هيئة علماء المسلمين في العراق

تقرير حول جرحى الاحتلال أنت في أمان.. فقد وصلت لاندشتول
تقرير حول جرحى الاحتلال أنت في أمان.. فقد وصلت لاندشتول تقرير حول جرحى الاحتلال أنت في أمان.. فقد وصلت لاندشتول

تقرير حول جرحى الاحتلال أنت في أمان.. فقد وصلت لاندشتول

عبارة الترحيب بالجرحي الأمريكيين علي أبواب أكبر مستشفي عسكري تمتد حدود حرب العراق منذ وقت إلي ألمانيا وتحديدا في مدينة لاندشتول في الجنوب حيث يقع أكبر مستشفي عسكري أمريكي في أوروبا. في هذا المستشفي تصل أعداد الجنود الأمريكيين القادمين من جحيم الحرب، منهم بوعي وبدون وعي، بعضهم فقدوا ساقا أو ذراعا، أنهم الجنود الذين يدفعون ضريبة عالية لحرب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.

حين بدأت الاستعدادات لغزو العراق بدا واضحا أن القاعدة الجوية الأمريكية(رامشتاين) قرب مدينة فرانكفورت سوف تكون أبرز جسر في أوروبا لنقل الجنود والعتاد العسكري إلي المنطقة. أما اليوم فإنها تستقبل طائرات النقل الرمادية اللون من طراز C17 حاملة علي متنها الجنود القتلي في صناديق لمتابعة الطريق إلي الولايات المتحدة أما الجنود الجرحي فإنهم يمضون بعض الوقت في المستشفي العسكري الأمريكي في لاندشتول لتلقي العلاج. بالنسبة للجنود الذين يصلون إلي هذا المستشفي الواقع علي بعد 3500 كلم عن بغداد و5200 كلم عن كابول و6500 كلم عن مقديشو، فإن مهمتهم انتهت.

تشير معلومات رسمية أن أكبر مستشفي عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة يتسع لألف سرير في الحالات القصوي، بينما يبلغ عدد العاملين من أطباء وممرضين وسائقين، 2200 يعملون في فترتين. منذ غزو العراق في مارس 2003 يعمل هذا المستشفي بشكل يزيد كثيرا عن العمل في عدد من المستشفيات المدنية ويشرف علي علاج الجنود الأمريكيين العائدين من الحرب.
عندما يحين الفجر تحط طائرات النقل العسكرية الأمريكية علي أرض مطار(رامشتاين) ويجري نقل الجنود الجرحي بحافلات ليصلوا قبل الشروق إلي المستشفي ويتبعون طرقا خاصة لعدم لفت انتباه السكان. وعند الوصول، يقوم فريق خاص من أطباء وممرضات ورهبان باستقبال الجنود القتلي والجرحي ويقومون بالترحيب بكل عائد من الجحيم، إن كان يسمع أم لا، والعبارة التقليدية: أنت في أمان الآن، فقد وصلت إلي ألمانيا.

بعد الحرب العالمية الثانية تعتبر ألمانيا البيت الثاني للجنود الأمريكيين، فقد أقيمت فيها قواعد ولا يزال بعضها موجودا بعد استعادة ألمانيا وحدتها وتم خفض عدد الجنود الأمريكيين بعدما سحبت روسيا لقاء تعويضات من ألمانيا جنودها من ألمانيا الشرقية. واستخدم الأمريكان قواعدهم في ألمانيا لشن الحرب الأولي علي العراق عام 1990/1991 ثم استعانوا بها ثانية في غزو هذا البلد العربي في عام 2003 وحين تم إرسال الجنود المتمركزين في ألمانيا وافقت حكومة المستشار الاشتراكي السابق غيرهارد شرودر علي قيام القوات المسلحة الألمانية بحراسة القواعد العسكرية الأمريكية رغم انتقاد شرودر حرب العراق ورفضه مشاركة بلاده بها. حتي اليوم يزور الجنود الأمريكان القدامي مواقع القتال في ألمانيا التي حرروها من الحكم النازي.

أما الجنود الذين يعودون من العراق خاصة فإنهم علاوة عن جروحهم فهم بحاجة ماسة إلي الحديث مع أطباء النفس . هؤلاء الجنود لا يعرفون ماذاينتظرهم عند الوصول إلي العراق، وأن هناك أكثر من جبهة، ولا أحد يعرف من يكون العدو. لكن المؤكد أنهم يعودون وصور جحيم الحرب في وجوههم، لا تغيب بسهولة عن ذاكرتهم.

وفقا لمعلومات رسمية قامت مستشفي لاندشتول منذ غزو العراق عام 2003 بتقديم العلاج لأكثر من ثمانية آلاف جندي أصيبوا في الحرب، لكن الرقم الواقعي أكبر من ذلك بكثير خاصة وأن ما يسمي الجروح النفسية لا تحصي وهي أمراض لا تشفي بسهولة وقد لا يتعافي المريض بها أبدا. كما لا يشمل الإحصاء عدد الجنود الذين أصيبوا بسكتة قلبية في مناطق القتال.

يلعب مستشفي لاندشتول في الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان أو في مناطق أخري، دورا هاما فهي المستشفي المركزي للجيش الأمريكي في أوروبا، وتخضع لإشراف القيادة المركزيCentcom أي أنها تستقبل الجنود الأمريكيين الجرحي من نصف العالم. خلال عام 2003 تلقي العلاج فيها 38 ألف شخص. منذ افتتاح المستشفي في عام 1953 عولج فيها 60 ألف شخص.

في الغرفة رقم 225 يرقد بول جيليلان البالغ 24 سنة من العمر علي سريره. شقيقه يخدم في أفغانستان وزوجته تنتظر مولودهما الأول ويقول أن والده كان جنديا. يتحدث الجندي بصعوبة نتيجة الدواء المضاد للألم الذي يتلقاه. ينحدر هذا الجندي من مدينة فورت كارسون بولاية كولورادو موطن الفيلق التاسع للجيش الأمريكي، هذه الوحدة مشهورة في الأوساط العسكرية كونها أقدم الفرق وشاركت في الحرب عام 1812 ضد البريطانيين. طريق الجندي جيليلان إلي مستشفي لاندشتول، كان عبر مدينة الرمادي التي تبعد نحو مائة كلم عن بغداد.

يقول انها معجزة كونه نجح في الوصول إلي ألمانيا، وهذا إنجاز عظيم للمسعفين والطيارين والممرضات والمشرفين علي عمليات الإخلاء ونقل الجرحي علي وجه السرعة من مواقع القتال إلي مستشفي في وسط أوروبا. ليل 24 فبراير الماضي كان ضمن قوة من أربعين جندياً بينهم من الجيش الحكومي في الرمادي بصدد البحث عن من يصفهم بالإرهابيين، وأسلحة، وخلال لحظات وردت معلومات أن القوة وقعت في شرك نصبته المقاومة العراقية. لكن قائد القوة رفض الانسحاب، عندها احتمي الجنود بجدار للاحتماء من رصاص القناصة لكن الجدار نفسه كان ملغوما، وحين تجمع الجنود الأمريكان وحلفاؤهم الجنود الحكوميين أمام الجدار حصل انفجار هائل. ما يعرفه جيليلان أن سبعة جنود أصيبوا بينهم جندي فقد ساقيه الاثنتين كما أصيب جيليلان وكان علي وشك أن يموت من شدة النزيف لكن نظام الإخلاء أنقذه من موت محقق وخلال 48 ساعة كان في مستشفي لاندشتول. الجنود الأمريكان الذين أصيبوا في الرمادي موجودون في هذا المستشفي. جيليلان سعيد لأنه نجا لكن إصابته بليغة في الركبة وكانت اللحظة الوحيدة التي ذرف فيها الدمع حين راح يقول انه لن يستطيع لعب كرة السلة بعد اليوم وهو متأكد أن حياته سوف تتغير. قصة الجندي جيليلان واحدة من قصص كثيرة مماثلة، كثير من الجنود تعتبر إصاباتهم أسوأ، وعايش الموظفون في المستشفي مواقف صعبة مثل نقل جنديين شقيقين توفي أحدهما لاحقا، وامرأة أتت خصيصا من الولايات المتحدة لتودع زوجها قبل أن يوقف الأطباء ماكينة التنفس الاصطناعي، وجندي بلغه نبأ وفاة أمه وهو علي سرير المرض. قصص مستشفي لاندشتول تدور حول الحرب وليس حول السلام.

يبلغ عدد سكان مدينة لاندشتول عشرين ألف نسمة، والجيش الأمريكي في هذه المنطقة أكبر دعم لاقتصادها علاوة علي أنه رب عمل الآلاف من الألمان في ولاية راينلاند بفالز. أمريكا بالنسبة لهم ليست جورج دبليو بوش، فقد عرفوا أمريكا منذ أن حررت بلدهم ويعيشون بسلام مع جيرانهم الأمريكيين البالغ عددهم 50 ألف نسمة وبالنسبة للكثير منهم فإن ألمانيا باتت موطنهم الدائم. وقد تغيرت صورة الولايات المتحدة عند الألمان حين بدأ بوش العمل باستراتيجية التدخل العسكري وفي ألمانيا الشرقية السابقة فإنه من أبغض الشخصيات العالمية. وقال كلاوس غرومر عمدة مدينة لاندشتول منذ ثلاثة عشر عاما أنه من الصعب أن يكون المرء هنا مناهضا لأمريكا. العمدة مضطر لمجاملة الأمريكيين فهم يضمنون وظائف العمل في مدينته ويساهمون في ازدهار اقتصادها وليس بوسعها الصمود دون الجنود الأمريكيين وعائلاتهم. لذلك سافر غرومر بعد شهرين علي غزو العراق إلي واشنطن وتم استقباله بوزارة الدفاع الأمريكية حيث أكد علي عمق الصداقة بين لاندشتول والولايات المتحدة وأن السياسة الكبري لا تؤثر علي هذه الصداقة في الوقت الذي كانت فيه حكومة شرودر تنتقد الحرب وتحذر من عواقبها. منذ غزو العراق عام 2003 أصبحت مدينة لاندشتول قريبة جدا من حرب العراق.

وعلي الباب الرئيسي للمستشفي العسكري الأمريكي يضع مجهولون أحيانا ورقة كتب عليها: لا للحرب. يقول العمدة غرومر: لا يعبر ذلك عن وجود خصوم للولايات المتحدة في لاندشتول بل ترمز إلي مناهضة الحرب.

بعد تلقي العلاج أو الخضوع لعمليات جراحية وعلاج طبيعي يتابع الجنود الذين تم الزج بهم في حروب دبليو بوش طريقهم الدامي إلي عائلاتهم عن طريق المطار العسكري(رامشتاين). من هذا المطار الذي أثبتت دراسة للبرلمان الأوروبي أن طائرات تابعة للاستخبارات الأمريكية سي آي إيه استخدمته لنقل مخطوفين عرب ومسلمين لسجون تشرف عليها السي آي إيه في دول أخري، يجري نقل الجنود الجرحي في طائرات نقل عسكرية رمادية اللون إلي الولايات المتحدة، فالحرب لم تعد بحاجة إليهم.

الراية القطرية

أضف تعليق