تظل القضية الفلسطينية (احتلال إسرائيل للأرض واضطهاد الشعب) هي: الأزمة الكبرى، والمشكل (المعطل) للأمن والاستقرار والسلام.. في لبنان أزمة.. نعم.. وفي العراق أزمة (ينعقد لأجل الخروج منها اليوم في بغداد مؤتمر اقليمي دولي).. نعم في العراق أزمة طاحنة.
وعند البحث في الجذور يجد الباحث ـ ولا بد ـ روابط بين هذه الأزمات وبين ما جرى في فلسطين، وما يجري فيها.. وقد كان تقرير بيكر هاملتون ذكيا وأمينا حين أقر ـ واقترح ـ بأن ايجاد حلول عاقلة وعادلة للقضية الفلسطينية هو مفتاح الأمن والاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط.. وهناك شرائح هائلة ـ في كل المستويات ـ في المجتمع الإنساني، ترى ان القضية الفلسطينية هي (أم) القضايا العالمية، أو ـ على الأقل ـ تأتي في طليعة القضايا ذات الصلة المبدئية والوظيفية بالاستقرار العالمي.
والوقائع المتراكمة ـ والمتجددة ـ تؤكد صحة هذا (الوعي العالمي).. ومن هذه الوقائع:
1 ـ استطلاع عالمي أجرته الـ BBC يثبت أن اسرائيل أكثر الدول تأثيرا سلبيا في العالم.
2 ـ أساقفة ألمانيا الكاثوليك شبهوا الوضع الفلسطيني الراهن ـ تحت الاحتلال الاسرائيلي ـ بـ (وضع اليهود في بولندا) تحت الاحتلال النازي.
3 ـ مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة: أدان حرب إسرائيل على لبنان في يوليو 2006، كما أدان فظائع الجيش الاسرائيلي في هذه الحرب.
4 ـ تفجرت فضيحة جديدة ضد ممارسات الجيش الاسرائيلي في حرب 1967. فقد تكشف ان هذا الجيش قد (اغتال) مئات الأسرى المصريين.
5 ـ في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الانسان لعام 2006: اتهام صريح لإسرائيل «!!!» بانتهاكات مروعة ضد الفلسطينيين.. ومما جاء في هذا التقرير: «ان القوات الاسرائيلية قتلت 660 فلسطينيا في عمليات نفذتها في الضفة وقطاع غزة، وأن عددا ملحوظا من هؤلاء القتلى لم يشاركوا في أي عمليات أو هجمات مسلحة، وأن هناك عمليات انتهاك وتعذيب يتعرض لها الفلسطينيون داخل السجون الاسرائيلية. ولقد اغتالت القوات الاسرائيلية عددا كبيرا من الكوادر الفلسطينية. واستمرت الغارات الجوية الاسرائيلية في قصف التجمعات المدنية الفلسطينية.. وثمة اعتداءات مسجلة من أهمها: ما تعرض له الاطفال الفلسطينيون من هجوم للمستعمرين في الخليل. وتؤكد تقارير لجماعات حقوق الإنسان الاسرائيلية: انه لم يتم اتخاذ أي اجراءات ضد المهاجمين في 96 حالة من هذه الاعتداءات.. وفي اكتوبر الماضي اعتقلت اسرائيل 522 فلسطينيا لا يزيد عمر أكبرهم عن 17 سنة، بينما يبلغ اصغرهم الثانية عشرة فقط.. وهناك السجن المعروف باسم 1391 والذي تمنع إسرائيل أي منظمة حقوقية من دخوله».
6 ـ في وقت سابق، أظهر استطلاع للرأي في عموم أوروبا أن 59% من الأوروبيين يعتقدون ان اسرائيل هي أكبر مهدد للسلام العالمي. والأمن الدولي.
7 ـ في الاسبوع الماضي، طلبت الحكومة الاسرائيلية من مواطنيها في مصر والمغرب والاردن مغادرة تلك البلدان لأسباب أمنية.. وهذه ضربة لـ (التطبيع) الذي تتمناه إسرائيل، وتجعله شرطا في اتفاقات التسوية مما يدل على ان هؤلاء الناس ليسوا ضد السلام (الحقيقي) فحسب، بل هم ضد (أهدافهم الاستراتيجية) أيضا!!.
وبمناسبة السلام، لو كانت لدى اسرائيل (ارادة سلام) لسارعت ـ دون تردد ـ الى احتضان المبادرة العربية للسلام، وقد تكون الفرصة فاتتها ابتداء، وان كانت الفرصة لم تفت بالكلية، ولكن اسرائيل لم تفعل، لا من قبل ولا من بعد.. ثم لاحت فرصة جديدة للسلام عبر (اتفاق مكة). ففي هذا الاتفاق من (المرونة) والواقعية ما يحفز كل راغب في السلام، حريص عليه الى الترحيب به واعتماده.. ونقول: كان الاتفاق (مرنا) ولكنه لم يكن (متهافتا) ولا ذليلا. ويبدو أن اسرائيل لا تريد الموقف الأول. وانما تفضل الثاني. وهذا حق تام. فالذليل يستحيل ان يبرم سلاما حقيقيا له صفة الاستمرار والرسوخ والدوام.
ولما كان هذا (النهج الصهيوني) المثقل بالغلو والتطرف والجنون والحمق يمثل (مخاطر رهيبة) على اليهود في العالم، فقد ارتفعت أصوات يهودية عاقلة، تنذر بقدوم كوارث مرعبة سيجرها غلاة الصهيونية على اليهود أجمعين في العالم كله.
ومن أظهر هذه الاصوات وأقواها وأوفاها شجاعة: أولا: (الأصوات اليهودية المستقلة)، وهي نخبة من يهود بريطانيا، روعها أيما ترويع (تسخير يهود بريطانيا في خدمة أهواء اسرائيل وسياساتها الحمقاء).. لقد انشقت هذه المجموعة عن (السياق المتصهين) باطلاق، وهي مجموعة رفيعة المستوى، على رأسها ـ مثلا ـ: المؤرخ الكبير والمحترم: اريكهو بسباوم.. والمفكر الحائز على جائزة نوبل للسلام: هارولد بينتر، فقد جهر هؤلاء بهذه الحقيقة: «من المهم لغير اليهود ان يعرفوا ان هناك يهودا لا يوافقون على شعار ان اليهودي الطيب هو اليهودي الذي يؤيد اسرائيل، وان مبادرتنا انطلقت بسبب الكبت المتراكم داخل الجماعة اليهودية البريطانية، وهو كبت عماده السير وراء رأي واحد في تأييد السياسات الاسرائيلية».
ثانيا: صوت الكاتب البريطاني ـ أيضا ـ: جون روز الذي كتب يقول ـ بوضوح شديد ـ: «ان الصهيونية هي المشكلة وازالتها هي الشرط الاساسي للسلام في الشرق الأوسط. فالصهيونية تهديد جدي وكبير ليس للفلسطينيين فحسب، بل هي تهديد جدي ومرعب لمستقبل اسرائيل نفسها، ولليهود، والديانة اليهودية».
ثالثا: صوت الحاخام اليهودي الامريكي: يسرويل ويس. وقد جهر بهذا الصوت في محطة فوكس نيوز الامريكية ـ (التي قدمت للمقابلة بهذه العبارة: فوكس نيوز تجري أهم لقاء على وجه الكرة الأرضية)..
فماذا قال الحاخام ويس؟.. قال: «إن اسرائيل أفسدت كل شيء على الناس جميعا: اليهود منهم وغير اليهود. وهذه وجهة نظر متفق عليها عبر المئة سنة الماضية، أي منذ قامت الحركة الصهيونية بخلق مفهوم أو فكرة تحويل اليهودية من ديانة روحية الى شيء مادي ذي هدف قومي للحصول على قطعة أرض. وجميع المراجع تؤكد ان هذا الأمر يتناقض مع ما تدعو اليه الديانة اليهودية.. يجب الا تكون لنا دولة، ويجب ان نعيش بين الأمم كما ظل يفعل اليهود منذ أكثر من ألفي عام كمواطنين مخلصين يعبدون الله، ويتصفون بالرحمة الربانية.. وعلى عكس ما يعتقد كثير من الناس. فقد كنا نعيش بين المجتمعات المسلمة والعربية دون أن تكون هناك حاجة الى رقابة منظمات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.. وقد كانت حياة اليهود أفضل بنسبة 100% مما هي عليه الحال قبل وجود اسرائيل. ففي فلسطين لدينا شهادة الجالية اليهودية التي كانت تعيش هناك، وغيرها من الجاليات في اماكن اخرى بأنهم كانوا يعيشون في توافق، وانهم ناشدوا الامم المتحدة بذلك، حسب الوثائق التي بحوزتنا، حيث ان كبير الحاخامات اليهود في القدس قال: نحن لا نريد دولة يهودية، وعند اتخاذ قرار قيام اسرائيل تم تجاهل سكان البلد من المسلمين والمسيحيين واليهود.. ان اليهود يعانون، وان الفلسطينيين يعانون ونحن نصلي من اجل التعجيل بتفكيك اسرائيل بطريقة سلمية».
رابعا: الصوت اليهودي الرابع هو (صوت منظمة يهود التوراة الحقيقيون) في امريكا.. فقد وجهت هذه المنظمة اليهودية الكبيرة نداء الى الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، تناشده فيه: الكف عن اطلاق (صفة دولة يهودية) على الكيان الصهيوني.. ومما ورد في النداء اليهودي الصريح: «نكتب اليكم بسبب اهتمامكم بمعاناة شعوب الشرق الاوسط.. ونود ان نستلفت انتباهكم الى انه بالرغم من ادراككم بأن هناك العديد من اليهود يدعمون ويؤيدون دولة اسرائيل، فان الذي يحتمل الا تكونوا قد سمعتم عنه هو وجود اغلبية صامتة من اليهود معارضة للصهيونية تظل وسائل الاعلام متجاهلة لها، وهي اغلبية باقية على صمودها في الولاء لتعاليم حاخاماتها التي تقول: ان الفكر الصهيوني ينافي تماما ديانتنا اليهودية ومنذ تدمير المعبد المقدس في القدس، ونفي الشعب اليهودي قبل حوالي ألفي عام مضت تعين علينا ان نكون على ولاء صحيح للدول التي اقمنا فيها، ولم نسع على الاطلاق للقيام بانشاء دولة مستقلة ذات سيادة في الارض المقدسة او في اي مكان آخر في العالم. لذلك فان الأمر الاكثر الحاحا هو اننا نشعر بقلق شديد من الاشارة الى دولة اسرائيل بأنها (دولة يهودية)، فهذا الوصف يعرض رفاه اليهود في العالم كله للخطر من خلال ربط اليهود واليهودية بافعال الدولة الصهيونية. فهذه الدولة ومن يدعمها في العالم كله تسعى هي ومؤيدوها الى اثارة الكراهية ضد اليهود في العالم بسبب سياسات اسرائيل، في حين ان الصهاينة لا يمثلون الشعب اليهودي بأي طريقة كانت.. سيدي الرئيس نحن نقدر لكم شعوركم الكريم تجاه اليهود لكننا نؤمن بأن بركات الرب ونعمه على الولايات المتحدة سوف تزداد لو توافر تفهم اعظم وسياسات مختلفة فيما يتعلق بالفارق والاختلاف بين اليهودية والصهيونية.. التوقيع الاغلبية الصامتة من اليهود الامريكيين».
5 ـ من قبل قال المفكر اليهودي: اسرائيل شاحاك: «إن اسرائيل كدولة يهودية تشكل خطرا ليس على نفسها وسكانها فحسب، بل تشكل خطرا على اليهود كافة او على الشعوب والدول الأخرى جميعاً في الشرق الأوسط وما وراءه».
والمفاهيم المستنبطة من الحقائق والوقائع والمعطيات الآنفة:
1 ـ مفهوم: ان الواقع يؤكد أن اليهود (ليسوا سواء).. فمنهم الغلاة المجانين الذين أفسدتهم الصهيونية. ومنهم العقلاء الأحرار الشجعان الذين ابصروا المخاطر المحيقة ببني دينهم فرفعوا اصواتهم محذرين ومنذرين ومنقذين.
2 ـ مفهوم: ان هذا (الواقع) يصدق (المنهج) الذي لم يعم على اليهود (حكما واحدا)، بل نص القرآن على انهم «ليسوا سواء».. والمنطق العقلاني اذ يقضي بـ (نفي المساواة) في الواقع الموجود، فإنه يقضي ـ تأسيسا على ذلك ـ بـ (عدم المساواة) في النظرة والحكم والعلاقة.
3 ـ مفهوم أن الكوارث المحدقة بالهيود وراءها عوامل خمسة هي:
الغلو الذاتي الصهيوني.. و(الرخاوة العربية). فالأمة الرخو تغري شانئيها بمزيد من الغرور والاستئساد عليها.. و(التدليل الامريكي) الذي تجاوز حدود الصداقة والمحبة والهيام!!. فالتدليل المطلق مفسد: سواء في التربية الأسرية أو في العلاقات السياسية بين الدول.. والعامل الرابع هو (العقدة الأوروبية) مما جرى لليهود في قارتهم. وبدفع من هذه العقدة: يصمت الأوروبيون أو (ينافقون). اما العامل الخامس فهو (الغفلة العالمية) المسببة بالعوامل الأربعة السابقة.
4 ـ المفهوم الرابع هو: انه على الذين يدللون اسرائيل باطلاق (طبقة معينة في الولايات المتحدة) او على الذين يهرولون لاسترضائها من العرب. على هؤلاء جميعا: ان يكونوا اكثر ذكاء وصلابة وبعد نظر في ضوء الحقائق والوقائع المذكورة قبل قليل.. عليهم ان يكونوا كذلك من أجل (اليهود) عينهم، ان لم يكن من اجل مصالحهم ومستقبلهم واستقرارهم هم انفسهم والا فإنه من الراجح ان يكون غلاة الصهيونية مصدر شقوة وهلاك لانفسهم وللمنطقة وللعالم كله، كما جهرت بذلك اصوات يهودية كثيرة العدد، رفيعة المستوى.
5 ـ المفهوم الخامس المستنبط: العزم على عقد (اجماع عالمي) على تمكين الفلسطينيين من حقوقهم: بصورة حقيقية وملموسة وعاجلة. فبذلك ـ وحده ـ ينصف الفلسطينيون، وتنهى الازمة، وينقذ اليهود، وينعم الاقليم والعالم بالأمن والاستقرار والسلام.
الشرق الاوسط
المقالات المختارة لا تعبر الا عن راي كاتبها فقط
الصوت اليهودي العقلاني... في مواجهة (الجنون الصهيوني)-زين العابدين الركابي
