هيئة علماء المسلمين في العراق

مؤتمر بغداد الإقليمي: بازار سياسى على حساب العراق
مؤتمر بغداد الإقليمي: بازار سياسى على حساب العراق مؤتمر بغداد الإقليمي: بازار سياسى على حساب العراق

مؤتمر بغداد الإقليمي: بازار سياسى على حساب العراق

التطورات الإقليمية الراهنة التى بدأت مؤشراتها الأساسية مع انعقاد مؤتمر بغداد الإقليمى الذى حضرته الولايات المتحدة الأميركية وايران وسوريا ودول الجوار العراقي، تشكل تحولاً فى السياسة الأميركية عبر الاعتراف مجددًا بدور سوريا وايران والحوار معهما. هذه التطورات تنبع من أن المشروع الأميركى فى المنطقة فشل، وان الوضع الإقليمى قد تغيّر لصالح القوى المقاومة لهذا المشروع. لكن، فى العودة الهادئة إلى "مؤتمر بغداد" فقد ثبت من الحوار الدائر قبيل وبعد انتهاء أعماله، ان كل فريق يبغى مصلحته، ولو على حساب المصلحة القومية والوطنية للعراق. واشنطن تريد الأمن لجنودها. طهران تطمع باعتراف بدورها الإقليمي. أما دمشق التى كانت تسعى للخروج من الحصار الأميركى والغربي، فقد نجحت فى إجبار الغرب عمومًا بالاعتراف مجددًا بدورها الإقليمى والحوار معها.

أما أنقرة فتريد الاطمئنان إلى أن الأكراد لن يعلنوا دولتهم المستقلة. الرياض تسعى إلى ضمانة بأن العراق لن يسقط فى الفخ الإيراني.

فى الأصل كان المؤتمر هامشيا عندما كان عراقيا محضا وبعدما أضحى الموت فى العراق وموت العراق أمرين قانونيين لا يهمان سوى العراقيين أنفسهم، صار له مكانة إقليمية ودولية عندما صار لقاء يجمع واشنطن بخصميها اللدودين: طهران أولا ودمشق ثانيا.

التصريحات التى أعقبت المؤتمر توحى بأنه انتهى مثلما بدأ... بدأ بهواجس ومخاوف وانتهى باستمرار الاتهامات. أما الدفء المنبعث من الصورة التى التقطتها العدسات للسفير الأميركى وهو يودع بحرارة الوكيل الإيرانى الذى رد التحية بأحر منها، فإنها توحى بشيء آخر. ربما قد يكون مبعث هذا الدفء الأصول الشرقية المشتركة التى تجمع بين الأميركى الأفغانى زلماى خليل زاد والإيرانى عباس عراقجي. ربما أيضا قد يكون مبعثه أن فحص الدم السياسى الذى جرى "على الواقف" فى بغداد أتى بنتائج إيجابية فى انتظار فحوص أكثر جدية فى الشهور المقبلة؟!
فى المقابل لم يرشح الكثير عن حرارة اللقاء الأميركى السوري. ربما لأن الحضور الإيرانى طغى على ما سواه بفعل الأوزان والأحجام. أو لأن فحصا أهم يجرى خلال الزيارة الحالية لمساعدة رايس لدمشق. ومحادثات هذه الزيارة تتجاوز ما قيل إنه غايتها الرئيسية أى البعد الإنسانى "للاجئين العراقيين" فى سوريا. ذلك أن هذه القضية هى مشكلة أمنية - سياسية بامتياز ومعالجتها تتطلب أبعادا أخرى غير البعد الانساني.

إدارة بوش تكابر وتعاند وترفض الاذعان لتوصيات لجنة بايكر - هاملتون، وما تلبث تحت ضغط الإخفاقات الأمنية المتلاحقة فى العراق والصراخ المتصاعد فى أروقة الكونغرس وقاعاته، أن ترضخ قابلة بالجلوس على طاولة واحدة بين فكى كماشة "محور الشر". ودمشق وطهران تلعنان ليل نهار "الشيطان الأكبر" لكن لعابهما يسيل لمجرد الدعوة إلى الجلوس كتفًا لكتف إلى جانب "الامبريالية" الأميركية حامية إسرائيل والصهيونية.

البازار السياسى بين المتخاصمين ما يزال فى بداياته وعملية التثمير وتحصيل العوائد انطلقت قبل بدئه فى أكثر من مكان. "خُذ" فى العراق و"هات" فى لبنان وفلسطين، "خُذ" فى المطحنة النووية و"هات" فى البيدر الإقليمي.

فى حمأة المساومات، وفى انتظار محطات التشاور الإقليمية والدولية بدءا من القمتين العربية والإسلامية فى الرياض وصولا إلى المؤتمر المقبل لدول الجوار فى اسطنبول، ومع تشابك الملفات وتعقيداتها سيكون الوقت عبئا ثقيلا على الجرح العراقي. فثمة أطراف ركب جنون العظمة رأسها وهى لن تقبل بما قد يحسب عليها هزيمة، وثمة أطراف أخرى أتقنت فن السير على حافة الهاوية وتحقيق المكاسب على حساب هزائم الآخرين، وهى لن ترضى مقابل صمتها ومشاركتها بالتهدئة بأقل من أثمان إقليمية، وثمة أطراف خارجة عن السيطرة ولا تعنيها حسابات الآخرين، وتاليا سيظل العراقيون وقودا فى دوامة لعبة الموت التى يسهل إحصاء ضحاياها لكن من المستحيل حصر تراكماتها. أما الديموقراطية التى قال الأميركى إنه جاء من أجل نشرها فتلك قصة أخرى، وبالأحرى فإنها القصة التى لن يُفتح كتابها لا فى العراق ولا فى جواره!


العرب
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط

أضف تعليق