أنجلو ديل بوكا يكشف عن فضاعة جرائم المستعمرين الإيطاليين في ليبيا ويصفهم بـ\'المغتصِبين غير الشرفاء\'.
نشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية قبل ايام مقابلة مع المؤرخ الإيطالي أنجلو ديل بوكا تحت عنوان "طرابلس أرض الرعب الجميل" بمناسبة صدور كتابه الجديد بعنوان "خطوة عن المشنقة" حول جرائم الاحتلال الإيطالي لليبيا والذي اعتمد في كتابته على مذكرات مسؤول ليبي في تلك الحقبة يُدعى محمد فكيني.
واستهلت الصحيفة المقابلة بالمقدمة التالية:
إن خطوة واحدة عن المشنقة هو الكتاب الجديد للمؤرخ الإيطالي المعروف "أنجلو ديل بوكا" الذي تحدث وعلى امتداد نصف قرن تقريباً عن جرائم الاحتلال الإيطالي في أفريقيا، وهذا الكتاب الذي صدر عن دار نشر بلديني كاستولدي يتكون من 290 صفحة يروي صفحات من قصة الاحتلال الإيطالي لليبيا من وجهة نظر الليبيين حيث يعتمد على مذكرات مسؤول ليبي في تلك الحقبة كان يعارض وبشدة الاحتلال الإيطالي.
ويقول ديل بوكا إنه كان محظوظاً عندما تمكن من الإطلاع على مذكرات محمد فكيني وهو مثقف ليبي عمل ولسنوات كمسؤول عثماني وزعيم لقبيلة الرجبان والذي قام في عام 1911 بتسليح الآلاف من المجاهدين للدفاع عن أرضهم ضد الغزاة.
ولأول مرة يتمكن مؤرخ إيطالي من مناظرة أفكار ومشاعر الخطط العسكرية للخصم الأمر الذي جعل هذه المذكرات مصدراً وحيداً لقصة المقاومة الليبية منذ الغزو الإيطالي عام 1911 وحتى عام 1930 عندما نزحت المعارضة الليبية إلى الجزائر والتي كشفت الجرائم الإيطالية من عنف وقتل ووعود لم يتم الوفاء بها بالإضافة إلى الخيانة والنهب والقمع والتي اُرتكبت سواء في عهد الحكومة الليبرالية أو النظام الفاشي ومع ذلك فإنه لا توجد في مذكرات فكيني كراهية وإنما أسف وحزن على عدم التمكن من التعاون سويا، وفيما يلي نص المقابلة.
* حول صورة الايطاليين المنتصرين وفيما إذا كانت مشرفة من حيث أنهم طيبون أو خونة وعنيفون منذ البداية، قال المؤرخ الايطالي انجلو ديل بوكا:
- نعم، فعلى الرغم من تصريحات حاكم ليبيا الودية إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، فلم نحترم الليبيين ونساءهم وانفردنا بكافة المناصب وهذا أدى إلى معارضة الليبيين التي تفاقمت بمعركة شارع الشط التي كانت بمثابة هزيمة شنيعة للجنود الإيطاليين.
* وفيما يتعلق بردة الفعل الايطالية ومدى العنف الذي تحمله، أكد ديل بوكا:
- أكثر من أربعة ألاف ليبي قُتلوا خلال خمسة أيام ومن نجا من المشانق والإعدام بالرصاص نفي إلى الجزر الإيطالية النائية مثل تريميتي، بونزا، وأوستيكا لقد صدرت هذه الأوامر مباشرة من قِبل رئيس الوزراء في تلك الفترة جوليتي وأدت إلى نفي أكثر من 3400 ليبي إلى جزر الموت حيث عوملوا معاملة غير إنسانية ومن بقي منهم على قيد الحياة مات من جراء الأمراض، إن هذه الحادثة لازالت حاضرة في ذاكرة الليبيين حتى اليوم.
* وحول مدى صحة المعلومات عن استخدام رجل دولة ليبرالي لوسائل قمعية تستعملها عادة الأنظمة المتسلطة، قال المؤرخ الايطالي البارز:
- نعم .. إن جوليتي استعمل العنف والقمع ضد الليبيين، واستعمل أساليب نجدها فقط لدى النازيين. إن البرقيات التي بعث بها الجنرال كارلو كانيفا كانت رهيبة، تنص على الترحيل والإعدام بالرصاص. في قصة الاحتلال الإيطالي لليبيا لعب السياسي الإيطالي الكبير أبشع الأدوار.
* وفيما يتعلق بتفوق بادوليو على جوليتي قال ديل بوكا:
- إن بادوليو كان أسوأ وأعنف الحكام الإيطاليين لليبيا. عُين في عام 1928 من قِبل موسوليني. أمر بإنشاء 13 مركز اعتقال رهيب في منطقة برقة كانت بمثابة مقبرة لأكثر من أربعين ألف ليبي، والغريب في الأمر أن بادوليو لم يدفع ثمن هذه الجرائم ولم يُحاكم وإنما غُمر بأوسمة الشرف.
* وبعد سنوات من نهاية الحرب، وفيما اذا كانت هناك عملية إزالة وتستر على الاستعمار الإيطالي لليبيا، قال المؤرخ الايطالي:
- في الحقيقة كانت لدينا معلومات محدودة من الجانب الإيطالي، لم نكن نثق في الوثائق الفاشية وكنا نثق في وثائق العهد الليبرالي بالإضافة إلى أننا كنا نعمل بروح الجمهورية الجديدة التي ولدت بعد الحرب بفضل المقاومة، ولكن الآن لدينا وثائق أكثر بالإضافة إلى أن حكمنا على الأوضاع أصبح أكثر وعياً ولذلك لم نكن فقط قتلة وإنما مغتصبين غير شرفاء.
* إن مذكرات الوطني الليبي فكيني كشفت إستراتيجية إيطاليا التي كانت تعتمد على التآمر والدعوة بالكلام فقط للتعاون والسلام.
- لقد نزلنا تلك الأرض ونحن نعتقد بأننا عرق أعلى من الليبيين الذين كنا نعتبرهم أقل من البشر، ولم نتوان في نشر الفتن الدينية بين العرب والبربر، وهذا كان واضحاً في مذكرات فكيني الذي كان يأمل في إمكانية التعاون مع إيطاليا ويعود له الفضل في التوصل إلى اتفاقية عام 1919 ولكن حتى هذه الاتفاقية كانت مجرد وعود لم نف بها.
* جوفاني اميندولا أول وزير للمستعمرات أدان في عام 1922م تصرفات الحكام الإيطاليين في ليبيا.
- نعم، لقد انتقد وبشدة سياسة التآمر التي كنا نمارسها في ليبيا ولكن انتقاده وصل متأخراً بعد أن فقد الزعماء العرب ثقتهم بالكامل في السلطات الإيطالية وكانوا يستعدون للدخول في صراع مسلح، بالإضافة إلى أنه بعد ذلك وصل للحكم في إيطاليا موسوليني الذي لم يساهم في تحسين الأوضاع بل أن سياستنا الاستعمارية زادت من عنفها وبطشها.
* في الفترة ما بين 1920 و1922 فقد فكيني اثنين من أبنائه في الحرب الأمر الذي كان بمثابة درس حضاري للإيطاليين من قِبل العرب.
- الابن الأول (حسن) كان شاباً لديه قدرات دبلوماسية فريدة، وبناء على رغبة والده درس في جامعة تورنتو بإيطاليا وهذا دليل على نوعية الأحاسيس تجاه الإيطاليين، عند الإعلان عن موته تم تأبينه في البرلمان الإيطالي من قِبل غيتانو موسكا الذي تعرّف عليه شخصياً. لقد كان في إيطاليا من يستطيع الإشادة بالعرب ولكنهم كانوا أقلية بسيطة.
* عند مقتل الابن الثاني تلقى فكيني رسالة تعزية من الجنرال الإيطالي غرسياني والتي وصلته مصحوبة بالقنابل.
- إن الرسائل المتبادلة بين الزعيم العربي والجندي الإيطالي العنيف كانت إحدى أهم صفحات تاريخ إيطاليا الاستعماري في ليبيا (...) فمن جهة، مشاعر الشرف والكرامة ومن الجانب الأخر العجرفة والوقاحة.
* هناك أيضاً حادثة الرأس المقطوع التي رفعها بادوليو كرمز للنصر.
- لقد تم رفع ذلك الرأس المقطوع كرمز للنصر وكان يُعتقد بأنها رأس فكيني، ولقد تحدثت عنها الصحف الإيطالية مما اضطر فكيني إلى نفي أن تكون تلك الرأس رأسه. إنها قضية مؤسفة وسخيفة.
* ولكنها دليل على وحشية الإيطاليين وعنفهم.
- في الحقيقة لم نكن أعنف وأكثر وحشية من الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي ولكننا ارتكبنا العنف والبطش دون أن نحقق القليل من حسن المعيشة الذي حققه المستعمرون الآخرون.
* وحول المشاكل التي تعرض لها ديل بوكا بصفته أحد أهم مؤرخي الاستعمار الإيطالي الذي لم يتوان عن كشف جرائمه:
- تعرضت للكثير من المشاكل خاصة من قِبل الفاشيين لأنني كنت بمثابة الشخص الذي حطم ذاكرتهم وحنينهم لتلك الفترة، لقد حزنت لانتقادات الصحفي الكبير اندرو مونتنيلي الذي كان ينفي استعمال الإيطاليين لغازات سامة خاصة في أثيوبيا وكنت أرد عليه بضرورة أن يقوم بمراجعة الملفات التاريخية الإيطالية ليجد بها أشياء لم يكن يتوقعها، ولقد أثبتت الأيام صحة كلامي.
رسائل فكيني-غرسياني
وإلى جانب المقابلة نشرت الصحيفة مقتطفات من رسائل تم تبادلها بين محمد فكيني والجنرال الإيطالي غرسياني والتي عثر عليها المؤرخ الإيطالي مع مذكرات فكيني.
وقالت الصحيفة إنها عبارة عن ستة رسائل استعمل فيها غرسياني أسلوب المدح و الاهانة والاحترام، وقلة الاحترام والمهادنة والتهديد وكان رد فكيني مدهش من حيث الأدب والاحترام والوعي.
ويقول فكيني في أحد الرسائل التي بعث بها لغرسياني عقب مقتل ابنه في 3 يناير/كانون الثاني عام 1922 "أنصحكم بأن تفكروا جيداً في المآسي وسفك الدماء التي تتسبب فيها الحرب" بينما يرد غرسياني بقوله "لقد علمنا بمقتل ابنكم ولكن أنتم فقط المسؤولون، إن هذا عقاب الله الذي سيواصل عقابكم".
وكان غرسياني يتبادل الرسائل مع عدوه بطريقة فريدة حيث كانت الطائرات الإيطالية تلقي الرسائل على مكان إقامة فكيني مصحوبة بقصف من القنابل وكان رد فكيني على الطريقة البربرية لرسائل غرسياني وخاصة تلك الرسالة التي تلقاها في 6 يونيو/حزيران مصحوبة بقنبلتين ألقيت على منزله "إننا نعتبر طريقتكم في إرسال الرسائل بواسطة قاذفات القنابل هي عملية تحرش لا تليق بدولة متحضرة وبقادة كبار، إننا رجال حقيقيون معتادون على الحرب، رجال يفضلون الموت بشرف على الحياة المهينة".
وفي آخر رسالة بعث بها فكيني لغرسياني في 10 يونيو/حزيران عام 1922 أبرز كرامته وشرفه ووطنيته في إدانة جرائم الإيطاليين واختتمها بالقول "أنا لست رئيس دولة أو زعيم قبائل الجبل، إن كل ما أرغب فيه هو أن أخدم مصالح وطني، إننا نرغب في السلام ولكنني لست خائفاً من طائراتكم ومستعد لتحمل مسؤولياتي لأن الحياة ليست دائمة".
ويشار الى أن محمد فكيني مات في المنفى عن عمر يناهز 92 سنة.
ميدل ايست اونلاين
طرابلس - من د. نورا غريب
قصة المقاومة الليبية على لسان مؤرخ إيطالي شهير
