إعداد : محمد يوسف
قدم العسكريون الأميركيون الذين قتلوا على أيدي المقاومة بالعراق شهادات واعترافات من خلال رسائل ومذكرات أرسلوها لأهاليهم قبل مقتلهم، كشفت هذه الرسائل عن حقيقة وضع جنود الاحتلال في العراق وما يعانونه من رعب وخوف دائم ومن رغبة جارفة في العودة الى ديارهم والخروج من العراق الذي اصبح جحيما يحرقهم.
وتمثل رسائل هؤلاء الجنود الأميركيين ـ الموتى والأحياء على حد سواء ـ دليل اثبات على هزيمة أميركا في العراق وخسائرها الفادحة والحالة المعنوية المتردية للجنود الأميركيين في العراق.
لقد اعترفوا بفشلهم في التغلب على المقاومة، وظهر مدى المعاناة النفسية التي يلاقونها في العراق وأنهم محاصرون، وذلك من خلال رسائل ومذكرات ورسائل إلكترونية (إيميلات) للجنود الأميركيين التي نشرتها مجلة "النيوزويك" الأميركية الصادرة باللغة العربية في عدد إبريل الجاري، وهي قصص لم تكتب لعامة الشعب، بل للأحباء المقربين من هؤلاء الجنود، الزوجات والأزواج والأولاد والآباء والإخوة، مع العلم بأن كل الجنود الذين نشرت مقتطفات من كلماتهم هنا قتلوا.
* الميجور "مايكل مانديل" كتب لابنته إريكا (الملقبة بـ"إيدي") و البالغة 17 عاما، يوم الجمعة 27 أكتوبر 2006 قائلا : "نحن مرهقون يا إيدي، مرهقون جدا. التعب يتغلغل إلى عظامي. أحيانا عندما نعود إلى مقرنا بالكاد أستطيع جر نفسي من الشاحنة وأشق طريقي بصعوبة صعودا إلى هنا لأنزع كل العتاد الذي علي أن أحمله..." ثم ختم رسالته قائلا: "لا تنسي أبدا أن والدك يحبك أكثر من أي شيء وأنني سأعود إلى دياري قريبا".
وفي رسالة أخرى لمانديل في أواخر أغسطس 2006 قال: "ستكون رسالتي مقتضبة، لأن الوقت ضيق كالعادة.. "آخر المستجدات: مازلنا نُقصف بقذائف الهاون، وأحيانا تسقط علينا صواريخ مضادة للدروع على سبيل التسلية ....... يا أعزائي، أنا متعب جدا. يبدو أننا لا نحقق الكثير، المدينة مفعمة بالنفايات والأنقاض والقوات المعادية للعراق، وبصراحة سئمت أن أكون هدفا لأي شخص يحمل بندقية كلاشينكوف وليس لديه شيء أفضل يقوم به، وهذا يشمل معظم الشعب على ما يبدو. لقد عثرنا على ثلاث متفجرات قبل أن تنفجر تحت شاحناتنا".."للأسف هذه ليست بالأخبار المسلية أو التفاؤلية، لا شيء مسليا أو تفاؤليا للتحدث عنه الآن. الناس يموتون مثل الذباب هنا وقد سئمت ذلك".
بالطبع لم يتمكن مانديل من العودة الى أميركا، ففي يوم الجمعة 5 يناير2007 قُتل مانديل إثر تفجير المقاومة العراقية لعبوة ناسفة عندما كان يقوم بدورية في الفلوجة وكان تابوته مغلقا خلال جنازته في مدينة كنتاكي الأميركية.
حلم العودة
* السيرجنت "باتريك تينش" كتب بُعيد غزو العراق في عام 2003 : "الكثيرون منا مستعدون للعودة إلى الديار. ويتشوقون لتناول البيتزا أو مشروب دكتور بيبر".
*اللفتننت الأول كينيث بالارد كتب لوالدته من النجف في مايو 2004: "تعرضت دبابتي لصاروخ آخر مضاد للدروع هذا الصباح ليصبح عددها ثمانية صواريخ. أصبح الأمر شبيها بلعبة. إنهم يطلقون النار، فنصاب ونرد عليهم ونقتلهم معظم الأحيان، لتعاد الكرة مرارا في مكان آخر من المدينة".
* الجندي من الفئة الأولى، "جيسي آي غيفنز" كتب في إبريل 2003 من معسكر فيكتوري بالكويت لزوجته الحامل وطفله مبديا رغبته في العودة إلى بلاده قائلا:"... في الأيام القليلة المقبلة، سننتقل مجددا. نحن نتوجه إلى مكان خطر جدا، على ما أظن. لدينا مجموعة من المتهورين الذين يقولون إنهم يتوقون لقتل العراقيين. أنا شخصيا لا أكترث إن قتلنا أحدا أو لم نطلق رصاصة واحدة. لا أريد ميداليات ولا أريد أن أكون بطلا. لا أود سوى العودة إلى دياري لأكون زوجا وأبا من جديد"، وقد مات غيفنز ـ 34 عاما ـ غرقا في 1 مايو في الحبانية.
* الكابتن في الجيش "كريستوفر بيه بيتي" كتب في 30 أكتوبر بالمقدادية التي تقع 60 ميلا شمال شرق بغداد : " عيد هالووين سعيدا. عذرا لأنني لم أكتب منذ فترة. كنت منشغلا جدا. بدأ شهر رمضان منذ بضعة أيام والهجمات تزداد يوما بعد يوم. ... ستسمعون عنها في الأخبار قريبا، لكن تم تدمير دبابة أم 1 أبرامز الليلة الماضية. أسباب ذلك غير واضحة. لكن من الواضح أن جنديين أمريكيين قتلا وتم تدمير دبابة يروج لها على أنها لا تدمر. هذا يرفع عدد القتلى في لوائنا خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة إلى ستة".. بيتي ـ 33 عاما ـ وأربعة آخرون قتلوا عندما اصطدمت المركبة الهامفري التي كانوا يستقلونها بمتفجرة في النجف في 5 يناير 2006".
* اللفتننت "ثاني برايان سميث" من الجيش قال في 7 أبريل 2004 بالفلوجة: " سيكون هذا الجزء الأول غير مفهوم تقريبا لكنني سأرسله كما كتبته . ... لا أقول إنني لم أنم. لقد نمت نحو سبع من الساعات الـ48 الماضية، ثلاث منها في برج دبابتي. بدأ الأمر حين هوجم رجال مشاة البحرية جماعيا بشدة في الفلوجة الأسبوع الماضي. لقد كانوا يتألمون حتى قبل سحل المدنيين. السحل. يدهشني أن سحل الجثث يمكن أن يرعب أو يثير الحنق الشديد لشعب ما. الجثة لا يهمها الأمر. فهي لن تتحول إلى مصاص دماء لعين إذا عذبت بعد الموت. اللعنة، معظم الطرق التي أقوم... اللعنة. أنا مرهق جدا أكثر مما يجب .. الاثنين الماضي رافقنا إحدى دوريات محطات رجال البحرية وهي تتجه نحو الفلوجة. نوبات من 12 ساعة تمر الطريق إلى هناك عبر بعض أكثر الأراضي خطرا، وأضيقها. شاهدنا موقعي عبوتين ناسفتين محليتين في طريق ذهابنا، ظهر لاحقا أنهما ليستا عبوتين، وخرجت عربة عن مسارها حين أجبرت على الالتفاف بعد أن خرجت أنا عن الطريق. ... حصلت على نحو ثلاث ساعات من النوم غير الهنيء في البرج. عدنا، وضعنا الدبابات في حظائرها وبدأنا نومنا. ثم استيقظنا، وذهبنا إلى الحظائر وخرجنا عندما بدأ «الحاجي» ـ أحد رجال المقاومة العراقية ـ يطل بمهاجمة كل ما يتحرك في الخالدية. إحدى دبابات برادلي التابعة لسرية أباتشي أصيبت بقذيفة آر بيه جي لسوء حظها الشديد. التقرير الابتدائي أفاد بأن قائدها قتل. جميع فرق الأباتشي استقلت عرباتها واقتحمت الخالدية. تجمعنا في الحظيرة وأقمنا قطاعات حسب الحاجة. بعد حلول الظلام كنا نقتل أي شيء يتحرك".
وقد قُتل سميث البالغ 30 عاما بالرصاص في الحبانية في يوليو.
* الاختصاصي في الجيش جَستين دبليو جونسون كتب في 8 أبريل ببغداد : " اشتعلت معركة كبيرة وكنا في وسطها. كان علينا مرافقة الجنود الجرحى إلى قاعدة أخرى والنيران تطلق علينا. عجلة عربتي الأمامية اليمنى أصيبت بالرصاص، وبعد أن تم إصلاحها تعرضنا لكمين في طريق العودة إلى القاعدة. أخطأوا شاحنتي، لكنهم أصابوا العربة التي كانت تسير خلفي. فقدنا 10 جنود وأصيب 49 تلك الليلة. ... درنا في منعطف خاطئ في الليلة التالية وانتهى بنا الأمر وسط مدينة الصدر نحو منتصف الليل. كان علينا أن نقود العربات عبر حواجز مشتعلة، ونصدم سيارات لندفعها عن طريقنا والقيادة بسرعة تقترب من 60 ميلا في الساعة للخروج أحياء. تم إعلامنا بأن المهمة لم تعد لحفظ السلام، إنها الحرب ثانية الآن!". وقد قتل "جونسون"، البالغ 22 عاما، أثناء مشاركته في دورية يوم 10 أبريل حين اصطدمت عربته بعبوة ناسفة محلية الصنع في مدينة الصدر. الأميركيون محاصرون
* العريف ستار الذي أنهى أول دورة له في العراق في أبريل 2003، وعاد في مارس 2004 قال في 17 أبريل بالفلوجة : " اللعنة. لم أعتقد مطلقا أنني سأمر بما مررت به قبل أسبوع ونصف. بضعة أصدقاء مقربين لي أصيبوا، ومات أحدهم، لكن الأمر لم يُطالني حقا حتى الآن لذا فأنا بخير. لقد انتهى الأسوأ. لابد لهذا الأمر الـ... أن ينتهي خلال أسابيع لكي أستطيع التحدث معك أكثر حينها". في مرحلة ما من القتال، وقعت وحدة ستار في شرك خلف خطوط المقاومة..وكتب ستار في وقت لاحق مقالة يصف فيها الحادث : " بعد التحرك غربا بضعة شوارع قفلنا عائدين وبدأنا نتجه جنوبا. لكننا هذه المرة كنا نطلق النار على كل من نراه، مسلحا كان أم لا. الشيء التالي الذي عرفته هو أنني على قارعة الطريق أنظر إلى الأعلى نحو كرة من النار. كنت مغطى بالدماء وأجزاء من ساق اللفتننت على وجهي وعلى المدفع. ... كانت قذيفة آر بيه جي خارقة للدروع قد اخترقت الجانب الأيسر من مقدمة عربتنا. ... لم يعرف السائق بوجود حريق وواصل سيره جنوبا. كان تائها، ومنعتنا ضوضاء الدولاب من الصياح عليه ومنعنا الحريق من الوصول إليه أو إلى اللفتننت....لا أعلم بالضبط كم كانت الساعة، لكنه كان وقت الغروب حين فككنا عجلة العربة المحترقة. تعرضنا ونحن نخرج من فتحة العربة لإطلاق النار من الشمال والشرق والغرب. وجعل ذلك جهة الجنوب نحو المنازل الاتجاه الوحيد لخروجنا. ركض معظمنا عبر الشارع نحو الفناء الأمامي لأحد المنازل وبدأنا بالرد على إطلاق النار. كان سائق العربة المصدوم يرفض مغادرتها. سحب مكّارفير، والستاف السيرجنت سيغرادو، اللفتننت آييرس من اللهب. كان غارسيا قد عاد لإنقــاذ رئيــس الطاقم لكنه حوصر في الداخل ولم يعد قادرا على الهرب. استمرت بقيتنا في إطلاق النار على العدو الموجود في كل طريق وكل نافذة كالصراصير. هرعنا إلى داخــل المنزل لتطهيره ... وذهــب ثلاثة منا فورا إلى السطح لمنع "العدو" من الاقتراب أكثر... لاحظت أن الشمس تميل أكثر نحو الغروب حين بدأت قذائف الآر بيه جي والصواريخ تنهال على السطح. توجب علينا التراجع إلى الداخل وأسفل السلالم. كنا جميعنا في الممر ... انتظرنا هناك. من الصعب القول كم مر من الوقت قبل أن نبدأ بسماعهم يتحلقون حولنا. أملنا في البداية أن يكونوا من الأصدقاء، لكن المؤكد أنهم كانوا يتحدثون اللغة العربية".
وقد قتل ستار برصاص قناص في 30 مايو 2005، أثناء دورية في الرمادي» وكان عمره 22 عاما.
الأميركيون والنظافة
* "مارتينو" كتب في 28 أبريل بالفلوجة : " عدت إلى معسكرنا لمدة 24 ساعة للحصول على بعض الراحة والاستجمام وإعادة شحن نفسي. لم أغير ملابسي منذ أكثر من شهر. ما برحت أعيش اعتمادا على حقيبة ظهري الوقت كله" . قُتل مارتينو، البالغ 32 عاما، حين أسقطت المقاومة مروحيته في 2 نوفمبر 2005.
* السيرجنت في الحرس الوطني للجيش "فرانك كارفيل" قال في 1 مايو ببغداد :" القتال بهذا الشكل كارثي للولايات المتحدة، ولمحاولات الإدارة المدنية المؤقتة في العراق لدفعه للعمل ثانية. سيكون من المستحيل على العراق استعادة عافيته من الحروب التي لا تنتهي تقريبا، والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه منذ 1980 ما دامت هناك حرب عصابات دائرة على أرضه". *وكيل العريف في مشاة البحرية كين أم فنكي كتب في يونيو 2004:" مرحبا يا أمي، آسف لأنني لم أتصل بك منذ وقت طويل. اسمعي، لدي أخبار لك. لا تقلقي الآن أنا بخير، لكن لدي قصة أرويها لك اليوم ... غادرنا في الصباح للقيام بدورية تطهير على طريق الإمدادات الرئيسي برونز، الطريق الخارجي الرئيسي، وأنا أركب عادة في العربة الأولى لكنهم قرروا اصطحاب مترجم معنا أخذ مكاني في العربة الأولى ونقلوني إلى الخلف في العربة الثالثة. المشكلة المتعلقة بالعبوات المتفجرة العشوائية الآن هي أنها تضرب العربة الثانية أو الثالثة في العادة لأنهم يستخدمون العربتين الثالثة والرابعة كنوع من موقع التصويب ليعرفوا متى يفجرونها. قلت لهم حين ركبت إنني أكره البقاء في تلك المركبة وإن شعورا غريبا يراودني بشأن تلك المهمة. حسنا، في طريق عودتنا من الدورية هوجمنا ... وأصبنا بجروح ورضوض طفيفة. ... ذهبنا في ذلك النوع نفسه من المهمات في وقت سابق الليلة في جزء مختلف من الطريق ولم يكن هناك مترجم فركبت مركبتي المعتادة. أجلس في العادة في الداخل خلف السائق لكنهم أرادوني أن أبقى في برج المدفع اليوم. وهكذا كنت الوحيد المعرض للخارج. قلت لهم إنني كنت خائفا ولم أشأ الجلوس هناك. كان صداع مؤلم قد أصابني من الحادث الأول. أرادوني هناك لأنهم لم يريدوا أن أبقى مصابا بصدمة القصف وأرادوني أن أعود إلى اللعبة.. في طريق العودة إلى برونز ربما على بعد ميل من الهجوم الأول تعرضنا لهجوم ثان. كانت هذه الضربة أكبر. كانت قذيفة مدفعية 155 ملم ممتلئة بسي4 (مادة متفجرة). ... أفقدتني قوة الانفجار رشدي وقذفتني على المدفع، وقالوا إنني سقطت كالميت في مركبة الهمر. هزوني وقلبوني بحثا عن دماء لكن لم يكن هناك أي منها. هزني وكيل العريف دانييل واستعدت وعيي أخيرا، وكل ما أتذكره هو قوله: "فنكي، عد إلى المدفع، اللعنة! عد إلى المدفع". فعلت ذلك. نهضت وعدت إلى المدفع. كنت بخير. ابنك حي يا أماه".
وقد قتل فنكي في القتال في محافظة الأنبار يوم 13 أغسطس، بعد نحو أسبوعين من تحديد موعد لمغادرته العراق.
جندية أميركية تعترف ايضا
* السيرجنت في الجيش كاري آن غازيويتش كتبت: " مرحبا يا أمي، أردت فقط أن أكتب لك رسالة إلكترونية لأخبرك بما حصل بالأمس. في الساعة التاسعة كنا نمر في قافلة من المركبات أمام سجن أبو غريب حين أصابتنا قنبلة موضوعة على قارعة الطريق. كان هدفها تعطيل القافلة، ثم كان يفترض قدوم سيارة محملة بالمتفجرات أن تأتي وتضرب القافلة. كان لديهم ناس يختبئون بين الأعشاب حول السجن بدأوا بإطلاق النار على الأبراج. رأى حراس الأبراج ما كان يحدث فبدأوا بإطلاق النار على السيارة الملغمة وعلى الناس. قتلوا سائق السيارة الملغمة وكان جميع من في القافلة بخير.. في الساعة 12:30 خضنا معركة بالأسلحة النارية استمرت 45 دقيقة. كانت الأبراج جميعها تطلق النار على الأعشاب المحيطة كما فعلت في الصباح. حسنا، رجل أعمل معه من مكتب آخر ظن أن أحدا يطرق بابه. لم يدرك أن طلقات كانت تصل إلى داخل المجمع من جميع الأمكنة. فتح بابه فأصيب في معدته. اكتشفت هذا الصباح أنه مات بسبب جروحه. أوقفوا النزيف، لكنه بدأ ثانية ولم يستطيعوا إيقافه.. كان الوضع جنونيا، وصل نحو 400 جندي جديد إلى هنا وهم ينامون في جميع أنحاء المكان. أصبح الوضع منفرا، وموحلا، وماطرا هنا. ما زالت تمطر منذ ثلاثة أيام. ... أفتقدكم وأحبكم جميعا" .
وقد ماتت غازيويتش التي تدربت لتصبح مترجمة إلى العربية يوم 4 ديسمبر في بعقوبة، وهي في قافلة انفجرت فيها عبوتان ناسفتان محليتان. وكانت في الـ28 من العمر.
*وكيل عريف في مشاة البحرية تريفور دي آستونيناير كتب في 2005: "مازلنا نقبل على الأمر بقوة، ونعمل 16 إلى 18 ساعة في اليوم، كل يوم. الحديث عما سنفعله حين نعود إلى الوطن لا يتوقف. شريحة لحم جيدة تحتل الصدارة في لائحة الأمور التي أريدها.. أصبنا بالكثير من الخسائر، ثلاثة من سريتنا من رجال مشاة البحرية الجيدين ماتوا. من الصعب حقا توديعهم. لن أمزح معكم، لقد لحقت بنا الخسائر. أنا متأكد من أنني سأعاني بعض ليالي الأرق حين أعود إلى الوطن. أعتقد أنني سأبحث عن شاحنة مستخدمة جيدة لأعمل عليها. بعد العودة إلى أوستن سآتي لزيارتكم لبضعة أيام وتناول طعامكم كله، واستخدام مياهكم الساخنة كلها!! حسنا، علي أن أذهب وأعود للقتال الآن. أحبكم، وسأراكم قريبا. المشتاق أبدا".
ولم ترسل هذه الرسالة قط.. فقد مات آستون، 32 عاما، في حادث عند سد حديثة.
* "كليفتون " كتب في 1 يناير 2005 بالرمادي : " مرحبا آسف لقد كنت غائبا بعض الشيء، كنت احاول أن أجد الطاقة الجسدية والعقلية لجر جسدي الى مركز الانترنت وكل ما يعنيه ذلك إننى منهك، سأعود الى المنزل وسأنام من دون انقطاع لثلاثة ايام متواصلة ، ما عدا أن ابول وآكل وربما ليس حتى ذلك. كنت اقوم ببعض العمليات ، غارات سريعة قصيرة غير مهمة وما إلى ذلك، أحاول ان ابقى منشغلا ، الكل هنا مغيب بسبب عدم القدرة على الاتصال المباشر ... إنه مثل تلك الموسيقى المرعبة في فيلم رعب التي تواصل العزف وصولا الى لحظة الذروة ولكن ما إن تصل الى تلك اللحظة حتى ترى قطة أو شيئا آخر غبيا يحبو من الظل ... لحظة ما قبل الذروة ، نوعا ما ولكنها تواصل الانسجام مع حالة الخوف المرضي لدينا . سألت واحدا من أقرب أصدقائي عما كان عليه قراره للعام الجديد فقال أن يقتل شخصا إضافيا من هؤلاء قبل ان نغادر. لا اعتقد انه كان يمزح. أفتقدكم".
وقد قُتل كليفتون ـ 19 عاما ـ في محافظة الانبار على ايدي المقاومة العراقية يوم 3 فبراير 2005.
* العريف في الجيش الأميركي " ستيفن مكغوان" يعترف بانه وزملاءه لا يريدون البقاء ولا التمديد كما انهم مستهدفون في كل وقت، قال " مكغوان" في 20 يناير 2005 : " حسنا الأمور هنا بالتأكيد تتسارع خطاها الآن ، واضح أن هناك خلية من المفجرين "الانتحاريين" في المنطقة كالسيد الزرقاوي، إننا نستعد بكل امكانياتنا من اجل الانتخابات . لقد تم استهداف قاعدة عملياتنا المتقدمة بقذائف الهاون اليوم مما أوقع ضحية واحدة . قام مفجر "انتحاري" بتفجير نفسه أمس وهو ما ادى الى مقتل اربعة جنود ، ويقوم قناص باستهدافنا الان . ولذلك فإن على واجبات كثيرة اقوم بها ..... هناك شائعة جديدة شنيعة منتشرة هنا أخيرا.. بعض الضباط يعتقدون أنه سيتم التمديد لنا الى ديسمبر حتى نهاية الانتخابات البرلمانية هنا. لقد تم التمديد لآخر وحدة من أجل هذه الانتخابات، صلوا من أجل عودتنا قريبا ".
وقد قتل مكغوان ـ 26 عاما ـ وثلاثة جنود آخرون عندما فجرت المقاومة عبوة ناسفة في عربتهم بالرمادي يوم 4 مارس 2005.
( البقاء – الموت)
* ضابط الصف في البحرية الفئة الثالثة " ترافيس أل يونغبلود" كتب في 23 يونيو 2005 بمحافظة الانبار : " إنني سأحتاج الى الكثير من الدعم منكم حين اعود الى الوطن . لقد قبلت حقيقة أن اى يوم أمضيه هنا قد يكون يوم مماتي . لم يعد ذلك يقلقني ، لقد اقتربت من الموت على الاقل في 10 مناسبات حتى الان ، أعتقد اننى استطيع ان ابقى محظوظا أو ان اواصل القيام بما يحميني حتى أغادر . لقد تعرضت لقذائف آر بي جي تحلق على بعد بوصات مني . رأيت الرجال الذين اصابتهم هذه القذائف . لقد مزقتهم إربا إربا . كان علينا ان ننبش الحجارة والأوحال للعثور على الأيدي والسيقان وغيرها من الأجزاء البشرية لكي نعيدها الى ارض الوطن. لقد انفجرت عبوات مزروعة على جانب الطريق بالقرب مني، ولكنها لم تزرع بالطريقة الصحيحة ولهذا لم اصب... وقد اطلق النار على عدة مرات . اعني طلقات من بنادق آلية تئز بالقرب مني . كنت ارتدي نظاراتي الواقية وأصيبت خوذتي بالنار.. منذ ان دمرت تلك العربة ( ناقلة الجنود المصفحة التي نستقلها) كان على أن اعبر النار وانفجار الطلقات والصواريخ والقنابل اليدوية والمتفجرات من حولي والتي كانت تشتعل فيها النيران لانتشال جثث الرجال الذين كنت اعرف انهم ماتوا. لا استطيع ان انام . إن رؤية أناس اصيبوا بحروق من الدرجة الثالثة ، أناس كانوا محترقين لدرجة أن جلدهم يتمزق حين تلمسه ، والصراخ بأعلى اصواتهم ، كل هذا فعلا يترك لديك شعورا فظيعا من الالم والقلق ... تذكروا فقط انني أحبكم وأنني أقوم بكل ما هو ممكن لضمان ان اعود الى الوطن في سبتمبر أو اكتوبر أو في اى وقت يسرحوننا فيه من هنا".
وقد قتل يونغيلود، 26 عاما، الاختصاصي الطبي في البحرية الذي كان مكلفا بالعمل مع وحدة احتياط من مشاة البحرية يوم 21 يوليو 2005 على ايدي المقاومة العراقية بتفجير عبوة ناسفة.
وقذف في قلوبهم الرعب
*الميجور في الجيش مايكل مانديل كتب في سبتمبر 2006 بالفلوجة : " لقد طرح على الكثير منكم هذا السؤال: كيف هى الحال (هنا)؟ تصوروا ما يلي : إذا خرجتم الى حديقتكم الامامية ، خذوا سلاحا معكم وحدقوا بإمعان شديد في كل منازل الجيران . فقد يكون أحدهم على سطح منزله يحاول ان يقنصكم . كما لا تبقوا في الخارج طويلا ، فقد يقوم شخص ما في آخر الشارع بإرسال بعض قذائف الهاون عليكم أو قد يقود سيارته ويرشقكم بنيرانه الحربية أو حتى يطلق صاروخ آر بي جي صوبكم ، لذا إذا كنتم في الخارج تسلحوا واعرفوا أقرب ملجأ منكم على الدوام. إذا ركبتم سيارتكم للذهاب الى البقال لا يمكنكم ابدا الذهاب بمفردكم ، لابد من ان تكونوا على الاقل سيارتين وفي كل منهما ثلاثة اشخاص كحد أدنى . واحرصوا على ان يكون على الاقل أحد ركابكم طبيبا..ما إن تغادروا منزلكم كل ما لا تتعرفون عليه فهو خطر. هل هذا كيس نفايات ؟ صندوق فارغ؟ أم قنبلة يمكن التحكم بها عن بعد ؟ ... لا تدعوا ابدا اى سيارة تقترب منكم ، أبدا أبدا ، تفحصوها بدقة . هل هؤلاء اشخاص يقصدون ايضا البقال أم سيارة مفخخة ؟ ربما لديهم رشاش يطل رأسه من الخلف . إذا اقتربوا منكم جدا، لوحوا بعلم باتجاههم، سلطوا نورا قويا عليهم ، أطلقوا العنان للنفير واطفئوا الاضواء ثم شغلوها مرات عدة . إذا لم يبتعدوا إو إذا استمروا في الاقتراب منكم اقتلوهم، بكل بساطة. لانه اذا لم تكن كل هذه التدابير فعالة فهم سيحاولون حتما قتلكم . هذه هى الحال هنا".
وقد قتل مانديل ـ 47 عاما – إثر انفجار عبوة في الفلوجة في 5 يناير 2007.
هذه الرسائل و الشهادات و الاعترافات من قبل الموتى الأميركيين في العراق دليل حى ومتجدد على الفشل الأميركي في العراق، وعلى فشل المخطط الأميركي في المنطقة وعلى أن المقاومة العراقية تقف للمشروع الاميركي بالمرصاد وأنها تصيبه في مقتل.
المصدر: وكالة الأخبار الإسلامية / نبأ /
شهادات واعترافات للقتلى الأميركيين في العراق
