هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق بين المطرقة والسندان-أحمد المرشد
العراق بين المطرقة والسندان-أحمد المرشد العراق بين المطرقة والسندان-أحمد المرشد

العراق بين المطرقة والسندان-أحمد المرشد

عندما شن الرئيس الأمريكي جورج بوش حربه على العراق قبل أربع سنوات كانت حجته يومها أنه يريد تخليص العالم والولايات المتحدة من مخاطر محتملة تمثلها أسلحة صدام حسين للدمار الشامل، وحينها رفض معظم الأوروبيين وروسيا والصين قرار الحرب الذي لم يحظ بشرعية الأمم المتحدة لأنهم كانوا يشكون في حجم التضخيم الأمريكي والبريطاني للملف، ولأنهم كانوا يدركون أن الغزو سيجر ويلات لا تقف عند حدود العراق. واليوم انتقل العراق من تهديد خارجي كان معظم الأمريكيين يجمع على ضرورة مواجهته بعدما ربطوا بينه وبين الحرب على الإرهاب، إلى قضية داخلية تتفاعل في وجه إدارة بوش وتهدد بتقويض سلطتها مع سعي الغالبية الديمقراطية في الكونجرس إلى فرض جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من البلد المحترق بحلول أغسطس/ آب من العام المقبل.

ومع أن الخسائر البشرية التي مني بها الجيش الأمريكي في العراق مرتفعة ومقلقة والكلفة المالية ستصل قريبا إلى حوالي 400 مليار دولار وقد تزيد على ذلك بكثير قبل موعد الانسحاب المطلوب، فإن منظري “الحرب الوقائية” في الإدارة الأمريكية لا يزالون يعتبرون أنهم قادرون على كسب الحرب ويحققون فيها تقدماً. ولا يزال بوش يعاند ويكابر في خطبه وتصريحاته مؤكداً أن الوضع سيؤول إلى السيطرة، وأن حمام الدم اليومي الذي يدفع العراقيون حياتهم فيه مؤقت وسيزول. أما كيف؟ فلا أحد يعلم ولا أحد يملك جواباً. حتى بوش وأركان إدارته لا يملكون جواباً.

ولعلنا نتفق مع ما سبق وذكره المفكر السياسي الأمريكي الراحل جورج كينان مهندس سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفييتي السابق. فقد ذكر في اكتوبر/ تشرين الأول 2002 أن أي شخص يدرس تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، وخصوصاً الدبلوماسية العسكرية، يعرف أنك قد تبدأ في حرب بتصور محدد في عقلك كهدف لما تفعله. ولكنك في النهاية تجد نفسك تقاتل في سبيل أشياء أخرى مختلفة تماماً ولم تفكر فيها من قبل مطلقاً. وهذا ما تؤكده الأحداث في العراق حالياً، فساكنو البيت الأبيض تصرفوا على أن العراق مسألة مفروغ منها وبأقل التكاليف وكثير من الأرباح، وتصرفوا على أساس أن غزو العراق سيؤدي تلقائياً إلى سلسلة من التفاعلات المطلوبة أمريكيا في كل الشرق الأوسط. ولكن النتائج حتى الآن كانت مخيبة للآمال، ونرى أن الحليف البريطاني يوشك هو ا.

وقد حاولت الولايات المتحدة استثمار مؤتمر العراق من أجل تجنب تعميق التوتر بين البلدان المشاركة، ليبدو الاجتماع الذي عقد في العاشر من مارس/ آذار وكأنه تصويت ثقة بسيادة العراق، إضافة إلى إثارة المخاوف من برنامج إيران النووي.

إن الحقائق على الأرض العراقية هي الدافع الأساسي وراء عدول أمريكا عن نغمتها المملة بعدم إجراء حوار مع إيران وسوريا. فالتحالف الدولي ينهار ومن المرجح أن يزداد العنف في البصرة بعد انسحاب القوات البريطانية، مع احتمال انهيار الإدارة السياسية في واشنطن وبغداد، فالديمقراطيون يتربصون ببوش وإدارته اليمينية، والحال ليس أقل سوءاً بالنسبة لحكومة نوري المالكي في العراق.

لا شك أن إيران حققت أكبر قدر من الفائدة في المنطقة بسبب الحرب الأمريكية على العراق وذلك بعد التخلص من عدوين قديمين هما أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى التراجع النسبي لقوة الولايات المتحدة بسبب ما تعرضت له قدراتها العسكرية والدبلوماسية من اجهاد.

وإذا كان الأمريكيون يخشون وحل فيتنام آخر في العراق، فإن العرب ودول الجوار للعراق يجب أن يكون همهم تجنب انقسام بلاد الرافدين وإعادة الاستقرار إليها، ليس فقط من أجل سلامة وازدهار أبناء العراق، وإنما أيضاً لأن ذلك يشكل جزءاً من استقرار المنطقة. وإذا كان الأمريكيون سيرحلون عاجلاً أم آجلاً، فإن أهل العراق وأهل دول الجوار مقيمون ولا يرحلون.

الأوضاع الصعبة التي يعيشها العراقيون الآن جعلت ربع سكان العراق يعانون اضطرابات نفسية بسبب الظروف التي تمر بها بلادهم. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن معالجة هؤلاء المرضى تتطلب تهيئة ظروف وأجواء مناسبة لهم، وهذا الأمر غير متوفر في العراق حالياً. فهذا المرض ليس إلا أحد تداعيات الاحتلال الامريكي للعراق وتدخلات الجيران وليس آخرهم إيران، لذا فالعراق بحاجة إلى من ينقذه من المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني.

* كاتب بحريني
- الخليج الامارتية

أضف تعليق