لا يبدو فى وقائع اليوميات العراقية، أن قيمة الإنسان، أُخذت بعين الاعتبار لدى تطبيق ما سمى بالخطة الأمنية. فحين يعلن أحد المسؤولين العراقيين فرحا، أن أعمال العنف تراجعت بسبب هذه الخطة، وأن العنف اليومى لم يحصد سوى ما يقارب الـ 275 عراقيا خلال شهر واحد مقارنة بـ 1142 عراقيا فى الشهر الذى سبقه، يبدو متباهيا دون النظر إلى أن هذا الرقم، هو لأناس قضوا نحبهم بسبب الاحتلال وخططه، وبسبب المصالح والتحالفات، وبسبب اللهاث على السلطة وعدم السماح للآخرين بالدخول والمشاركة فى العملية السياسية رغم الادعاءات الديمقراطية التى أوصلت البلاد إلى حدود الكارثة.
رقم لا يقلق المسؤول العراقي، وكأن من سقطوا، ليسوا بالفعل سوى أرقاما فى معادلة رياضية جامدة لا تمت إلى الإنسانية بصلة. فى حين أن هذا المسؤول، تناسى أيضا أرقاما تتحدث عن آلاف الجرحى الذين نزفت دماؤهم فى نفس الوقت الذى رحلت فيه الأرقام الأولى، وهو يتناسى الدمار الهائل واليومى الذى يأخذ العراق إلى المجهول.
الاحتلال الأمريكى سبب كل ما يحدث، ومع أن الجميع يعرف هذا التشخيص، يصر مسؤولون عراقيون وهم يرون أن الولايات المتحدة فى طريقها إلى الهروب من العراق، على التمسك ببقائها، ولو عبر معاهدة أمنية.
هم يعرفون أن الوقت الأمريكى يقترب من الحقيقة، ولعلهم يشاهدون برعب، مئات الآلاف من الجموع التى خرجت فى التظاهرات الأخيرة فى المدن الأمريكية على وجه التحديد، وفى عواصم العالم لإجبار الإدارة على الانسحاب. ويعرفون أيضا أن عشرات الأعضاء فى الكونغرس الأمريكى يتربصون ببوش لإجباره على الانسحاب أيضا.
وما يؤرقهم أكثر، الحديث عن جدية الهروب الأمريكي، إذ أن ما ينقل عن أخبار جدية، يؤكد أن خططا قد أعدت للانسحاب الاميركى من العراق، وإن كان ذلك على مراحل، وقد انتبهوا إلى ذلك حين أعلنت بريطانيا أن فى نيتها الانسحاب أيضا.
وينقل عن الصحافة الأمريكية قولها، إن قادة عسكريين أميركيين بدؤوا بإعداد خطة للتراجع إذا فشلت التعزيزات العسكرية الأميركية فى العراق، والخطة تشمل انسحابا تدريجيا وعلى مراحل.
ويقول مسؤولون عسكريون أميركيون، ومستشارون فى وزارة الدفاع، إن الخطة التى تعتمد على خبرة الولايات المتحدة فى السلفادور فى الثمانينيات لا تزال فى مراحلها الأولى.
والمحلّلون يرون أن هذا الأمر، هو بمثابة إستراتيجية للتراجع فى حال فشل خطة إدارة الرئيس جورج بوش بالرغم من إرساله لمزيد من الجنود إلى العراق.
ويعترف مسؤول فى وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، إن "هذا الجزء من العالم لديه حساسية تجاه الوجود الأجنبي، وأمامنا فرصة قصيرة الأجل نسبيا".
ويرى المحللون أن الأمريكيين فى ظل سياسة بوش، يواجهون مشكلة تتمثل فى أن غزو العراق أدى إلى وضع نهاية لعصر الهيمنة الدبلوماسية الأمريكية فى الشرق الأوسط - كما يعتقد ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن الذى شغل فى الماضى مناصب رفيعة فى وزارة الخارجية الأمريكية - فإن قراءة المستقبل الأمريكى فى العراق، يبدو أنها لن تختلف عن القراءة التى سبقت هروب القوات الأمريكية من فيتنام، وأوجه الشبه كثيرة حتى فى شخصية الرؤساء الأمريكيين الذين تواجدوا فى تلك الفترة، ويتواجدون الآن.
فدنيس روس مثلا أحد رجالات العهد الديمقراطى الأمريكى السابق يقول: إنه سيكون من العسير جدا تحقيق اختراق استراتيجى فى الظرف الراهن، متسائلا: "أنىّ لزعماء ضعفاء حل قضايا مصيرية؟".
أما هاس، فيشخص الحالة بالقول "نحن ننظر إلى شرق أوسط أكثر تعقيدا يتّسم بالفوضى وعدم الاستقرار - شرق أوسط تضاءلت فيه قدرة الولايات المتحدة على التأثير فى مسار الأحداث، لكنه لا يتحدث عن السبب، وهو السياسة الأمريكية.
العرب اونلاين
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
فى وقائع اليوميات العراقية-زكريا شاهين
