كشفت دراسة امريكية اعدتها (ريسيرش نوتس) للدراسات الاستراتيجية الامريكية عبر نشرتها الدورية عن الثقل الحقيقي الذي تمثله هيئة علماء المسلمين في الساحة العراقية.
وهذا الامر اكدته وصايا بيكر هاملتون الـ(79) التي قدمت لرئيس الادارة الامريكية (بوش) لانقاذه من مأزقه في العراق بعد ان كان طرفا رئيسا ومحركا لقوى اخرى تحالفت على احتلال العراق قبل اربعة اعوام مضت، وبدا عقدها ينفرط تحت وقع المقاومة العراقية الباسلة.
وكان آخر تلك القوى الحليف الاقرب لبوش وهي حكومة (بلير) - اي قوات الاحتلال البريطاني - في المشاركة بـ 7200 عنصر من جيوشها المحتلة للعراق عندما اعلن (بلير) قبل ايام البدء عن سحب قواته ليترك بوش وادارته وقواته تغوص في المستنقع العراقي نتيجة المكابرة على الاخطاء الحمقاء التي ارتكبت باحتلال العراق.
البصائر من جانبها ولأهمية الدراسة في الوقت الراهن تسلط الضوء عليها عبر هذه المتابعة:
إن من الأهمية بمكان دراسة هذه الحالة السياسية، ممثلة بهيئة علماء المسلمين، لأن مسار عملها ونهجها السياسي سيكون مؤشرا هاما على اتجاه بوصلة الوضع السياسي العام في العراق خلال الأشهر القليلة القادمة..
في السادس عشر من تشرين الثاني الماضي، أصدرت الحكومة في العراق مذكرة توقيف تعسفية ضد أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ حارث الضاري، الهيئة الأكثر فعالية وحضورا وتأثيرا في الساحة العراقية وتحديدا على المستوى الشعبي.
الضاري اتهم وفق حكومة المالكي بأنه محرض على العنف ومرتبط بجماعات المقاومة العراقية، في أغلبها، لكن المظاهرات عمت العراق وقامت الدنيا ولم تقعد لهذا القرار، الذي كان فرصة مواتية لإثبات شعبية وقوة وصلابة هذه الهيئة وأمينها العام حارث الضاري. وكانت في الوقت ذاته فرصة مواتية لكي تتلمس واشنطن طريقها الصحيح في العراق وتتعرف تماما على مفاتيح الحل الحقيقية لازمتها هناك.
بهذه المقدمة تحاول هذه النشرة الإستراتيجية الدورية الأمريكية القول إن على الولايات المتحدة أن تغسل يدها من التحالف مع الساسة الذين يدينون بالولاء لايران وأن تلتفت إلى صوت الشعب العراقي الحقيقي والمغيب، ممثلا بهيئة علماء المسلمين أكثر التيارات قبولا لدى العراقيين للتفاوض معها حول مستقبل العراق.
النشرة الإستراتيجية الأمريكية تحاول التعمق في هيئة علماء المسلمين وتحليل نشأتها وتطورها ومواقفها وتوجهاتها السياسية وموقفها من المقاومة العراقية.
الدراسة تقول أيضا إن من الأهمية بمكان دراسة هذه الحالة السياسية، ممثلة بهيئة علماء المسلمين، لأن مسار عملها ونهجها السياسي سيكون مؤشرا هاما على اتجاه بوصلة الوضع السياسي العام في العراق خلال الأشهر القليلة القادمة. وتحمل الدراسة توقيع أسماء، مثل معهد واشنطن لبرنامج البحوث التركي وسامي كاغبتاي وستيفن شيرا وجيفري ويت وغيرهم.
وتستدل الدراسة بحادثة توقيف الضاري للدلالة على حجم نفوذ وقوة رابطة علماء المسلمين، فتقول إن مكانة الرجل وأهميته دفعت دولة، كالأردن مثلا، إلى عرض الحماية وحتى الاستضافة طويلة الأمد، فيما تراجعت الحكومة العراقية عن خطواتها التصعيدية لتنأى بنفسها عن قرار أثبت لها أنها تجاوزت خطا أحمر ـ فجاء الموقف على لسان (برهم صالح)، نائب رئيس الوزراء ليبرر أن التوقيف جاء من القضاء وليس من الحكومة.
وتقول الدراسة إن هيئة علماء المسلمين باتت تقوم بدور رئيس، بل وحيد في تمثيل السنة في العراق، وتحديد مواقفهم السياسية، جنبا إلى جنب، مع حشد الدعم لمقاومة الاحتلال الأمريكي، وتمثيل المقاومة في كثير من الاحيان.
الهيئة تمثل اليوم نحو 3000 مسجد وتحمل هموم كل الاطياف العراقية، من عرب وأكراد بدأ تشكلها بشكل حقيقي في أعقاب سقوط احتلال العراق استجابة للحاجة إلى ملء فراغ السلطة بعد سقوط النظام.
الصعود الحقيقي للهيئة تجلى أكثر بعد عودة الدكتور أحمد الكبيسي، أهم علماء السنة العراقيين، لكنه لم يعد تلك الشخصية البارزة، بعد أن نأى بنفسه عن كل ما يحدث في العراق، فتصدى الدكتور محمد بشار الفيضي الناطق الرسمي باسم الهيئة، إلى جانب آخرين ومنهم الضاري لهذه المهمة - كما تقول الدراسة - لملء الفراغ السياسي.
وهي مهمة مؤقتة إلى حين توفر ممثل سياسي حقيقي شرعي في العراق، لكن هذا لم يحصل رغم مرور 4 سنوات على احتلال العراق، وبفعل عامل الوقت، تحولت هذه المنظمة الدينية الفقهية إلى أبرز تنظيم سياسي عراقي سني، يتوقع له أن يلعب دورا محوريا في حلحلة التعقيدات في المشهد العراقي.
وتحاول الدراسة إعطاء الانطباع بأن مبررات قيام وظهور هيئة علماء المسلمين جاءت كثقل موازٍ للثقل الذي تشغله المرجعيات الدينية الشيعية، على حد تعبير الدراسة.
وبالعودة إلى الضاري، تقول الدراسة إن الشيخ حارث سطع نجمه أواخر عام 2003م، كزعيم ديني من منطقة ابو غريب، وكشخصية عامة رائدة، وابن لأسرة معروفة بين أهل السنة؛ لأن جده له الفضل في اغتيال الضابط السياسي البريطاني جيرالد لياشمان في الفلوجة إبان ثورة 1920م.
الضاري حاله كحال الكبيسي، عاد إلى العراق بعد احتلال العراق. وخلال الستينيات كان قد تابع دراسة الدكتوراه في الأزهر، وتنقل ما بين العراق والأردن والإمارات العربية المتحدة.
الضاري إلى جانب آخرين، مثل بشار الفيضي وعصام الراوي وعبد السلام الكبيسي ومحمد عياش الكبيسي، خططوا لإحياء الوجود السني الذي بدا أنه سيغيب تماما عن ساحة الحدث العراقي.
ويتمتع الضاري - بحسب الدراسة - بعلاقات وثيقة مع مصر والأردن ودول الخليج العربي ومعظم الدول العربية محاولا تشكل جبهة ممانعة ضد المد الشيعي الصفوي في المنطقة والتغلغل الإيراني في العراق فضلا عن علاقاته مع القبائل والعشائر العراقية، ويمكن القول إن هيئة علماء المسلمين هي الذراع السياسي للمقاومة العراقية، على حد تعبير الدراسة.
صعد نجم الضاري وهيئة علماء المسلمين عندما أدرك الفرقاء العراقيون أنها الوسيلة الوحيدة للتفاوض مع المقاومة، فكان التمثيل الأهم للهيئة في مؤتمر المصالحة العراقية في القاهرة.
وعبر سلسلة جولات في البلاد العربية، خاصة في الخليج، نشط الضاري في شرح معاناة العراقيين والمؤامرة التي تستهدفهم، واستقطب العديد من المساعدات والمواقف السياسية التي جعلت من سنة العراق رقما صعبا في المعادلة العراقية، لا يمكن بدونها أن تستقيم أية حالة سياسية مقبلة.
من هنا تنبع أهمية هذه الهيئة، وأهمية قادتها، إذ إنها ـ كما تقول الدراسة ـ مفتاح الحل الحقيقي في العراق.
وتعتبر الدراسة أن سر نجاح الضاري وهيئة علماء المسلمين، وسر صعودها الجماهيري، هي فلسفتها التي تجمع بين القومية العراقية العروبية والتوجه الإسلامي.
والولايات المتحدة بدورها شعرت بأهمية هيئة علماء المسلمين، وفتحت قنوات اتصال معها، على أمل أن تسيطر على المقاومة، وتصل معها إلى هدنة مؤقتة أو دائمة مقابل مخرج سياسي.
------------------
إعداد وتعريب: طارق ديلواني
المصدر: نشرة "ريسيرش نوتس" للدراسات
مجلة العصر
هيئة علماء المسلمين.. دورها وثقلها على الساحة العراقية في دراسة أمريكية
