الحلقة الأولى
((المسيرة العلمية))
من فضل الله على الناس ان يهيىء لكل زمان رجالاً يحفظون دين الله ويخدمونه ويستـعملهم في ذلك فهؤلاء هم علْيةُ القوم وصفوتُهم...
يقول الحكماء (( من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة )) حكمةٌ عظيمةٌ تنطبق تماماً على ضيفنا الذي سنعيش حلقات حياته العلمية والدعوية في هذا اللقاء...
وفي أرض الكنانة الخصبة التي أنجبت كثيراً من العلماء والمفكرين والأساتذة والمؤلفين والباحثين الذين أثروا المكتبة الاسلامية وعلومها بألوانٍ عديدة من الدراسات والأبحاث والمؤلفات العلمية والفكرية ...
وحرصاً من البصائر و الهيئة نت على التعريف بالجهود العلمية والدعوية للعلماء الكبار - وخاصة أولئك الذين قدموا خدماتهم العلمية والفكرية لاسلامنا العظيم والمسلمين فكانت كتبهم منهلا للباحثين والسائرين الى الله – ننشر اليوم الحلقة الأولى من حلقات (( المسيرة العلمية والدعوية )) للعلامة الدكتور عبد الصبور شاهين ...
ولد ضيفنا الدكتور عبد الصبور في الـ 18/آذار/1929 وأنهى حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز الربيع السابع من عمره ، ليلتحق بالتعليم الأولي حتى الثانية عشرة ، ثم بالمعهد الأزهري بالقاهرة : الابتدائي فالثانوي ، وحصل على شهادة الثانوية عام 1951م ، ثم التحق الشيخ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، وتخرج فيها بتفوق عام 1956م ، ونال بعدها الدبلوم من كلية التربية عام 1957م ، وأكمل دراسة الماجستير عام 1962م ، وبعدها بثلاث سنين نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى .
وتمتاز حياة الدكتور عبد الصبور شاهين العلمية باتقان اللغة الفرنسية منذ حداثة سنهِ ، وارتبط بعدها بالعمل على ترجمة كتب المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي الذي كان متواجداً بالقاهرة آنذاك ، وكذلك كتباً أخرى في مواضيع متعددة ...
وقد أثرى الدكتور عبد الصبور المكتبة العلمية بعدد كبير من المؤلفات المتنوعة تصل الى ستين كتاباً علمياً ودعةياً وفكرياً ... وهو أول من اشترك مع زوجه بتأليف عدد من المؤلفات ... طاف ضيفنا عدداً من البلدان العربية والاسلامية ودرس في جامعات الكويت ، والسعودية ، وشارك في العديد من المؤتمرات العلمية والاعلامية في أنحاء العالم العربي ، وقام – ولا يزال – بكثير من الأنشطة الإعلامية الإسلامية في الإذاعة والتلفزيون ...
الدكتور عبد الصبور شاهين استقبلنا في بيته وأكرمنا ، وتجولنا في مكتبته العامرة بعد أن أجرينا معه هذا اللقاء الذي طالما تملكه الحزن فيه بسبب ما يجري في العراق ، والذي عبّر عنه بقوله الذي كرره مراراً : (( أنا أبكي من أجل العراق ومن أجل الشعب العراقي )) أو قوله : (( أنا قلبي مع العراق ... أنا قلبي مع العراق )) ، وكذلك قولته المدوية : (( العراق شعب قوي ... له تاريخ ... له تجارب )) ، وأثنى على مقاومة العراقيين الأصلاء فقال أيضاً : (( المقاومة في العراق نوع من الجهاد الذي يقلق أمريكا ... ولن يخرج امريكا من العراق سوى المقاومة )) ... وهذه الحلقة الأولى من الحوار التي نتطرق فيها إلى المسيرة العلمية للشيخ الدكتور عبد الصبور شاهين :
* شيخي يقولون ان البداية هي اساس النجاح وانت ما شاء الله داعية كبير ... كيف كانت بدايتكم العلمية ؟
- اذا كانت البداية صحيحة يترتب عليها النجاح ولكن اذا كانت البداية مبنية على الخطأ فانه لا يكون نجاح ... ولدتُ في 18/3/1929 م ، وبداية نشأتي العلمية كانت مبكرة جداً منذ الصبا ، لأني بدأت أحفظ القرآن في الثالثة من عمري وانتهيت منه في السادسة والثمانية اشهر فكانت بداية مبكرة واعتقد اذ انني ولحد الان ما زلت احفظ القرآن حفظاً جيداً وبنيت كل حياتي العلمية على القرآن وكل ما كتبته يتصل بالقرآن او الاسلام ليس هناك اتجاهات اخرى .
* يعني كلها في الفكر الاسلامي بشكل عام ؟
- نعم فكر اسلامي ودعوة الى الله ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والحمد لله.
* فضيلة الدكتور هل دخلت الكتاتيب أم المدارس النظامية ؟
- بالنسبة لي تعلمت القرآن في الكُتّاب وانا صغير وبدأت احفظ واستمر المجهود والبذل حتى السابعة تقريباً وكنت قد ختمت القرآن فدخلت المدرسة الاولية ، ثم دخلت معهد القاهرة الازهري ، في سن الثالثة عشرة دخلت سنة اولى ابتدائي في الازهر ثم ثنيت بالازهر الثانوي وحصلت على الشهادة الثانوية عام 1951 م ، ثم دخلت كلية دار العلوم يعني كطريق طبيعي لمثلي والحمد لله ، وتخرجت منها عام 1956 م .
* انتم تلقيتم العلم الأزهري منذ بداية نشأتكم وواصلتم الدراسة في معاهده منذ الابتدائية والثانوية ، ولابد أنك تلقيت عن كثير من المشايخ ... من هم أبرز المشايخ الذين كان لهم الأثر الطيب في تنشاتكم العلمية وتركوا بصمة في حياتك ؟
- الشيخ الذي حفظني القرآن - حقيقة هذا شيء نادر انه - كان مسيحياً ثم اسلم وفتح كتّاب وبدأ يشتغل بتحفيظ القرآن هذا لا انساه ، اسمه الشيخ عبد الحفيظ سمى نفسه بهذا الاسم عبد الحفيظ لبيب الصباغ وبعد ذلك دخلت في الابتدائي في الازهر ولا شك ان المشايخ الاوائل الذين درسونا كانوا مخلصين جداً في حياتهم وفي تعليمهم وفي مما رستهم لتعليم الاحداث الصغار ، لاشك انهم كانوا مخلصين بما يستحقون معه كل تقدير واحترام ، حتى اني عندما كنت في الجامعة واصبحت مدرساً فيها يعني حصلت على الدكتوراه واصبحت في هيئة التدريس ، اذكر اني التقيت او ركبت الاتوبيس فوجدت رجلاً شيخاً فتذكرت انه من الذين درسوني في الابتدائي كان اسمه الشيخ النويري فجئت بجواره في الاتوبيس ووقفت بجواره وهو جالس ، وقلت له : انت فلان ، انت شيخنا فلان ؟ قال : آه تعرفني يا ولدي ؟ قلت له : بلا اعرفك اعرفك منذ سنة 1944م ؛ لانه كان يدرسني في سنة 1944م قال : آآآآآآآآه منذ ذلك التأريخ !! وانت الان ماذا تعمل ؟ قلت له : انا الان حصلت على الدكتوراه واصبحت عضو هيئة تدريس بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، فوقف ويريد ان يجلسني في مكانه ، قلت له : لا اذا اردت ان تكرمني فانا اريد تدعو لي بالتوفيق من ناحية ، ومن ناحية اخرى تجلس وانا بجوارك ، فجلس واخذ يدعو لي ... وهذه مصادفة لا اقدر ان انساها ؛ لان الشيخ النويري هذا يعني حقيقة له تأثير في عقلي ... لماذا ؟ لانه اول صوت تكلم امامي عن التدخين ونحن اطفال دخل الفصل ، فشم رائحة الدخان فقال : يوجد هنا احد يدخن قلنا له الشيخ عبد الحكم يا شيخ ، وعبد الحكم هذا كان طالباً معنا ولكنه كبير نوعاً ما ، ويلبس عمامة ، وقلنا له : الشيخ عبد الحكم كي نسلطه عليه وكانما نغريه به ، فوقف وقال اين عبد الحكم ؟ فقام ، فقال له : انت تدخن ؟ فاجابه : نعم ، فقال له : لماذا يا بني ؟ قال له يا سيدنا الشيخ هو حضرتك مش تدخن ايضا ؟ قال : انا دخنت في البداية ولكن كنت اتكلم مع صديق ولاحظت عليه الاشمئزاز وهو يحدثني وكان مشمئزاً قلت له ماذا بك لماذا انت مشمئز ؟ قال لي - اي صديقي - بصراحة يا سيدنا الشيخ نفسك بالسجائر وحش - اي رحيته كريهة - . فقررت ان لا ادخن ابداً ... فقلنا له : الذين يدخنون يقولون انهم لا يستطيعون الكف عن التدخين فكيف ؟ فقال يا اولادي انا ذو عزيمة قوية ، حكيت للشيخ بنفس التمثيل بطريقته التي اذكرها ، وانا في سن الرابعة عشرة في الصف الثاني الاعدادي ، وانا اذكر قولته انا ذو عزيمة قوية ، وضغط على الحروف للتشديد ومن ذلك التاريخ انا اذكر ان التدخين سيء ورائحته كريهة ، وان الشيخ لم يطق ان يوصف بان انفاسه غير مريحة فكف عن التدخين فربما كان هذا من الدواعي التي جعلتني أؤلف كتاباً ضد التدخين واصدرت اول فتوى في مصر ويمكن في الشرق الاوسط بان التدخين حرام لانه صناعة كحولية ، وهو يعني السيجارة لابد ان تتشبع بالكحول حتى تشتعل فانا استخرجت من هذا انه اذن صناعة خمرية .
* يعني التدخين من خلال هذه الفتوى يعتبر من باب الحرام لغيره ؟
- نعم الحرام لغيره ولذاته .
* وكيف لذاته ؟
- لذاته لانه ضار يتسبب في السرطان ، ويتسبب في ضياع المال والمصائب ، وفي نفس الوقت هو مخلوط بالخمر - الذي هو الكحول - فهو حرام لذاته وحرام لغيره ، وعلى ذلك صدرت الفتوى ... وعين في منصب المفتي الشيخ نصر فريد واصل مفتياً لمصر فزارني هنا في البيت هنا وسألني كيف رأيت ان التدخين حرام ؟ فشرحت له القصة لانني ذهبت الى مصانع التدخين وراسلت بعض من نقل إليّ موقف الامريكان من التدخين موقف خطير جداً وكانت النتيجة اني ألفت كتاباً في تحريم التدخين وكنت في ذلك الوقت عضواً في مجلس الشورى هنا في القاهرة ، فيعني وقفت موقفاً ثابتاً من تحريم التدخين جعل من الشيخ المفتي يصدر فتوى من دار الافتاء بحرمة التدخين ، ووزعها على كل المساجد .
* وانت في مرحلة الشباب حيث كنت في الثانوية : هل كنت تكتفي بالمقررات الدراسية أم كانت هناك نشاطات علمية أخرى تمارسها وتقوم بها ؟
- هنالك نشاط قمت به ولم يقم به احد من جيلي غيري وهو انني كنت في الازهر وفي نفس الوقت كنت ادرس اللغة الفرنسية ، عندما وصلت الى الرابعة الثانوية انتهيت من دراسة اللغة الفرنسية وتركتها ، والذي حدث اني خفت من ان انسى اللغة الفرنسية فبحثت عن طريقة لأتوسع بها في اللغة الفرنسية ورأيت ان مصر فيها كلية من كليات السوربون اسمها كلية الحقوق الفرنسية ، فذهبت اليها وانا في الخامسة ثانوي ولحد الان لم احصل على الثانوية العامة فذهبت اليها وقابلت سكرتيرة الكلية وقالت لي كي تدخل الكلية لابد من الثانوية ، ولكن اقترحت عليَّ اقتراحاً وانا قبلت به والاقتراح هو انها تفتح لي باب الالتحاق بالكلية كمستمع حر يعني احضر المحاضرات واسمع اللغة الفرنسية من ألسنة الاساتذة الكبار من اساتذة القانون وكانوا يدرسوننا القانون المدني والقانون الدستوري والاقتصاد السياسي والقانون الروماني وتاريخ القانون خمس مواد ودفعت الرسوم وكانت آنذاك 27 جنيه مصري ، دفعتها وانا طالب ودخلت كلية الحقوق الفرنسية كنت احضر في الحقوق الفرنسية وفي نفس الوقت ادرس الثانوية العامة في معهد القاهرة الديني ونجحت في الثانوية العامة بمستوى متميز وحصلت على كثير من المعلومات القانونية والاقتصادية والسياسية في اللغة الفرنسية وحصلت على خمس كتب خمس مراجع : مرجع في القانون المدني ومرجع في الدستور ومرجع في الاقتصاد السياسي ومرجع في القانون الروماني ومرجع في تاريخ القانون خمس مراجع ... هذه في خلال هذه السنة ، وانا لا زلت في الثانوية العامة والمفروض انني اتفرغ للثانوية كنت اترجم هذه المراجع للغة العربية ، حتى افهمها بلسان عربي مبين وقد كان انتهت السنة وحصلت على الثانوية وكان مستواي في اللغة الفرنسية قد بلغ القمة وانا ادرس وحدي يعني ليس في منهج الدراسة اي لغة ، لا انكليزي ولا فرنسي في المعهد الديني ، وانما انا ادرس وحدي لتعليم نفسي وكان في العام التالي أن التحقت بكلية دار العلوم وبكلية الحقوق الفرنسية وكنت ادرس بالجمع بينهما وادرس بكل جدية واحضر خمس ايام في الاسبوع في الحقوق الفرنسية من خمسة الى تسعة مساءً كل يوم .
* يعني همة عالية أن تجمع بين كليتين في آن واحد مع شدة الحاجة ... هل اكملت كلية الحقوق الفرنسية أم لا ؟
- لا بقيت فيها سنتين ثم وتركتها ... وكنت في دار العلوم في السنة الثانية يعني اخذت اولى وثانية في دار العلوم واولى وثانية في الحقوق الفرنسية ثم فوجئت بان الدكتور طه حسين الذي كان وزيراً للمعارف قد أصدر قراراً بالغاء كلية الحقوق الفرنسية ، فتركتها وواصلت الدراسة في كلية دار العلوم التي تخرجت منه بتفوق عام 1956 م.
* لماذا اتخذ هذا القرار ؟
- في ذلك الوقت كانت الثورة الجزائرية قد نشبت ، وارسل طه حسين الى السلطات الفرنسية في الجزائر يطلب منها السماح بانشاء معهد باسم الملك فاروق الاول بالجزائر فرفضت الحكومة الفرنسية فكان رد طه حسين على هذا الرفض هو الغاء كلية الحقوق الفرنسية ، فكان عليّ ان اترك مصر واترك دار العلوم واذهب ادرس الليسنس (البكلوريوس) في باريس ومن الذي يتكلف بي وينفق عليّ وعلى مشروع طموحي الذي طلع في ذهني ؟ لا يوجد!! ولم اذهب ...
* في أي سنة كان ذلك هل تذكر شيخنا ؟
- كان ذلك في سنة 1953م وكنت قلقاً – ولم اسافر الى باريس ولم ادرس في باريس – ولكني اكتفيت اني تعلمت اللغة الفرنسية وعلى مستوى رفيع جداً ودرست بها حقوق واقتصاد والى آخره ولم يكن مهما الليسنس ، والمهم المعرفة والذي حدث اني والحمد لله استطعت ان اجمع بين الدراستين وان ارتفع بمستواي في اللغة الفرنسية الى شكل مدهش حتى انني في سنة سبعة وخمسين وتخرجت وكان المفروض اني اتخرج سنة 1955م من دار العلوم والذي حدث اني تخرجت سنة 1956م وتأخرت سنة ؛ ليس لاني رسبت ولكن لان عبد الناصر اعتقلني باعتباري من عناصر الدعوة الاسلامية والاخوان ، وبقيت سنة كاملة في السجن وبعد السنة افرج عني ورجعت الى دار العلوم وانتهيت من دار العلوم ودخلت كلية التربية لاجل احصل على وظيفة في المدارس وفي وزارة المعارف وحصلت على دبلوم في التربية علم النفس عام 1957 م ، والذي حدث ان الثورة وجدت ان الشباب يقوم بالكثير من المظاهرات فطلعت نظام جديد ان العام الدراسي ينقسم الى قسمين ترم اول وترم ثاني - فصل دراسي اول وفصل دراسي ثاني - ففي اكتوبر نحن نبدأ الدراسة وفي يناير الامتحانات ثم يستأنف الترم الثاني فيظل يدرس الى ان يصل الى مايو او يونيو حتى ينجح ، فكانت تقصد بهذا شغل الطلاب عن المظاهرات ضد الثورة والذي حدث - اللهم لاحول ولا قوة الا بك - في كلية التربية طبعاً خلصت الليسنس بامتياز ، بعد سنة من السجن خرجت ودرست وكملت النتيجة ، وبعدين الذي حدث ان كلية التربية يعني نفس النظام الترم الاول والترم الثاني ففي الترم والاول ، وانا أمتحنُ لقيت واحد كبير وضخم يقول لي : انت عبد الصبور شاهين ؟ قلت له : نعم قال لي سيادة العميد احمد صالح داود يريدك ، فقلقتُ وخفتُ تواردني الخوف فداود كان المستشار في امن الدولة وانا هنا نسيت مرحلة ، المرحلة انني عندما خرجت من الليسنس كان زملائي سبقوني بسنة ، وتعينوا مدرسين وانا لسه لم اعمل ولم اشتغل ، ولا اي شيء ، فكنت ابحث عن العمل ... ومن ضمن البحث عن العمل اني اقرأ اعلانات الصحف التي تطلب ، ففي مرة قرأت اعلان ان جامعة الدول العربية تحتاج الى ملحقين دبلوماسيين انا دارس قانون وقانون دبلوماسي وقانون دستوري فقلت اروح وتقدمت ودخلت الامتحان ونجحت ، ولكنهم لم يعينوني ، وبعد فترة قرأت اعلاناً للاذاعة المصرية تحتاج الى مذيعين ومحررين ودخلت الامتحان وكان فيه 130 أو 134 متقدم وهؤلاء طلعت الاول عليهم في الامتحان ، لماذا ؟ لاني انا في دار العلوم وانا خطيب واجيد الحديث بالارتجال وفي نفس الوقت اللغة الفرنسية معي مستوى رفيع جداً اكثر من المتخرجيين في قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب ، وطلعت الاول ... المهم وبعدين رأيت اخونا اللواء او العميد احمد صالح داود يريدك قلت له : أين ؟ قال في وزارة الداخلية قلت له : انا في الامتحان !! فقال لي انا ليس لي شأن انا بلغتك وخلاص ، وثاني يوم رحت ودخلت على سيادة العميد ، وقلت : السلام عليكم فقال لي : اجلس - ولم يرد عليّ السلام - وقال : ماذا تعمل انت ؟ فقلت متعجباً امتحن في كلية التربية !! فقال : وماذا ايضاً ؟ قلت له : وابحث عن شغل ، قال : مثل ماذا ؟ قلت له اروح للمدارس واعرض نفسي عليهم ويجيبوني انه لابد ان يكون معاك شهادة كلية التربية ... ويعني قريت اعلان عن جامعة الدول العربية فقال لي عارف ، ونجحت ، ولكن سوف لن تشتغل ، ممنوع ، فخفت وبدأتُ اتلكأ في الكلام ... واخرج المجلة التي نشرت الاول على مسابقة الاذاعة الشيخ عبد الصبور ، فكانت النتيجة انه يقول لي عايز تستغفلني وتشتغل في الاذاعة وتعمل تخريب للدولة !! انا كلما اسأل عنك يقولوا لي ان الذي مخرب المجتمع هو عبد الصبور شاهين وماذا سأخرب في المجتمع فانا طلعت الاول في المسابقة ؟ وقال لي : من المستحيل انك تدخل هذا العمل وتكون مذيعاً قلت له طيب مادام انتم قلتم لا ، خلاص امري الى الله ، اخذت بعضي ومشيت وبدأت ابكي يارب اعمل ايه انا وأمي ... امي كانت كبيرة في السن والمفروض اني انا الذي يعينها ، والآن اغلقت في وجهي الطرق ، والرجل منعني من اي تعيين في اي مكان ، وقال لي : لن تعمل في هذه البلاد ابداً لا قبل التخرج ولا بعده ، وطردني فبكيت على مستقبلي ماذا سافعل وبعدين قلت في نفسي لا يوجد غير اني اشتغل مترجم انا سوف اترجم كتب تنفع الاسلام ولن اترك مصر هو عايزني اي عبد الناصر ان اخرج من مصر مثل يوسف القرضاوي لما هرب في زمانه ويوسف القرضاوي من جيلنا فكانت النتيجة اني قلت لا لن اترك البلد وسأترجم كتب وانا الان اذهب الى كلية التربية ونجحت في الترم الاول ولما ياتي الترم الثاني فاول الترم الثاني وانا داخل دار العلوم كنت في ذلك الوقت ادرس كلية التربية وتمهيدي ماجستير الذي هو للدراست العليا كي اعمل ما جستير ودكتوراه في دار العلوم فكانت النتيجة وانا داخل الى دار العلوم كي احضر المحاضرة للسنة التمهيدية ففوجئت بواحد يقول لي استاذ عبد الصبور قال لي انا عبد السلام الهراس من المملكة المغربية قلت له اهلا وسهلا مرحبا فقال لي تترجم كتاب يعني تحب تترجم كتاب وانا لم اقل له ولم اقل لاي احد اني ساعمل في ترجمة الكتب ولكن الله ارسله لكي يفتح لي طريقا فكانت النتيجة قلت له لا يوجد مانع ماهو الكتاب قال لي كتاب الظاهرة القرآنية قلت له ارني اياه فجاءني بالكتاب فاخذته فعكفت عليه مع انني مشغول بكلية التربية والسنة التمهيدية فعكفت على قرأته وترجمت منه فصلين ومؤلف هذا الكتاب مالك بن نبي الذي هو جزائري وترجمت منه فصلين وذهبت الى مالك بن نبي فكانت البداية في الاشتغال بالترجمة في حياتي .
* في اي سنة كان ذلك ؟
في سنة 1956م انا تخرجت ودخلت كلية التربية وفي ذلك الوقت أحمد الله اني انا ترجمت كتاب لمالك بن نبي وفي نفس الترم ترجمت كتاب شروط النهضة واشتغلت في كتاب آخر له اسمه فكرة الافريقية الاسيوية وعندي كتاب الظاهرة القرآنية وهو ايضاً له ، واهيئ نفسي للاشتغال به ... وفي يوليو صدرت النتيجة كلية التربية ونجحت ، ونجحت أيضاً في السنة التمهيدية للماجستير واصدرت الكتاب الاول شروط النهضة ثم عينت في وزارة التعليم مدرس ورحت السويس ادرس هناك في بلد السويس ، وبعدين طلّعت الكتاب الاول واشتغل في الكتاب الثاني كي اخرجه ... يعني لازم يصدر في ديسمبر 1957م ، لماذا ؟ لانه عن مؤتمر التضامن الافريقي الاسيوي الذي كان سكرتيره انور السادات فلازم يصدر ، وكتب انور السادات وأنا مقدمة للكتاب ... ياااااااااااه انا جاهدت جهاداً وطلعت الكتاب في 28 ديسمبر سنة 1957م في 2 يناير 1958م قال لي مالك بن نبي : تعال انا اهديت كتاب فكرة الافريقية الاسيوية اهديته لعبد الناصر فتعال نوصل له النسخة ، وقد كتب له اهداء في اول الكتاب وبعدين كان يوم 4 يناير يوم جمعة يوم الخميس ذهبنا الى رئاسة الجمهورية ولم اذهب للمدرسة اخذت اجازة ، ويوم الجمعة نزل في الاهرام تشريفات رئاسة الجمهورية : شرف رئاسة الجمهورية مالك بن نبي ومترجم كتابه عبد الصبور شاهين لتقديم كتابهما عن فكرة الافريقية الاسيوية ، وفي يوم السبت خرجت من بيتنا في القاهرة الى السويس الساعة السادسة صباحاً ركبت الاتوبيس وهناك نزلت في السويس وكان على باب المدرسة دخلت ورأيت بواب المدرسة يقول لي : يا استاذ لا تدخل الفصل وتعال تكلم مع حضرة الناظر واروح احضرة الناظر فيقول لي امضي هنا فقلت له امضي ماذا ؟ وما هذه ؟ فقال لي : اخلاء طرف !! يعني فصل ، طرد من التعليم ... وهو هذا الكلام الذي قاله لي العميد : ليس لك شغل في البلاد هذه ، وكانت النتيجة اني خرجت من المدرسة وانا قبلها بيوم بكرم رئاسة الجمهورية واعطيه كتاباً يتكلم عنه ويمجد دوره في الوحدة الافريقية الاسيوية ، وبدأت حياة جديدة اخرى اترجم وانا ليس لي شغل سوى الترجمة واخوض فن الترجمة وخلصت كتاب شروط النهضة واخذت فيه 140 جنيه مصري مكافأة واخذت من فكرة الاقريقية الاسيوية 350 جنيه بقى معاي 490 جنيه في جيبي في وقت كان مرتبي يمكن 15 جنيه فقط ، وكانت الوالدة تقول لي : لماذا لا تذهب للمدرسة ؟ فقلت لها اخذت اجازة ومعاي الفلوس التي قسمتها على كل شهر 15 جنيه واعطيها لأمي على انها مرتبي ، وفي ذلك الوقت رشحت كمعيد في الكلية دار العلوم وانا لم اقل لاحد اني أنا ممنوع من الشغل وبعدين تدخل الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الاوقاف في زمن عبد الناصر وكتب على نفسه ضماناً انه يضمني اني لا أعمل شيئا ضد الثورة وقد كان وبعد ان رفضوا تعييني معيداً رجعتوا ثانية ووافقوا على تعييني معيد ودخلت هيئة التدريس في كلية دار العلوم سنة 1958م .
* وتزامن هذا مع الماجستير التي كنت تدرسها ؟
- نعم فانا تعينت في قسم آخر لاني انا كنت اخذ الماجستير في قسم الشريعة فكانت النتيجة ان الدرجة التي حددت لي في قسم علم اللغة فعملت الماجستير في العلم الذي اريد وان اخدم به الاسلام .
* وزواجك فضيلة الشيخ تزامن مع هذه الأحداث كلها ؟
- نعم أنا تزوجت بعد ما اكملت الماجستير بسنة اي في 1959م .
* طيب فضيلة الشيخ نعود إلى تسلسل مسيرتكم العلمية ... انت اكملت معهد الأزهر وانتقلت إلى مرحلة الجامعة ؟
- نعم... اكملت دراستي في جامعة القاهرة بكلية دار العلوم .
* من هم الذين درسوك في الجامعة من العلماء ؟
- الذين درسوني في الجامعة لا انسى منهم الاستاذ الدكتور ابراهيم أنيس كان عضو مجمع اللغة العربية ، وكان عميداً لكلية دار العلوم واشرف عليّ في الماجستير وفي الدكتوراه ، ولا انسى ذكره ابداً فقد كان رجلاً صالحاً ، ويهتم بتلاميذه بمنتهى الاخلاص ، ولذلك انا استمريت معه ، في محاولة لان احصل على الماجستير والدكتوراه معه وهذا شرف لي .
* في اي سنة اخذت الماجستير والدكتوراه ؟
- أخذت الماجستير سنة 1962م ، وكان عنوان الرسالة (( الاصوات في قراءة ابي عمرو ابن العلاء )) ، والدكتوراه اخذتها في 19/يوليو/1965 م وكانت الرسالة بعنوان (( دراسة صوتية في القراءات الشاذة )) .
* شيخي الكريم : هل كنت اماماً وخطيباً في وقتها ؟
- في الحقيقة انا امام وخطيب وعمري اربعة عشر سنة .
* طيب لماذا لم تختر عنواناً في الدعوة او في الفكر الاسلامي للكتابة فيه في دراستك العليا ، واخترت في القراءات وفي علم الاصوات تحديداً ؟
- انا اول من اختار القرآن للدراسة العليا ، كانوا لا يقتربون من القراءات ؛ فانا دخلت في هذا الباب لاخدم القرآن واتصل به ولا افارقه ولذلك اخذت الماجستير والدكتوراه فيه ... ولي كتاب اسمه (( تاريخ القرآن )) .
حاوره : حسين الدليمي - القاهرة
يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل
البصائر والهيئة نت تقلبان صفحات المسيرة العلمية والدعوية للعلامة الدكتور عبد الصبور شاهين
