هيئة علماء المسلمين في العراق

اعرف ربك لتحبه الشيخ / عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
اعرف ربك لتحبه الشيخ / عبد الحكيم بن عبد الله القاسم اعرف ربك لتحبه      الشيخ / عبد الحكيم بن عبد الله القاسم

اعرف ربك لتحبه الشيخ / عبد الحكيم بن عبد الله القاسم

قال الله تعالى: ( وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)( وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة : 163 ـ 167).
في هذه الآيات الكريمة دعوة من الرب الكريم أن نتعرف على مخلوقاته، وسعة ملكه ، لنصل إلى أنه المعبود الحق وحده ، وأن نكفر ونجحد بكل معبود سواه ، وألا يكون التقليد هو مرجعنا في التفكير والاعتقاد ، ويحذر ربنا تعالى من مغبة ذلك علينا يوم القيامة.

غريب المفردات :

اختلاف الليل والنهار : إما في التعاقب أو في الطول والقصر والحر والبرد ونحو ذلك .
الفلك : هي السفن سميت بذلك لتفلكها واستدارة قاعدتها .
دابة : كل ما يدب على الأرض ولو كان طيراً ؛ لأنه يدب إذا انتقل برجليه عليها.
تصريف الرياح : تغيير اتجاهها وقوتها وحرها أو بردها ونحو ذلك .
والسحاب المسخر : السائر إلى ما شاء الله من الأماكن ، والذي يتنزل منه الماء بمقدار عند الله تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) (الفرقان :50).
لآيات : الآية الشيء العجيب الواضح البين في دلالته على صدق ونحوه .
أنداداً : الند النظير والشبيه والمثيل .
أشد حباً لله : يحتمل معنيين : المؤمنون أشد حباً لله من المشركين لله، أو : المؤمنون أشد حباً لله من حب المشركين لآلهتهم .
تبرأ : البراءة إخلاء مسئولية وإعلان انفكاك التبعية .
وتقطعت بهم الأسباب : السبب كل شيء رابط ، يوصل بين شيئين ، كالقرابة والصداقة والولاية ونحوها.
كرة : رجعة أو مرة .
حسرات عليهم : أي حزناً وكمداً ، لا يستفيدوا منه بتوبة ولا مغفرة .

الفوائد والهدايات :

1 ـ استدل الله تعالى بألوهيته الحقة دون غيره من الآلهة المدعاة ، بالربوبية المقررة عند المخاطبين ، فكان المشركون يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المتصرف في الكون: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (العنكبوت:61) ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) ( العنكبوت : 63) ( قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (المؤمنون : 84)

2 ـ الانطلاق في الجدل من النقطة المتفق عليها إلى المختلف فيها ، خاصة إذا كانت مستلزمة لها ، فإذا أقر المدعو بأن الله هو الخالق المتصرف المطلق ، وأن غيره لا يملك، ولا يتصرف إلا بإذن الله، صارت عبادة غير الله باطلة .

3 ـ التفكر عبادة منسية وبتكرارها يقوى الإيمان ويتجدد ، وهنا ذكر الله أشياء كثيرة، كثيراً ما نراها ونستعملها ونستفيد منها ، وغالباً ما تمر في أذهاننا من دون عبرة:
السموات السبع : كيف نقطع هذه المسافات الأرضية بدون اصطدام بأساسات بناء السماء كما عهد في كل مرفوع أن يكون بعمد ، ولكن الخلاق القدير : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) (لقمان :10) يا لها من قدرة عجيبة، وهي ليست شيئاً يسيراً بل هي أوسع بناء وأشده ( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) (الذاريات : 47)، وليس هذا فحسب بل هي متماسكة لا يستطيع مخلوق أن يبصر فيها شقوقاً أو فرجاً ، (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ) (الملك:3)، بل انظر إليها في الظلماء لا ترى إلا الجمال اللؤلؤي ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (الملك : 5)، ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ) (الصافات : 6ـ7) ، بل وهذه النجوم للبشر ليست كمالية، بل هي أساسية : في معرفة الطرق والاتجاهات،( وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (النحل : 16)، بل ويعرفون بها المطالع والمواسم ،( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (الواقعة : 75 ـ 76) .

والأرض: الوديعة ، السهلة ،الفراش البساط ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ) (البقرة : 22) ، ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً ) (النبأ:6)، ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ) (المرسلات : 25)، ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً ) (نوح:19)، إنها ملائمة للبشر بما يحتاجونه في الحياة وبعدها ، بالمسكن للحي والميت ، ثم جعل الله فيها الجبال الرواسي والوديان والرمال والهضاب والسهول والرمال والخصبة والقيعان، والجدباء الممسكة للماء ، والأرض الحمراء والبيضاء والسوداء ، والذهب والفضة والمعادن ، والشجر والماء والهواء ...
واختلاف الليل والنهار : إن العاقل يدرك بمرور الأيام نقص حياته يوماً بيوم ، ويدرك بمرور الأزمان اختلاف الليل والنهار ، فحيناً يطول أو يقصر أو يتوسط ، وحيناً يكون حاراً أو بارداً أو معتدلاً ، وحيناً ممطراً أو جافاً ، وكل هذا الاختلاف لحكم تناسب هذه المخلوقات وأولها البشر ؛ لأن الله تعالى إنما خلق الأرض لهم : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة : 29).

والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس : إنها شيء عجيب جداً، أن لا تغرق السفينة في الماء ، مع أن الماء لا يرفع حجراً بمقدار
حمصة !! ،( وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ) (الشورى:32 ) أي : كالجبال في العظم ، وقال : ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (الحاقة : 11ـ12)، ومن عجب أن الذي يسير هذا الحمل الضخم هو : الهواء ، ( إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) (الشورى : 33) ، وهو في الوقت ذاته الذي يغرقها : ( أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ ) (الإسراء: 69) إن هذه السفن تجري بمنافع الناس فتنقلها من الشرق إلى الغرب من دون توقف ، إنها طرق واسعة من دون ما يعكر صفو الطريق ، فلا ارتفاع ولا انخفاض ولا بشر ، إنها رمال زرقاء ، والبحار في مساحاتها تكون ثلاثة أرباع مساحة الأرض التي نعيش فيها ، فكيف لا نتفكر فيها ، إنها العالم الذي لم يكشف بعد!! ، تحدث الله لنبيه عن ظلماته ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (النور:40)، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يركبه مطلقاً، والحديث هنا عن الفلك وقد جمع الله بينهما فقال : ( اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الجاثية:12) . ( وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (البقرة: (164إن المطر ينزل من السحاب لا من السماء التي وصفت قبل فالمقصود هنا هو العلو فقط كما قال : ( وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً ) (النبأ:14)أي السحاب على الصحيح ، إن هذا الماء النازل من السماء مر بفترات طويلة حتى نزل إلينا : ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ) (فاطر:9) ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ) (النور:43)، إنها آيات تدعو لتفكر عميق لملابسات المطر من رعد وبرق وسحاب كالجبال وبرد وماء ، ولو تفكر الإنسان في المطر ينزل نقطة نقطة ؛ لوقع على شيء كثير ، من رأفة الله ورحمته ولطفه ورفقه بنا ، لو وقع المطر دفعة واحدة ، أو بحبات كبيرة، أو نزل برداًُ ثلجاً .

فأحيا به الأرض بعد موتها: هذا الماء يأتي على الأرض التي لا نبات بها فهي ميتة فينبت الزرع وتحيا الأشجار والزهور ، هل أتيت الصحراء في الصيف ؟ وكم فيها من النبات ؟ إنك لا تكاد ترى شيئاً ، ولكن إذا جاء المطر فما هي إلا أيام وتخضر الأرض ، وتنفرش بساطاً يؤنس من رقد عليه ، وطعاماً يشبع دواب الأرض وبهائم البشر ، بل ويخرج به ما يروق للبشر .

وتأمل قوله : ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
(البقرة: 22 ) كيف يعود هنا مؤكداً لهذه المسألة بشيء من التفصيل !.
وبث فيها من كل دابة : إن البث نشر وتفريق ، فيذكر الله تعالى لنتأمل في سائر المخلوقات على ظهر هذه الأرض ، صغيرة أو كبيرة نافعة و ضارة ، ألم يتحد الله تعالى قوة الآلهة المدعاة بذبابة : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) (الحج:73).

وقص علينا النحل والنمل والعنكبوت والبقرة والأنعام والفيل وسميت سوراً، وذكر البعوض والكلب والخنزير وقسورة "الأسد ـ على قول ـ " والسبع والحمار والخيل والبغال والحوت والغراب .

وتصريف الرياح : إن الرياح أنواع منها ما يرسل بالخير أو الشر ،( وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) (الذاريات:41) لا خير فيها لهم ، ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) (الحجر:22) فهي خير تلقح الأشجار لتحمل الأشجار ، وتهب فتنشر البذور ، وهي هواء ، ومن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح : «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحا»(1) ، وهي هنا جاءت عامة إذ ذكرت بعد المطر أو متعلقة به فقد ذكر بعدها السحاب .

والسحاب المسخر بين السماء والأرض : السحاب تحمله الرياح إلى الأرض التي أراد الله ، وهو أنواع فمنه الثقيل كالجبال ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (النور:43) جبال عظيمة بين السماء والأرض ـ سبحان الله ـ، ومن أنواع السحاب المنسبط ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ) (الروم:48)، وهناك نوع آخر.
لآيات لقوم يعقلون : الآية الشيء الظاهر البين ، ولكن لا يراها إلا من فتح عقله وذهنه ، فيفتح الله بصيرته ويريه ، إن استعمال العقل وتوظيفه في التفكر يبعد الإنسان من وصف الأنعام ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف :179).

إن من يتعقل هذه الآيات يذعن باستحقاق من يخلق هذا أنه هو الإله الوحيد الحق وما دونه فهو باطل، وأما من غفل عن ذلك ، فسيكون كافراً مقلداً لقومه أو جيرانه أو أصدقائه .
وحكى الله بعد ذلك محبة المشركين لله ودرجتها ووازنها بمحبة المؤمنين لله فأثبت كمال محبة المؤمنين ونقص محبة الكافرين ، ودليل ذلك انقسام المحبة عند المشرك بين الله والمعبود الآخر .

ومن لا يتعقل المخلوقات ويكتفي بالتقليد ويبتعد عن هدي المرسلين يقع في الشرك والكفر ، وهو أعظم الذنوب ، فقد سأل ابن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " . ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) (البقرة:165) بعد أن بين الله أحقية الله وحده للعبادة دون غيره ، وازن بين محبة عباده له ومحبة المشركين ، وتحتمل الآية أمراً آخر وهو : أن المحبة هنا متعلقة بالمؤمن لله ، ومحبة المشرك لمعبوده الباطل ، فالمشرك لا يحب معبوده الباطل كما يحب المؤمن معبوده الحق سبحانه .

فبين أن المؤمنين يحبون خالقهم الإله الحق محبة عظيمة لا توازي محبة المشركين لله ولا محبتهم لآلهتهم المزعومة ، ومن أسباب عظم محبة المؤمنين لربهم تعالى : معرفتهم بأسمائه وصفاته .

وذكر تعالى ـ بعد أن تحبب إليهم بفضائله على خلقه ورأفته بهم ـ حقيقة آلهتهم التي أحبوها مع الله وعبدوها من دون الله ، وأنهم إذا رأوا العذاب يعلمون أن القوة جميعها لله الخالق الرازق تعالى ، ومن لا قوة له تامة ليس بإله حق ، ولو رأوا العذاب لتبين لهم أن الله شديد العذاب فلا أحد يعذب كعذابه كما قال : ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌوَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) (الفجر: 25 ـ 26) ، ولو استبقوا الأمور لتركوا ما هم عليه من الشرك ولوحدوا الإله القادر شديد العذاب.
( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) (البقرة:166) بين الله عز وجل كفر المعبودين بمن عبدهم ، وتبرؤهم ممن أشركهم مع الله ، وتبرأ الدعاة إلى الشرك من مدعويهم :

كما بين ذلك في قوله : (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ ) (الأنعام : 128) وقال عن المشركين :
( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) (مريم: 81 ـ 82) وقال إبراهيم لقومه : ( وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ) ( العنكبوت :25).
ولكن كانت رؤيتهم للعذاب بعد وقت المهلة والعمل ، فلم تجد المعرفة المتأخرة نفعاً ، كما قال : ( أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (النحل:85)

وتقطعت بهم الأسباب : السبب كل شيء رابط ، يوصل بين شيئين ، ومن الروابط بين التابع والمتبوع المحبة فتبدلت المحبة بغضا ، كما قال : ( الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ) (الزخرف :67) (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) (البقرة:167).
ولما تبرأ المتبوع من التابع وقبلت براءته ولم يعذر متبعه ، تمنى المشرك والكافر رجوعاً آخر إلى الدنيا ليتبرأ منهم ولا يتبعهم بل يصدق بالمرسلين ، ( لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا ) ، وهم كاذبون في أمنيتهم كما قال الله : ( وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنعام :27 ـ 28)

كذلك يرهم الله أعمالهم حسرات عليهم: فيرونها قد خف ميزانها بل اضمحل بسبب شركهم ، كما قال: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ) (الفرقان :23)، وقال : (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم :18).ولم يظلمهم الله وقد أخبرتهم الرسل بأن المشرك عمله حابط بل كان الخطاب بهذا للأنبياء كلهم : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ)  (الزمر :65 ـ 66)

وليس للمشرك خروج من النار بل خالد فيها أبد الآبدين ، كما قال عيسى عليه السلام : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) (المائدة :72).
ومن حكمة ذلك أن الكافر عازم على الكفر حتى ولو بلغ آلاف السنين والمؤمن عازم على الإيمان ولو بلغ ما بلغ. من الفوائد: أن الوعيد مناسب للمعرض، فإذا أقبل بينت له سعة رحمة الله .

الهوامش :
(1) الطبراني في الكبير (11533) ، وابن عدي في الكامل (2/763)، قال الألباني في الضعيفة (4217): ضعيف جداً.
(2) البخاري (4477)، ومسلم (68).

الشيخ / عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
لها أون لاين

أضف تعليق