وانا اري نساء (العرا ق الجديد) عضوات البرلمان وحكومة المنطقة الخضراء، اتذكر ست اديبة. وست أديبة هي مدرستي في الصف الرابع العلمي في الاعدادية المركزية في بغداد، في الستينات، فأقارن بينها وبين السياسيات والبرلمانيات وناشطات حقوق المرأة اللواتي سارعن للعمل ضمن منظومة الاحتلال، وتأتي مقارنتي من ناحية المواقف كنساء وكمواطنات تجاه اخواتهن بشكل خاص وبقية المواطنين بشكل عام.
كانت الست اديبة مدرسة اللغة العربية في القسم العلمي بينما كانت الشاعرة المعروفة لميعة عباس عمارة هي مدرسة اللغة العربية في القسم الادبي، وباستثناء تدريس مادة اللغة العربية لم يكن هناك ما يجمع بين المدرستين، حيث كانت ست لميعة مشهورة، تجمع ما بين الجمال الجنوبي الساحر والغنج الانثوي. أما ست أديبة فقد كانت مدرسة مثل مئات المدرسات، عادية الملامح الي حد يجعل من السهل نسيان وجودها اذا ما كان مفتاح الوجود هو جاذبية او بشاعة الملامح، الا ان ما كان يميزها هو الاحساس العميق بانك تعرفها حالما تلتقي بها فتعلق مندهشا: ست أديبة لابد اننا التقينا من قبل! وان كنت تعلم جيدا بانك لم تلتق بها سابقا.
كانت ست اديبة محافظة في مظهرها، شعرها مصفف بنفس التسريحة دائما، بسيطة باستثناء بذخ واحد يميزها عن بقية المدرسات وهو حرصها علي ارتداء الالوان المتجانسة بشكل لم نره سابقا ولم تكن تهمل نفسها حتي في أيام الامتحانات، فكان لون الفستان يتماشي مع لون حقيبة اليد وزوج الحذاء، وكان حبها للون البرتقالي معروفا ومتميزا بيننا نحن الطالبات، سجينات الزي المدرسي الرمادي. فكانت ياقة الفستان البرتقالية بنفس درجة لون حقيبة اليد والحذاء البرتقالي. ولعل ابرز ما كان يميزها ايضا هو هدوؤها ومثابرتها علي الدوام، فلم نسمعها صارخة بنا في الصف او ساحة المدرسة اطلاقا ولم تتظاهر بالمرض يوما لتغيب عن دروسها. وكان حضور درسها متعة لاتضاهي وتشجيعها لنا علي العمل والدراسة امرا طالما تذكرناه في سنوات الجامعة وبعد التخرج.
لقد تذكرت ست أديبة عندما اتصلت بي ربيعة صديقة ايام الدراسة في يوم عيد المرأة منذ أيام فتجنبنا الحديث المعتاد عن المذابح اليومية في وطننا ومصائب اهلنا فقادنا المسار الي ست اديبة، وكأننا بحديثنا عنها وعدم الحديث عن تردي وضع المرأة وبؤس الحال نمر بمرحلة استجماع النفس وقدرتها علي التأمل والمقاومة و نحاول تحصين انفسنا بقوة لمواجهة الآتي أي الايام الاصعب المقبلة، كأننا نأخذ لقاحا لنمنح اجسادنا وعقولنا المناعة ضد الانحدار في هاوية اليأس المهلك.
تذكرنا كيف طلبت منا كتابة انشاء في عيد المرأة بشكل خطاب موجه الي المجتمع نبين فيه ما الذي نريده من المجتمع وما الذي نريد تحقيقه لانفسنا، وكيف شكلنا حلقة طالبات قررنا فيها ان مانريده مستقبلا هو أولا ان نواصل الدراسة حتي نتخرج من الجامعة. وثانيا العمل برواتب جيدة لنكون مستقلات وثالثا الا نتزوج لئلا ننشغل بالاطفال فلا نقوم بعملنا بشكل صحيح. حين اتذكر ما قمنا به ونحن في مرحلتي المتوسطة والاعدادية أجد اننا وفي ذلك العمر المبكر قد توصلنا الي الصيغة الاساسية التي تحقق للمرأة حياة كريمة مستقلة. بمعني اخر اننا وبشكل عفوي قد ادركنا بان مستقبل المرأة مرتبط بالتعليم اولا وبالاستقلال المادي ثانيا وبالالتزام المهني وخدمة الناس وان تطلب التضحية بالرغبات الشخصية ثالثا.
وما دمنا في مجال استقلال المرأة والعيش بكرامة، كيف نقارن بين سياسيات وناشطات ( العراق الجديد) وست أديبة وما علمته ايانا، وهل من مجال للمقارنة؟
اذا ما بدأنا بفكرة الاستقلال وكيف يتم التعامل معها سياسيا وبرلمانيا لوجدنا بان الاستقلال مفهوم غائب كلية من خطاب السياسيات والبرلمانيات والناشطات حيث يتجاهلن في معظم الاحيان الاشارة الي هيمنة الاحتلال وفساده وجرائمه وكأن قوات الغزو والاحتلال هي قوات عراقية أصيلة. ويركزن الجهود والاموال والميزانيات الكبيرة للعمل في نشاطات تبدو لقلة اتصالها بواقع المرأة العراقية وكأنها بالونات معلقة في الهواء بالاضافة الي كونهن مجرد ملحقات بأحزاب سياسية استخدمتهن لاغراض تجميلية.
واذا تفحصنا جانب التعليم لوجدنا ان البلد يعيش مأساة حقيقية تهدد بخسارة جيل بكامله من الناحية التعليمية حيث لم يداوم في العام الحالي غير 30 بالمئة من الطلاب بينما يداوم البقية هم واساتذتهم بشكل رمزي لاغير. ويمس انقطاع التعليم الفتيات اكثر من الاولاد بسبب حرص الاهل الشديد علي سلامة الفتيات.
اما عن الالتزام المهني وخدمة المواطنين جميعا وفق قاعدة حق المواطنة فقد قضت علي البقية المتبقية منه أعشاب المحاصصة الطائفية والعرقية الضارة وشعار (كل واحد يصيح ياروحي) المنطبق علي السياسيين والبرلمانيين وناشطي المنطقة الخضراء جميعا.
ويكفينا ان نتذكر بان كل امرأة برلمانية سياسية أو غيرها باتت، وان بدرجات مختلفة، تتحدث وتقدم خدماتها وفقا لمقتضيات الطائفة والعرق. فمرتدية الحجاب تتحدث لغة واحدة هي لغة طائفتها حصرا وتري ضرورة القوانين والتشريعات لا للعراق كله بل تبعا لحاجة الطائفة أو العرق. وحسيرة الرأس تتحدث لغة حزبها الليبرالي ـ الامريكي مركزة في نشاطاتها علي نقاط معينة تقتضيها (ديمقراطية) العهد الجديد. فينطبق عليهن ماكتبه عالم الاجتماع المعروف الاستاذ علي الوردي في الجزء الثاني من كتابه القيم (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) عن التعصب الطائفي الذي وصفه بانه الوجه الثاني للمد البدوي. حيث قال: (فالطائفية ليست دينا انما هي نوع من الانتماء القبلي الي مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لايهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية أو روحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو مايوحي به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم. انه بعبارة اخري ينظر الي طائفته كما ينظر البدوي الي قبيلته).
وتقدم هؤلاء النسوة تطبيقا عمليا نموذجيا يحطم كل النظريات النسوية القائلة بان هم المرأة واحد ونضالها واحد في جميع انحاء العالم. حيث استطاعت نسوة الاحتلال وخلال فترة وجيزة نسبيا ان يثبتن للعالم اجمع بان نساء الاحتلال مثل رجاله، عبدات لسياسة المحتل، لا يدركن معني الاستقلال والكرامة وتنخرهن شراهة الفساد من الداخل. وانهن مثل رجال الاحتلال، أيضا، مدربات علي الكذب الناعم في دورات التدريب الاعلامي للناطقين الرسميين في امريكا وبريطانيا. انهن مثل الرجال ايضا في حبهن للسلطة وتشبثهن بكراسيها وان كانت غارقة بدماء أخواتهن من النساء وان كن يعلمن جيدا بانهن مجرد ادوات لتحسن صورة المحتل وحكومته. والا ما معني صمتهن علي جرائم الاحتلال وهي الجرائم التي اثارت اشمئزاز القاصي والداني ودفعت الكل الي المطالبة بالرحيل الفوري لقوات الاحتلال بينما يتلذذن هن وبقية سياسيي الاحتلال بالتضرع بابقاء القوات علي اراضينا وهو فعل يماثل تماما التوسل بابقاء سفاح معروف بتاريخه الحافل بجرائم الاغتصاب في بيت تقطنه فتيات عزل.
اذن، هل تصح المقارنة بين سياسيات وناشطات ( العراق الجديد) وست أديبة؟ لا اعتقد ذلك، لأن ست أديبة كانت ابنة أصيلة للتطور والانجازات ونضال المرأة العراقية، الانجازات التي تمت وفق مسار نابع من حاجة المرأة والمجتمع معا ولم تفرض عليه فرضا من الخارج. لذلك بقيت المفاهيم التي علمتنا اياها من استقلال وكرامة وحب للعمل وخدمة كل ابناء وطننا جزءا لايتجزأ من صيرورتنا كنساء عراقيات، ولم تكن ست أديبة، كما هن سياسيات وبرلمانيات (العهد العراقي) بحاجة الي دورات ومؤتمرات في واشنطن لتدريبها كيف تتعامل مع ابناء وطنها.
القدس العربي
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
أوجه المقارنة بين أديبة والبرلمانيات في العراق المحتل -هيفاء زنكنة
