غدت الهوية بؤرة السؤال ومدار السجال في الأوساط الفكرية والدوائر السياسية. وليس أدل على ذلك من مطالعة هذا الكم الهائل من الكتب والمقالات التي تتناول موضوع الهوية.
فالإسلاميون يرون أن الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على كل الحقائق. ويرى بعض الإسلاميين أن الأمة الإسلامية في غنى عن رحلة البحث عن هويتها ما دام الإسلام قد حدد هويتها وقدرها. وهو وحده الذي يتوفر على نمط حياة شامل يقدم البديل المفتقد. ويرى الإسلاميون أنه بعد أن انهارت الشيوعية وفشل المشروع الليبرالي في قيادة العالم فإن الإسلام هو الخلاص.
وهكذا تصبح «الهوية الإسلامية» بمثابة حل للبشرية. ويرى بعضهم أن هذا التيار غير متناسق، فهو يعود إلى التراث لعله يمده بشيء يثبت كلامه.
أما القوميون فقد كانوا السباقين في إطلاق مصطلح «الهوية القومية» أي البوتقة التي تنصهر بداخلها فكرة القومية العربية كما قال المفكر انطون مقدسي. ويأخذ التيار القومي على التيار الإسلامي عدم إمكان تعيين هويته سياسياً، وذلك لأننا أمام عدد من الأعراق والإثنيات واللغات والتواريخ العصية على التوحد.
أما التيار الماركسي الأرثوذكسي فإنه يعلن بأعلى صوته أن العولمة البربرية تهدد هويتنا إذ أنها ليست إلا «رسملة « للعالم. ويغدق هذا التيار في طرح الوصفات والنعوت الجاهزة التي ينتقيها بدقة خشية أن يفتضح إفلاسه المعرفي وفقر ايديولوجيته التي يفاخر بها.
يمكن القول إن الهوية في الخطاب العربي المعاصر باتت بمثابة المغارة التي يلجأ إليها الجميع للاحتماء بها في ظل ظلام العولمة الدامس على حد تعبير بعضهم. إنها الحصن الحصين لإثبات الذات، ورمز لمقاومة الذوبان.
ولكن عبثاً نحاول أن نحصل على تعريف واحد شامل لهذه الهوية. إنها تزداد التباساً كلما حاولنا الاقتراب منها أو الإمساك بها. إننا لا نعرف أين نجدها. أهي في الماضي حيث تكونت وتشكلت، وما علينا سوى الاقتراب منها بغية التطابق معها؟ وعندئذ ينبغي أن نعود إلى الماضي حتى تعود الأمور إلى نصابها أم هي في المستقبل؟ وإذا كانت في المستقبل فما هي مقوماتها؟ وكيف نستطيع تخيل مستقبل في عالم متحول؟
إن مفهوم «الهوية» يتضمن درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والمشاكلة لأنه بالغ التنوع في دلالاته واصطلاحاته. وهذا ما ينفي الطرح التبسيطي والاختزالي الذي يتم تداوله لهذا المفهوم في الخطاب العربي المعاصر.
وكما لم يستطع العرب التعرف على النهضة الحديثة إلا من خلال الآخر، كذلك لم يستطيعوا أن يتلمسوا هويتهم إلا من خلاله. فعندما تحدث من يطلق عليهم «رواد النهضة» عن النهضة كان عليهم قبل أن يصلوا إليها أن يبشروا بها مجسدة من خلال الآخر (الغرب).
ولا أكون قد اكتشفت جديداً عندما أتحدث عن مدى تغلغل الغرب الحاضر فينا ومعنا في خطابنا. إننا لم نستطع صياغة سؤال النهضة الخاص بنا، أو أن ننتج هوية ناضجة تتسم بالحيوية مع الاتصال بالآخر بدل طرح هذه الهوية المأزومة عند كل احتكاك أو اتصال به.
- الحياة
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
التمسك بالهوية حصن الخائفين من العولمة -هشام الدجاني
