبات الغازية و'تطالب' الركاب بمساعدتها لإعالة ايتامها.
وليس غريبا ان نشاهد الكثير من الاطفال المتسربين من المدارس وقد تحولوا الى منظفين وصباغي احذية وباعة متجولين في الارصفة والاسواق او حمالين واصحاب 'جنابر'.. وليس غريبا ايضا مشاهدة عائلات عراقية بأكملها تنتشر في الكراجات والشوارع والارصفة لبيع الشاي والاكلات الخفيفة والمرطبات على مدى ساعات النهار الطويلة.
وبقدر ما ينتج عن الفقر وسوء الاحوال المعيشية من صور البؤس هذه، فانه يدفع بشرائح اجتماعية كثيرة الى الشذوذ والانحراف والتغريب والتهميش. ولطالما لجأ الكثير من الشباب والاطفال الى بيع المخدرات وحبوب الهلوسة والصور الاباحية.
وكنتجة طبيعية لاتساع آفة الجوع التي تفتك بملايين العراقيين وسط انتشار اعمال العنف، برزت ظاهرة ما يعرف 'بتجارة الدم' وبيع الكلى بين اوساط الشباب المتسكعين في الشوارع والمقاهي والحدائق العامة، وصار لها سماسرتها 'وبورصتها'.
ويرى سلوان، وهو شاب عاطل عن العمل ويتعاطى المشروبات الكحولية يوميا ان سوء حالته المعيشية يدفعه الى التبرع بدمه 'لمرتين' في الشهر مقابل ثمن بخس. وذكر انه يتعامل مع سماسرة الدم بسرية ويبيع لهم قنينة من دمه بسعر يتراوح ما بين 10 الى 15 دولارا.. ولكنه يعرض 'خدماته' احيانا لذوي المرضى والجرحى علانية ويقايضهم على مبلغ قنينة الدم التي هم بأمس الحاجة اليها ليحصل على 50 الف دينار او اكثر حسب متطلبات السوق وتقلباته، خصوصا حين تتزامن الحاجة الى الدم مع تصاعد اعمال العنف والمواجهات المسلحة بين الجيش وبعض المسلحين في المناطق الساخنة. او وقوع المزيد من حوادث التفجيرات التي غالبا ما تؤدي الى وقوع المئات من الجرحى. ويعجز مصرف الدم عن توفير الكميات الكافية من الدم لانقاذهم. مما يضطر ذويهم الى اللجوء إلى السوق السوداء وشراء الدم بأسعار باهضة.
أحياء ولكنهم موتى!!
ملايين العائلات العراقية المسحوقة تسكن في خرائب وبيوت مشيدة من الطين او من صفائح 'الجينكو' والاخشاب وجذوع الاشجار. وهناك احياء سكنية منسية مثل حي طارق ـ حي التنك سابقا ـ الذي يؤوي مئات الالاف من الاسر الفقيرة جدا والتي تتلقى مساعدات من حين لاخر من بعض المنظمات الانسانية.
ومنذ سقوط النظام السابق في التاسع من ابريل عام 2003 تحول العديد من المباني الحكومية، التي تعرضت لاعمال السلب والنهب الى دور سكنية، تؤوي ملايين العراقيين الذين وجدوا فيها مكانا 'مناسبا' لسكنهم مع عوائلهم المعدمة. حيث قاموا بتوزيع الغرف والممرات والقاعات فيما بينهم بالتراضي. وباتت اكثر من عائلة تعيش في قاعة واحدة لا تفصلها عن العائلة الاخرى غير البطانيات والخرق البالية.
وبينما تمتهن غالبية اطفالهم مهنة الدوارة ـ جمع العلب والقناني الفارغة من القمامة وغيرها، يتوجه الآباء فجر كل يوم الى مكان توقف العمال او ما يعرف ب'المسطر' بانتظار فرصة عمل ليوم واحد، وغالبا ما يحصلون عليها بعد اكثر من اسبوع في حين يمتهن الكثير من نسائهم صناعة التنانير الطينية او البيع في الارصفة والشوارع.
ولكم تبدو صورة احوالهم من داخل تلك المباني بائسة ومزرية. وسط الروائح النتنة وبرك مياه المجاري والاسلاك الكهربائية المبعثرة والمتصلة باعمدة الكهرباء في الشوارع بطريقة رديئة وخطرة للغاية.
واللافت للنظر حقا خروج طالبة جامعية من داخل تلك 'القمامة' لتتوجه الى دوامها في احدى الجامعات العراقية!
خمسة ملايين ميت!!
بحسب احدث الاحصائيات الرسمية فان اكثر من 20 في المائة من الشعب العراقي يعيشون 'دون خط الفقر'. وبما ان هذا الخط المشؤوم يعني خط الكفاف بين تلبية الحد 'الارحم' من انسنة البشر من عدمها. فمعنى ذلك ان من يعش تحت جحيمه فهو ميت من دون شك. وبالتالي فثمة اكثر من خمسة ملايين عراقي ميتون ويعيشون بين اوساط الشعب بصفة موتى!
وتفيد المؤشرات المتاحة الى ان الفقر في العراق بات واسعا ويشمل شرائح اجتماعية متعددة. ورغم حصول بعض الانتعاش في مداخيل الفرد العراقي اخيرا، فان الدخل الفردي قد هبط بنسبة 50 في المائة منذ عام 2001 ووصل الى ما يقرب من 780 دولار اميركي في العام 2004. مما يضع العراق في فئة البلدان ذات الدخل المنخفض.
ووفقا لعمليات المسح التي اجراها برنامج الغذاء العالمي في عام 2004 فان اكثر من ربع سكان العراق يعتمد اعتمادا كليا على الحصص الغذائية التي تشرف عليها الحكومة العراقية، وتعاني من تعثر واضح في عملية التوزيع بسبب تفشي الفساد الاداري والمالي، اضافة الى تعرض الشاحنات المحملة بالبضائع الى هجمات من قبل مسلحين. في مناطق متفرقة من العراق.
وطبقا لما اعلن عن ميزانية العراق للعام الحالي فقد تم تخصيص مبالغ مالية طائلة تقدر بتريليون و408 ملايين دينار عراقي لدعم العوائل العراقية المسحوقة، التي تعيش دون خط الفقر. وشمولها بما يعرف ب'نظام شبكة الحماية الاجتماعية'، الذي سيخدم ما يقرب من عشرة ملايين عراقي على افتراض ان متوسط حجم العائلة الواحدة يصل الى خمسة افراد.
وقد خصص نظام الحماية راتبا شهريا للفرد الواحد البالغ الأعزب قدره 50 الف دينار، في حين حدد راتب الاسرة المكون من ستة افراد فما فوق ب120 الف دينار شهريا، 20 الف دينار للفرد الواحد من الاسرة كحد أعلى!
كما شمل نظام شبكة الحماية الاجتماعية اكثر من 33 الفا و153 عائلة عراقية مهجرة بحسب تصريحات محمود الراضي وزير العمل والشؤون الاجتماعية.
غير ان هذا النظام واجه انتقادات واسعة من قبل العديد من الاقتصاديين العراقيين الذين وصفوه بانه مبني على اسس ضعيفة ولا يلبي ابسط متطلبات العيش للفرد العراقي بعدما خصص له مبلغا بسيطا لا يتجاوز 20 الف دينار وسط موجة ارتفاع الاسعار التي شملت النفط والغاز والبنزين واللحوم والخضر، اضافة الى ارتفاع الايجارات على حد تعبيرهم.
ويرى الاقتصادي الدكتور غزوان هادي ان رواتب شبكة الحماية الاجتماعية لا تقفز بالمواطن الى فوق خط الفقر، وانما تبقيه داخله، مبينا ان كل مواطن شمل بنظام الحماية يحتاج الي الواقع الى ما يقرب من 200 الف دينار شهريا كحد ادنى لمواجهة متطلبات المعيشة الصعبة.
ولكن عددا من الافراد الذين شملهم نظام الحماية، اعربوا عن 'فرحهم' بهذه 'الالتفاتة' وطالبوا بزيادة حصصه، وتقول ام صبري - عجوز في السبعين من عمرها - ان الراتب الشهري الذي خصص لعائلتها هو افضل من 'الماكو' اي اللا شيء على حد تعبيرها!
النصف العاطل
ما يزيد الفقر في العراق فقرا هو تجاوز نسبة البطالة الى 50 في المائة، وفق تقديرات اقتصادية عديدة، في حين اعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن اعداد احصائية شاملة عن العاطلين 'المسجلين' في مراكز التشغيل والتدريب المهني في بغداد والمحافظات منذ عام 2003 وحتى نهاية عام 2006.
ووفق تصريحات عبدالله اللامي المستشار في الوزارة فان اعداد العاطلين بلغت 919 الفا و335 عاطلا توزعوا بين 832 الفا و394 عاطلا من الذكور و369 الفا و41 من الاناث.
وبحسب الدكتور علي الراوي/ رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بغداد فان نسبة البطالة تتراوح بين 60 و70 في المائة في احسن الاحوال.
ويرى الراوي ان معظم سكان العراق هم من الشباب 'يبلغ العمر الوسطي 3 و19 سنة' وتبلغ البطالة في صفوفهم حوالي ضعفي المعدل الاجمالي.
وبالمقارنة مع معدلات البطالة المرتفعة في الشرق الاوسط وشمالي افريقيا فان العراق يختلف بشكل بارز عن الآخرين حيث يظهر ان الشباب هم الاكثر تعرضا للخطر. ويبدو ان اكثر من 5 في المائة من الشباب العاطلين يعتاشون على عمليات البيع والشراء مستغلين ما يعرف ب'البسطات والجنابر والقمريات' في الشوارع والارصفة لممارسة اعمالهم، كونها لا تحتاج الى ايجار ولا الى مكان واسع، فضلا عن سهولة ادارتها ومكان نقلها او التخلي عنها.
ويشكو باعة الارصفة من الحملات التي شرعت امانة بغداد بتنظيمها بشكل يومي تقريبا لغرض ازالة 'التجاوزات'، مما دفع بالعديد من هؤلاء الباعة العاطلين إلى التنقل من رصيف الى آخر او دفع رشاوى او التوسط لغض النظر عنهم.
ويقول حيدر - بائع في ساحة الطيران في قلب مدينة بغداد - ان الذين يريدون قطع رزقي عليهم اولا ان يوفروا لي فرصة عمل واحدة ويشاطر حيدر زميل آخر له ادعى انه خريج معهد النفط ويعمل بائعا منذ عدة اعوام، قال ان وصف عمله وعمل زملائه بالتجاوزات هو ليس صحيحا، ما دام نصف الشعب العراقي عاطلا عن العمل وربعه يعيش تحت خط الصفر!
وبحسب دراسة مهمة اعدها لفيف من الاختصاصيين والباحثين العراقيين فإن مشكلة البطالة تنتج عن جملة من الاسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية وتعمل على تفاقم نسبة الفقر وتدفع باتجاه ازدياد نسبة الجريمة التي تتفاعل مع الارهاب على حد وصف الدراسة.
وتفيد الدراسة بأن الفقر والبطالة دفعا بالكثير من الشباب الى الهجرة منذ تحول الاقتصاد العراقي الى اقتصاد حرب في مطلع ثمانينات القرن الماضي.
وعزت اسباب هذا الانحدار الى ضمور حجم القاعدة الانتخابية وضآلة اعداد واحجام المشاريع الاقتصادية وغياب التخطيط الاقتصادي المنهجي وعدم انسجام العامل الديموغرافي مع الاقتصاد وانعدام فرص العمل اضافة الى هيمنة القطاع الحكومي على النشاط الاقتصادي وجعل القطاع الخاص تابعا له وتدهور البنية التحتية للاقتصاد.
العاطلون عن العمل وهم النصف العاطل من الشعب يتطلعون الى ما اعلنته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن البدء بتنفيذ مشروع القروض المخصصة للعاطلين عن العمل لغرض انشاء مشاريع صغيرة تتضمن محلات وورشا انتاجية وخدمية.
ويصل مبلغ القرض الى عشرة ملايين دينار، يستقطع بشكل ميسر ومن دون فوائد بهدف توفير فرص عمل لهذه الشريحة العاطلة والمساهمة في عدم توسيع خريطة الفقر في العراق.
وكالة الاخبار العراقية
في بلد النفط.. عراقيون يبيعون دماءهم مقابل النقود!
