هيئة علماء المسلمين في العراق

وحدة الأمة الإسلامية والتحديات الراهنـة : حسين الدليمي
وحدة الأمة الإسلامية والتحديات الراهنـة : حسين الدليمي  وحدة الأمة الإسلامية  والتحديات الراهنـة : حسين الدليمي

وحدة الأمة الإسلامية والتحديات الراهنـة : حسين الدليمي

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى اله وصحبه أجمعين . أما بعد : فان موضوع (( وحدة الأمة )) من المواضيع المهمة التي لها ارتباطاً وثيقاً بمصير الأمة ومستقبلها ، وتاريخ البشرية من أولها إلى يومنا هذا . وكل هذا دليل على الدور الهام الذي يؤديه انتماء الإنسان الديني والثقافي في حياته ، ودليل على انفتاح الانتماءات الدينية والثقافية لتأثيرات متبادلة تحقق حركة مستمرة في لقاح الحضارات والثقافات .
والاسلام كعقائد دينية ، والتزامات عبادية وخلقية ، ونظام حياة ، وهو كذلك تجربة تاريخية باهرة ، وحضارة عالمية حية .
لذلك شكل الاسلام - وما زال – المكون الاهم لهوية المسلم ، ودعاه الى أن يكون متحداً مع أخيه المسلم من أجل أن يفقا في مواجهة العقبات التي تعيق العمل الاسلامي فيما يهدف اليه الدين الحنيف ويريده .
ولذلك كله حرص الاسلام على الاتحاد والترابط حرصاً بالغاً ، وبالمقابل حذر تحذيراً بالغاً من التفرق والتشاحن والتباغض ؟
والواقع أن وراء الاتحاد منافع ، واثارها في حياة الامة لا تخفى على ذي لبٍ :
(1) فالاتحاد يقوي الضعفاء ، ويزيد الاقوياء قوة الى قوتهم ، فاللبنة وحدها ضعيفة مهما تكن متانتها ، والاف اللبنات المتفرقة المتناثرة ضعيفة يتناثرها وان بلغت الملايين . ولكنها في الجدار قوة لا يسهل تحطيمها ؛ لانها باتحادها مع اللبنات الاخرى في تماسك ونظام أصبحت قوة أي قوة .
وهذا ما أشار اليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الصحيح حينما قال : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاُ )) وشبك رسول الله صلى الله عيه وسلم بين أصابعه .
ونبه الى هذا المعنى المولى جل جلاله بقوله : (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )) [ سورة الصف : الآية 4 ] .

والقصة المشهورة التي علمها الاب لابنائه تؤكد هذا المعنى ، اذ لم يستطع أي واحد منهم أن يكسر مجموعة العصي المتضامنة ، على حين أمكن بيسر كسر كل منها على حدةٍ ، وقال في ذلك :
                        كونوا جميعــاً يا بنيَّ إذا اعترى      خطبٌ ولا تتفرقوا آحــادا
      تأبى العصيُّ إذا اجتمعنَ  تكسراً      وإذا افترقنَ تكسرتْ آفــردا

(2) والاتحاد كذلك عصمة من الهلكة ، فالفرد وحده يمكن أن يضيع ، ويمكن أن يسقط ، ويفترسه شياطين الانس والجن ، ولكنه في الجماعة محمي  بها ، كالشاة في وسط القطيع ، لا يجترئ الذئب أن يهجم عليها ، فهي محمية بالقطيع كله ، انما يلتهمها الذئب حين تشرد عن جماعتها وتنفرد بنفسها ، فيجد فيها ضالته ، ويعمل فيها أنيابه ، ويأكلها فريسة سهلة .
وقد جاء قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبيناً لهذا المعنى بياناً شافياً ، فقال : (( يد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ، انما يأكل الذئب من الغنم القاصية )) .
ثم اننا نتجه صوب القران الكريم ، لنرى ما أشار اليه هذا الكتاب الخالد في أهمية الوحدة والترابط ، فنأخذ على سبيل المثال قصة سيدنا موسى - عليه السلام - . فحينما ذهب سيدنا موسى - عليه السلام - لمناجاة ربه ، استجابة لوعد الله  تعالى ، الذي واعده ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر ، فتم ميقات ربه أربعين ليلة ، فخلف في قومه اخاه هارون - عليه السلام - .
وفي غيبة سيدنا موسى - عليه السلام - فُتن قومه بعبادة العجل ، الذي صنعه لهم السامري ، فلما رجع موسى الى قومه ، فوجىء بهذا الانحراف الكبير ، الذي يتصل بجوهر العقيدة التي بعث بها هو ، وبعث بها كل الرسل من قبله ومن بعده .
وهنا غضب موسى والقى الألواح ، واخذ براس أخيه يجره اليه وقال : (( قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي )) [ سورة طه الآية 92 – 93 ] .  فكان جواب هارون كما ذكر القران : (( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ  لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي )) [ سورة طـه الآية : 94 ] . 
وفي هذا الجواب نرى ان نبي الله هارون – عليه السلام - اعتذر لأخيه بهذه الجملة : (( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي )) .
ومعنى هذا انه سكت على ارتكاب الشرك الأكبر ، وعبادة العجل الذي فتنهم به الساري حفاظاً على وحدة الجماعة وخشية من تفرقها وهي – لاشك – خشية موقوته عبرة غياب موسى ، حتى إذا عاد تفاهم الأخوان الرسولان في كيفية مواجه الأزمة .
وفي هذه اللمحة القرآنية اعظم دروس للامة اليوم في أن يتفاهم أصحاب اللب والعقل وفيها ومن يمثلها في ان يعملوا جاهدين وبالطرق الذكية لاعادة توحيد الامة بعدان تفرقت بهم السبل . بسبب ما عمله الاستعمار بها فنجح في عمله .
وليس تفرق الامة أمر لازم فرضه القدر ، وانه لا مناص ولا مهرب منه – كما يقول بعض الناس – ؛ لانه لو كان كذلك لم يكن ثمة معنى للآيات القرآنية والأحاديث النبوية  كقول الباري جل جلاله : (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )) [ سورة ال عمران الاية 103 ] . إلى غير ذلك من النصوص القرانية والنبوية التي أمرت بالاتحاد والائتلاف ، ونهت عن التفرق والاختلاف ، والتي أوجبت على المسلمين أن يكون لهم امام واحد ، وان لا يبايعوا لخليفتين في وقت واحد ، وان يقاوموا من يريد ان يفرق كلمتهم وأمرهم … الخ .
ولو كان التفرق قدراً مفروضاً على الامة بصورة عامة ودائمة ، لكانت هذه الاوامر والنواهي عبثاً ؛ لانها تأمر بما لا يمكن وقوعه ، وتنهى عما يستحيل اجتنابه .
اننا ندرك بجد الأحاديث المصطفوية المباركة التي بشرت بان أهل الإسلام ستتوحد كلمتهم وان الاسلام سيعلو وانه سيدخل اوربا مرة اخرى بعد ان طرد منها مرتين . وانه سيفتح (( رومية )) كما فتح من قبل (القسطنطينية) وانه لايبقى بيت مدر ولا وبر الا ادخله الله هذا الدين ، الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار ومعلوم ان هذا كمة ان يتم والامة ممزقة متفرقة يضرب بعضها رقاب بعض . انما يتم ذلك حين تتوحد الكلمة على الاسلام وتمضى الامة تحت راية الايمان .
ان الذي يدور في الخاطر أن سبب وقوع الناس في حفرة الاختلاف وينأى بهم عن الاجتماع والاتلاف فراغ نفوسهم من الهموم الكبيرة ، والامال العظيمة ، والاحلام الواسعة .
واذا فرغت الانفس من الهموم الكبيرة اعتركت على المسائل الصغيرة ، واقتتلت فيما بينهما على غير شي .
ولا يجمع الناس شي كما تجمعهم الهموم والمصائب المشتركة والوقوف في وجه عدو مشترك ، وما اصدق ما قاله احمد شوقي :
إنَّ المصائب يجمعن المصابين ؟
وان من الخيانة لامتنا اليوم أن نغرقها في بحر لاطم من الجدل حول مسائل في فروع الفقه أو على هامش العقيدة ، اختلف فيها السابقون ، وتنازع فيها  اللاحقون ، في حين ننسى مشكلات الامة ومآسيها ومصائبها التي ربما كنا سبباً أو جزء من السبب في وقوعها .
ولهذا كان من واجب المفكرين الاسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى ، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم وقلوبهم الى ضرورة التركيز عليها والتنبيه اليها ، والسعي الجاد ليحمل كل فرد جزءاً منها ، وبذلك يتوزع العبء الثقيل على العدد الكبير ، فيسهل القيام به .
ان العالم يتقارب بعضه من بعض على كل صعيد ، رغم الاختلاف الديني والاختلاف الأيديولوجي ، والاختلاف القومي واللغوي ، والوطني والسياسي .
لقد رأينا المذاهب المسيحية – وهي أشبه بأديان متباينة – يتقارب بعضها من بعض ، ويتعاون بعضها مع بعض.
بل رأينا اليهودية والنصرانية – على ما كان بينهما من عداء تاريخي – يتقاربان ويتعاونان في مجالات شتى . حتى أصدر الفاتيكان منذ سنوات وثيقته الشهيرة بتبرأة اليهود من دم المسيح عليه السلام .
أما أوربا التي فرقتها الحروب والصراعات والنزاعات القومية والاقليمية والسياسية والايدلوجية ، فهي اليوم تقترب حتى يوشك أن تكون دولة واحدة ، تذوب بين أقطارها الفواصل والحدود .
ان معركتنا التي تخوضها امتنا المسلمة اليوم من المحيط من اجل تحرير والبناء والتقدم والوحدة على اساس من ديننا الحنيف توجب علينا ان ننسى كل الخلافات الفرعية وتكر كل المعارك الجانبية لنقف صفا واحدا ، امام قوى الشر المعادية  لنا ، والمتربصة وتقول بنا ، ونتعلم كيف يختلفون فيها بينهم ولكنهم يتفقون علينا .
وهذا ما نبهنا اليه القران الكريم فقال تعالى : (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ )) [ سورة الأنفال الآية 73 ] . 
ان الافراد والجماعات والامم اذا بقيت سليمة الفطرة فان الشدائد تجمعها والمعارك توحد صفوفها وتلم شملها وهكذا يحب الله من المؤمنين ان يكونوا ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )) .
ان الاحساس بأن جيل النبوة المجاهدة الذي قضى ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة في المدرسة القرانية ، التي أرسى قواعدها المصطفى – صلى الله عليه  وسلم – لم يعرف الفرقة التي نحن نتربع اليوم على عرشها ، على الرغم من أن الاحساس بالازمة هي أول الطريق الى معالجتها .
ومن المفيد القول بأن الاحساس بالازمة والمشكلة جاء لوناً من الانفعال بها ، الامر الذي لا يعني أبداً الادراك لها ، ولا يعني الوعي بكل أبعادها ، والتعرف على أسبابها ، والقدرة على تحليل عناصرها ، وتحديد طرق معالجتها ، ورسم سبيل الخروج منها ، وفقاً للسنن التي شرعها الله تعالى للنهوض بالامة المجاهدة من أجل وحدة الكلمة ، ووحدة الصف ، ووحدة الهدف ، وبالتالي وحدة الامة .
إن قراءة الواقع الحالي للامة وبشكل صحيح من خلال الهيمنة الامريكية الصهيونية المتغطرسة ، والابتعاد وبكل الاشكال عن مراحل وتطورات المجتمع الجهادي .
أقول : ان قراءة الواقع والانتقال من الاحساس الى مرحلة الادراك ، والاهتداء الى فقه الحل والخروج من أزمة الفرقة الى فقه الوحدة .
ولعل أول الطريق لوعي أزمة الفرقة هو محاولة اكتشاف أسبابها ، ومعرفة أعراضها ، ومن ثم رسم الطريق الى الخروج من هذا النفق المظلم .
ولا يتأتى هذا الا بالتقويم الصحيح لمجتمعنا ، والنقد الجريء ، والمراجعة    الامينة ، واستكمال شروط الوحدة الاسلامية للمجتمع المسجدي ، الذي أنشأه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتربى عليه الرعيل الاول من جيل الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – وال بيت النبي الاطهار – عليهم السلام - .
ان الاعتصام بمواثيق الله في الكتاب والسنة ، ليلمح بوجود وحدة شاملة للامة والمجتمع ، بل وجود جيل مسلم جديد قادم ينهل من تراث النبوة ، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول : (( ان الله يبعث لهده الأمة على راس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )) .
ان ما يلحق الامة من اصابات وجراحات وتهديدات هنا او هناك ، انما هو في الحقيقة منبهات تحمل بصائر الحاضر ، وبشائر المستقبل (( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ )) [ سورة آل عمران الاية 172 ] .    إننا ندعوا امتنا لان تتوحد وتتراص ويستفاد بعضها من بعض ، وان يكون الأساس في التعامل بينها : التكامل والتناسق والتعاون ، لا التناقض والتخاذل والتشاحن ، فان فعلت ذلك شقت طريقها إلى الغد بسرعة الصاروخ ، لا ببط السلحفاة ، كما هو الطابع الغالب على مسيرتنا اليوم في كثير من الأقطار .
فلتنس الأمة خلافاتها وانقساماتها في مواجه القوى الإلحادية والصليبية والوثنية المناوئة للإسلام .

واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .

أضف تعليق