بعد أن عرضنا النصوص والآثار في المسألة، بقي أن نعرج إلى فوائد سؤال الله تعالى، ومفاسد سؤال الخلق، التي بها نؤكد صدق تلك القاعدة السابقة، وموافقتها لما جاء عن الشرع. إن الذي يعتاد سؤال الله تعالى وحده ينعم بنعمتين كبيرتين:
أما عن لذة المناجاة: فالإنسان له حوائج لا تنتهي، ومسائل لا تنقضي، فإذا كان لا يسأل إلا الله تعالى، فإنه يكون دائم الصلة به، وذلك يفتح له باب معرفة الله تعالى، هذه المعرفة وتلك الصلة، من خلال التضرع والسؤال الملح، تفتح على الإنسان من أبواب الرحمة والإيمان، ما لم يكن يعلم، فيجد لذة الإيمان ولذة المناجاة، فالقرب من الرحيم الكريم العظيم يورث النفس طمأنينة وسعادة، بخلاف الذي لا يسأل الله تعالى فإنه يفقد الصلة به، وإذا لم يتصل بالله، اتصل بغيره من المخلوقين، والاتصال بالمخلوقين وذكرهم بلية وداء، كما يذكر عن عبد الله بن عون قوله: "ذكر الناس داء، وذكر الله دواء"[1].
فهذا التوجه إلى الله تعالى يعود بالأثر الطيب على النفس، كما يذكر عن بعضهم قوله: "إنه ليكون لي إلى الله حاجة، فأدعوه، فيفتح لي من لذيذ معرفته، وحلاوة مناجاته، ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي، خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها، فإذا قضت انصرفت"[2]، وصدق الله تعالى حين قال:
{فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}.
وأما عن محبة الله تعالى: فإن الإنسان إذا كان لا يسأل إلا الله، عرف الله تعالى حق المعرفة، من إجابته له، فما يسأل الإنسان ربه شيئا من الخير إلا أعطاه، فإذا جرب سؤاله على الدوام، رأى كيف إكرام الله له، من حيث الإجابة، أو صرف السوء، أو ادخار الحسنات له، كما جاء في الحديث أن الداعي له إحدى ثلاث:
إما أن يعجل له بالإجابة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له[3].
وهذه مما يولد في قلبه المحبة لله تعالى، حيث يراه محسنا رحيما به، رؤوفا كريما جوادا، عفوا غفورا توابا برا رزاقا، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والذي يعتاد سؤال الله يعرف مدى إحسان الله تعالى إليه في قضاء حوائجه كلها.
كل هذه المزايا والبركات غير حاصلة في سؤال المخلوق، بل سؤال المخلوق فيه مفاسد كثيرة، منها:
-أولا: سؤاله يورث القلب الظلمة والألم؛ لأنه اتصال بمن خلق ظلوما جهولا، والاتصال بالظالم الجاهل يؤثر في النفس بالظلمة والجهل.
-ثانيا: التعلق بهم إن هم أجابوه، حبا وخضوعا وطاعة، وهذا فيه طعن في توحيده وإخلاصه الله تعالى.
- ثالثا: أنه يبقى في منتّهم وعلوهم عليه وذله لهم، ومثل هذه عبودية لا تنبغي إلا لله تعالى.
- رابعا: أنه يجب عليه أن يكافئهم، فقد لا يقدر فيبقى أسيرا لهم، كما قال بعضهم:
" ما وضعت يدي في قصعة أحد إلا ذللت له"[4].
وقال بعضهم: "احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكون أميره"[5].
وقد يقدر على المكافأة، لكن لا يمكنه ذلك إلا بخرق دينه والتنازل عن مبادئه.
وإذا قدر على المكافأة دون أن يخرب دينه فلا أقل من أن يكون قد استهلك زمنا من عمره في هم قضاء الدين، ما لو قضاه في سؤال الله والسعي في الرزق لكان خيرا له.
-خامسا: ذلك حال إجابتهم سؤاله، أما إذا لم يجبيوه فالنتيجة التنازع والتناحر والقطيعة والتباغض والحقد والحسد، فكم من عداوات وقعت، وأرحام تقطعت، وأحوال طيبة تبدلت، بسؤال سائل لم يجد إجابة أو عونا.
-سادسا: وأخطرها أنها تفضي بكثير من الناس إلى التعبد لغير الله تعالى، والإسلام حرص غاية الحرص على سد كل منافذ الشرك والعبودية لغير الله تعالى، فمن ذلك أنه منع الواسطة بينه وبين خلقه، وأمر بالسؤال منه مباشرة، ونهى عن اتخاذ الشفعاء، لأمرين:
الأول: حتى تكون العبادة خالصة له.
الثاني: حتى لا يحرم الإنسان فرصة القرب من الله والقبول..
وبيان هذا:
أن الإنسان أذل ما يكون في حالين:
الأول: بعد الذنب.
الثاني: حين الحاجة.
أما بعد الذنب: فشعوره بعظم ما أتى، وانكسار نفسه، وخوفه من الله تعالى والحياء منه، فهذه فرصته للإقبال على الله تعالى، والفوز بالتوبة والقرب، حيث إن الله تعالى يحب من عبده الانكسار له والذل والخضوع، وهو يكره العجب والكبر ولو بالطاعة، فمن انكسر له وذل وخضع رفعه وقربه، فعلى العبد أن يستغل فرصة الندم والذل والانكسار بعد الذنب بسؤال الله وحده أن يغفر له.
والشيطان في هذه اللحظة أحرص ما يكون على استغلال هذا الظرف العصيب، بالغواية، والوسوسة بأن الله لن يقبل الإنسان وهو على هذه الحال، فهذا ما فعله مع المشركين قديما، حيث أغراهم وزين لهم أن الله تعالى لن يقبلهم وهم متلطخون بالمعاصي إلا بأن يتوسلوا بالصالحين الطاهرين، فاستجابوا لوسوسة الشيطان وفوّتوا على أنفسهم فرصة المغفرة والقبول والقربى، وانجروا إلى الشرك بما صنعوا من التوجه إلى غير الله تعالى وسؤالهم باسم الشفاعة والوسيلة.
وقد وقع مثل هذا في المسلمين، حيث صار منهم من يعبد الأولياء والأضرحة باسم الولاية وجعلوهم الواسطة بينهم وبين الله، وهذا هو بعينه ما فعله المشركون، والله تعالى كره ذلك منهم، وكفرهم به حيث قال:
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
إن الله تعالى يقبل سؤال العبد أن يغفر له مهما أتى من الذنب ..!!
ألم يغفر الله تعالى لمن قتل مئة نفس؟[6]..
ألم يغفر لبغي[7]، سقت كلبا من عطش، فشكر الله لها فغفر لها؟
وهو الذي يقول: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة)[8].
كل هذا تأكيد وتحريض من الله تعالى لعباده، أن يسألوه وحده، كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، حتى لا يفتحوا على أنفسهم باب الشرك.
وحين الحاجة: يكون الإنسان أذل ما يكون لمن يقضي حاجته، والله تعالى يحب من عبده الذلة له، فإذا ترك سؤال الله تعالى وتوجه إلى سؤال المخلوق، ذل لمن لا يستحق أن يذل له، وترك من يستحق أن يذل له.
إن خزائن الله ملأى لا تنفد، والله يرزق بغير حساب، فقط ينبغي لنا:
أن نثق بالله تعالى، وندعوه ونحن موقنون بالإجابة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة"[9].
أن ندعوه تضرعا وخفية، كما قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}.
أن ندعوه بعزم وإلحاح، قال عليه الصلاة والسلام: "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له"[10].
أن لا نستعجل الإجابة، قال عليه الصلاة والسلام: "يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟، قال: يقول: قد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".[11]
فإذا فعلنا ذلك، رأينا كيف إكرام الله تعالى لمن دعاه، فالله تعالى يفرح بدعوة العبد له، وهذا بعكس المخلوق فإنه يغضب من السؤال، لشعوره بالنقص والفقر، قال ابن تيمية:
"فالرب سبحانه: أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه. والخلق أهون ما يكون عليهم، أحوج ما تكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟!".[12]
* * *
كلما اعتاد الإنسان سؤال الله تعالى، فتح لنفسه أبواب الإيمان والتوحيد، وأغلق عنها أبواب الشرك.
وكلما اعتاد سؤال المخلوق، فتح على نفسه باب الشرك، وأغلق عنها باب التوحيد.
ولأن هذه القاعدة من قواعد الإسلام العظيمة، فقد لفتت نظر العلماء، فبنوا عليها أحكاما فقهية:
فالحج لا يجب بالهبة، فمن لم يملك الزاد والراحلة لم يجب عليه قبول الهبة من أجل أن يحج، ولو كان الفريضة، حتى لا تكون للمخلوق عليه منّة، قال ابن تيمية في شرح العمدة: "فإن كان قادرا على تحصيله بصنعة أو هبة أو وصية أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت المال: لم يجب عليه ذلك"[13]، أي: الحج.
وكذا لا يلزم قبول الهبة لمن عدم السترة في الصلاة، مع كون ستر العورة من شروط الصلاة، جاء في الروض المربع: "(وإن أعير سترة لزمه قبولها)؛ لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه، بخلاف الهبة للمنة، ولا يلزمه استعارتها"[14].
ولأجل ما سبق قال الإمام ابن تيمية:
" سؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلا على الله تعالى أفضل" وأسند ذلك إلا الإمام أحمد رحمه الله[15] .
فهذه قاعدة مهمة، أن: الأصل في سؤال الخلق أنه محرم.
لكن لما كانت بعض حاجات الناس لا تقضى إلا بالسؤال فيما بينهم، حتى يتم التعاون والمودة والتكافل، أباح الله هذا السؤال، على أن لا يتجاوز الحد، بحيث لا يكون هو الديدن والأصل، فيسأل كل شيء، من غير تفريق بين ما يحسن وما لا يحسن، ولا بين الضروري وغير الضروري، وإذا تعرض لسؤال اضطرارا فيجب عليه أن يرد بالمثل ويجتهد في الرد بأحسن من ذلك، فإن لم يقدر لضيق في رزقه، فليجتهد في الدعاء لمن أسدى إليه معروفا، يقول عليه الصلاة والسلام: "من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه"[16].
* * *
وبعد هذا العرض حول هذه القضية الخطيرة المهملة ليس أمامنا طريق نسلكه نعلم عاقبته إلا هذا الطريق:
فأولى ما نربي نفوسنا عليه، هو تربيتها على سؤال الله وحده.
وأولى ما نربي أولادنا وأهلينا عليه هو ذلك.
وأولى ما نربي الناس عليه، هو هذا الأمر العظيم.
ويقيني أننا لو أخذنا بهذا المبدأ، تعلما وتعليما ودعوة، وترسيخا بالتكرار، في كل مناسبة وحادثة، كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل؛ أن ذلك سيحل كثيرا من المشكلات التي تعترض طريقنا في هذه الدنيا، من أصغر شيء إلى أكبره، من الذنب الصغير إلى الذنب الكبير، من الصغيرة إلى الكبيرة إلى الشرك، كلها ستحل، وكل أخطائنا ستتلاشى، وكل شيء في حياتنا سيحسن وسيطيب، كما طابت حياة الصحابة والصالحين.
فلتكن هذه القاعدة المهمة منا على بال، في كل وقت وآن.
________________________________________
[1] - سير أعلام النبلاء 6/369، قال الذهبي عقبه: "إي والله، فالعجب منا ومن جهلنا، كيف ندع الدواء، ونقتحم الداء؟!، قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم}، {ولذكر الله أكبر}"، وذكر ابن القيم في الوابل الصيب (ص99) عن مكحول قوله: "ذكر الله شفاء، وذكر الناس داء".
[2] - مجموع الفتاوى 10/333.
[3] - رواه الترمذي في الدعوات، باب: انتظار الفرج، وباب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، وفي الموطأ، في القرآن، باب ما جاء في الدعاء.
[4] - انظر: الفتاوى 1/98.
[5] - انظر: الفتاوى 1/39.
[6] - رواه البخاري في الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل.
[7] - رواه مسلم في السلام، باب: فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها.
[8] - رواه الترمذي في الدعوات، باب: رقم 106، عن أنس، صحيح الترمذي 280.
[9] - رواه الترمذي في الدعوات، باب: رقم 66، انظر السلسلة الصحيحة 594.
[10] - رواه البخاري في الدعوات، باب: ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له.
[11] - رواه مسلم في الذكر والدعاء، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل.
[12] - مجموع الفتاوى 1/40.
[13] - شرح العمدة 1/131.
[14] - 1/505.
[15] - الفتاوى 1/181،134،78، وانظر: المدارج 2/242، شرح العمدة: 1/144.
[16] - رواه أبو داود في الزكاة، باب: عطية من سأل الله.
د. لطف الله خوجة
لها أون لاين
أصل التوحيد (2/2) ... د. لطف الله خوجة
